الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

وَالأَْنْفِ، وَفِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوْ نِسْبَةٍ مِنَ الدِّيَةِ كَمَا فِي الْمُوضِحَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالآْمَّةِ، وَالْجَائِفَةِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ) (١) .

ثَالِثًا - جِنَايَةُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَطْرَافِهِ خَطَأً:

٦٣ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ قَتَل نَفْسَهُ خَطَأً لاَ تَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِهِ وَلاَ تَحْمِل الْعَاقِلَةُ دِيَتَهُ. لأَِنَّ عَامِرَ بْنَ الأَْكْوَعِ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَرَجَعَ سَيْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَمَاتَ، وَلَمْ يَقْضِ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا (٢)، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهُ؛ وَلأَِنَّهُ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ غَيْرُهُ كَالْعَمْدِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ عَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتَهُ لِوَرَثَتِهِ إِنْ قَتَل نَفْسَهُ، أَوْ أَرْشَ جُرْحِهِ لِنَفْسِهِ إِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ رَجُلًا سَاقَ حِمَارًا فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ فَطَارَتْ مِنْهَا شَظِيَّةٌ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ فَجَعَل عُمَرُ ﵁ دِيَتَهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ

_________

(١) درر الحكام شرح غرر الأحكام ٢ / ١٠٥ - ١٠٨، القوانين الفقهية ٢٣٠، كفاية الأخيار ٢ / ١٠٤ - ١٠٦، المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد ١٧٨، ١٧٩

(٢) حديث: " قصة عامر بن الاكوع ". أخرجها ابن عبد البر في الاستيعاب (٢ / ٧٨٦ - ٧٨٧ ط مطبعة نهضة مصر وإسنادها صحيح.

مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِ (١) .

وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكَفَّارَةِ فَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ وَالْحَنَابِلَةُ: تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: لاَ تَجِبُ؛ لأَِنَّ الْكَفَّارَةَ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الْقَتْل فَإِذَا حَصَل الْقَتْل بَطَل الْخِطَابُ بِهَا كَمَا تَسْقُطُ دِيَتُهُ عَنِ الْعَاقِلَةِ لِوَرَثَتِهِ (٢) .

رَابِعًا - الْخَطَأُ فِي التَّصَادُمِ:

٦٤ - التَّصَادُمُ قَدْ يَقَعُ مِنْ فَارِسَيْنِ، أَوْ مِنْ مَاشِيَيْنِ، أَوْ مِنْ سَفِينَتَيْنِ، وَقَدْ يَقَعُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ، وَالْوَاجِبُ فِي حَال الْخَطَأِ هَل يَضْمَنُ كُل وَاحِدٍ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ بِأَنْ يَضْمَنَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ قِيمَةِ مَا تَلِفَ مِنَ الآْخَرِ؟ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٣) وَتَفْصِيل ذَلِكَ مَحَلُّهُ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ، إِتْلاَفٌ، قَتْلٌ، ضَمَانٌ) .

_________

(١) فتح القدير ١٠ / ٢٣١، الدر المختار ٦ / ٥٤٥، حاشية رد المحتار ٦ / ٦٣٨ قال " كأنه قتل نفسه فكان هدرا " سطر ٢١، وشرح الخرشي ٨ / ٤٩، ٥٠، والمهذب ٢ / ٢١٢، والمغني ٨ / ٣٧١

(٢) فتح القدير ١٠ / ٢٣١، حاشية رد المحتار ٦ / ٥٤٥، ٦٣٨، والمهذب ٢ / ٢١٧، والمغني ٨ / ٥١٣، وشرح الخرشي ٨ / ٤٩، ٥٠

(&# x٦٦٣ ;) درر الحكام شرح غرر الأحكام ٢ / ١١٢، مواهب الجليل وبهامش التاج والإكليل ٦ / ٢٤٣، المهذب ٢ / ١٩٤، ١٩٥، شرح تنقيح اللباب ٢ / ٢٧٦ وما بعدها، المغني ٩ / ١٧٣ - ١٧٧

خَامِسًا - فِي خَرْقِ السَّفِينَةِ خَطَأً:

٦٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ خَرَقَ شَخْصٌ سَفِينَتَهُ عَامِدًا خَرْقًا يُهْلِكُ غَالِبًا، فَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَى الْخَارِقِ، وَخَرْقُهَا لِلإِْصْلاَحِ شِبْهُ عَمْدٍ، فَإِنْ أَصَابَ غَيْرَ مَوْضِعِ الإِْصْلاَحِ فَخَرَقَهُ فَخَطَأٌ مَحْضٌ (١) .

وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ إِذَا خَرَقَ السَّفِينَةَ خَطَأً فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ وَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.

وَإِذَا قَامَ لِيُصْلِحَ مَوْضِعًا فَقَلَعَ لَوْحًا، أَوْ يُصْلِحَ مِسْمَارًا فَثَقَبَ مَوْضِعًا، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ قَبِيل عَمْدِ الْخَطَأِ، أَوْ مِنْ قَبِيل الْخَطَأِ الْمَحْضِ؟

ذَهَبَ إِلَى الأَْوَّل الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَالثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ، لأَِنَّهُ قَصَدَ فِعْلًا مُبَاحًا فَأَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ آدَمِيًّا، لَكِنْ إِنْ قَصَدَ قَلْعَ اللَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ يَغْلِبُ أَنَّهُ لاَ يُتْلِفُهَا فَأَتْلَفَهَا فَهُوَ عَمْدُ الْخَطَأِ وَفِيهِ مَا فِيهِ (٢) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ فِي ضَمَانِ الْمَلاَّحِ: لَوْ دَخَلَهَا الْمَاءُ فَأَفْسَدَ الْمَتَاعَ فَلَوْ بِفِعْلِهِ وَحْدَهُ يَضْمَنُ بِالاِتِّفَاقِ، وَلَوْ بِلاَ فِعْلِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ لاَ يَضْمَنُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ

_________

(١) حاشية الشرقاوى على التحرير ٢ / ٣٧٩، حاشية القليوبي على المنهاج ٤ / ١٥٢

(٢) المغني ٩ / ١٧٧

لاَ يَضْمَنُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ.

وَهَذَا كُلُّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الْمَتَاعِ أَوْ وَكِيلُهُ فِي السَّفِينَةِ، فَلَوْ كَانَ لاَ يَضْمَنُ فِي جَمِيعِ مَا مَرَّ إِذَا لَمْ يُخَالِفْ بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزَ الْمُعْتَادَ؛ لأَِنَّ مَحَل الْعَمَل غَيْرُ مُسَلَّمٍ إِلَيْهِ (١) .

- الْخَطَأُ فِي الأَْيْمَانِ:

أَوَّلًا: الْخَطَأُ فِي حَلِفِ الْيَمِينِ:

٦٦ - مَعْنَى الْخَطَأِ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ سَبْقُ اللِّسَانِ إِلَى غَيْرِ مَا قَصَدَهُ الْحَالِفُ وَأَرَادَهُ بِأَنْ أَرَادَ شَيْئًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُول: اسْقِنِي الْمَاءَ فَقَال: وَاللَّهِ لاَ أَشْرَبُ الْمَاءَ.

وَأَوْجَبُوا فِيهِ الْكَفَّارَةَ إِنْ حَنِثَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالْيَمِينُ (٣)

وَقَالُوا: إِنَّ الْكَفَّارَةَ تَرْفَعُ الإِْثْمَ وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ التَّوْبَةُ. وَخَالَفَ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ فِي انْعِقَادِ يَمِينِ الْمُخْطِئِ وَقَال: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ

_________

(١) مجمع الضمانات ٤٨، ٤٩

(٢) سورة المائدة / ٨٩

(٣) حديث: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح والطلاق واليمين " قال الزيلعي في نصب الراية (٣ / ٢٩٣ - ط المجلس العلمي بالهند): " غريب " يعني أنه ليس له أصل بهذا اللفظ ثم قال: " وانما الحديث: النكاح والطلاق والرجعة " وهذا أخرجه الترمذي (٣ / ٤٨١ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وحسنه.

الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ؛ لأَِنَّ الْمَذْكُورَ فِيهِ جَعَل الْهَزْل بِالْيَمِينِ جِدًّا، وَالْهَازِل قَاصِدٌ لِلْيَمِينِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ فَلاَ يُعْتَبَرُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ شَرْعًا بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ مُخْتَارًا، وَالنَّاسِي بِالتَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَصْلًا وَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعَ، وَكَذَا الْمُخْطِئُ لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ التَّلَفُّظَ بِهِ، بَل بِشَيْءٍ آخَرَ فَلاَ يَكُونُ الْوَارِدُ فِي الْهَازِل وَارِدًا فِي النَّاسِي الَّذِي لَمْ يَقْصِدْ قَطُّ مُبَاشَرَةَ السَّبَبِ، فَلاَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ نَصًّا وَلاَ قِيَاسًا. (١)

وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْخَطَأِ:

الأَْوَّل - سَبْقُ اللِّسَانِ بِمَعْنَى غَلَبَتِهِ وَجَرَيَانِهِ عَلَى لِسَانِهِ نَحْوُ: لاَ وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا، وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا.

الثَّانِي - انْتِقَالُهُ مِنْ لَفْظٍ لآِخَرَ وَالْتِفَاتُهُ إِلَيْهِ عِنْدَ إِرَادَةِ النُّطْقِ بِغَيْرِهِ.

وَقَالُوا: إِنَّ الْقِسْمَ الأَْخِيرَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَدِينُ أَيْ يُقْبَل قَوْلُهُ دِيَانَةً، كَسَبْقِ اللِّسَانِ فِي الطَّلاَقِ، أَمَّا الأَْوَّل فَيَلْزَمُهُ الْيَمِينُ. (٢)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ فِي حَال غَضَبِهِ: كَلاَ وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ، وَكَذَا فِي حَال عَجَلَتِهِ، أَوْ صِلَةِ

_________

(١) حاشية رد المحتار ٣ / ٧٠٨، فتح القدير ٥ / ٦٤، درر الحكام ٢ / ٣٩

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ١٢٧، شرح الزرقاني ٣ / ٥١، شرح الخرشي ٣ / ٥٢

كَلاَمِهِ، أَوْ أَرَادَ الْيَمِينَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَهَذَا لاَ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَلاَ تَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ. (١) فَإِذَا حَلَفَ وَقَال: لَمْ أَقْصِدَ الْيَمِينَ صُدِّقَ، أَمَّا الْحَلِفُ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْيلاَءِ فَلاَ يُصَدَّقُ فِي الظَّاهِرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِإِجْرَاءِ لَفْظِ الْيَمِينِ بِلاَ قَصْدٍ، بِخِلاَفِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ فَدَعْوَاهُ فِيهِمَا بِخِلاَفِ الظَّاهِرِ فَلاَ يُقْبَل، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِالْيَمِينِ مَا يَدُل عَلَى الْقَصْدِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ عَلَى خِلاَفِ الظَّاهِرِ (٢) .

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ فَيُبَيِّنُ بِخِلاَفِهِ، وَمَنْ سَبَقَ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلاَ إِثْمَ فِي هَذَا النَّوْعِ وَلاَ كَفَّارَةَ وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالُوا: إِنْ عَقَدَهَا (أَيِ الْيَمِينَ) عَلَى زَمَنٍ خَاصٍّ مَاضٍ يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ كَأَنْ حَلَفَ مَا فَعَل كَذَا يَظُنُّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَبَانَ بِخِلاَفِهِ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ، بِخِلاَفِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ أَوْ بِنَذْرٍ أَوْ ظِهَارٍ؛ لأَِنَّهُ مِنْ لَغْوِ الأَْيْمَانِ.

وَكَذَا إِذَا عَقَدَهَا عَلَى زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ ظَانًّا صِدْقَهُ فَلَمْ يَكُنْ كَمَنْ حَلَفَ عَلَى غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ

_________

(١) كفاية الأخيار ٢ / ١٥٣، المهذب ٢ / ١٢٨، منهاج الطالبين ٤ / ٢٧٢، ٢٧٣

(٢) كفاية الأخيار ٢ / ١٥٤، منهاج الطالبين ٤ / ٢٧٢، ٢٧٣

يُطِيعُهُ فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ ظَنَّ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ خِلاَفَ نِيَّةِ الْحَالِفِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) .

ثَانِيًا - الْخَطَأُ فِي الْحِنْثِ:

٦٧ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ سَوَاءٌ مَعَ الإِْكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْحِنْثِ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الْحَقِيقِيَّ لاَ يَعْدَمُهُ الإِْكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ، وَكَذَا الإِْغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ فَعَلَهُ ذَاكِرًا لِيَمِينِهِ مُخْتَارًا. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْحِنْثُ هُوَ مُخَالَفَةُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، فَمَنْ حَنِثَ مُخْطِئًا كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ فُلاَنٍ فَدَخَلَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا غَيْرُهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْخَطَأِ أَيْضًا مَا إِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لاَ يَتَنَاوَل مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَل مِنْهُ ثَوْبًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَقِيل بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَقِيل بِالْحِنْثِ إِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِلاَّ فَلاَ حِنْثَ.

وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْغَلَطِ فَقَالُوا: مُتَعَلِّقُ الْخَطَأِ الْجَنَانُ، وَمُتَعَلِّقُ الْغَلَطِ اللِّسَانُ فَحَيْثُ قَالُوا بِالْحِنْثِ الْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْجَنَانِ لاَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْغَلَطِ

_________

(١) المذهب الأحمد في مذهب الإمام أحمد لابن الجوزي ١٩٦، وكشاف القناع ١ / ٢٣٧

(٢) درر الحكام شرح غرر الأحكام ٢ / ٤٠، وفتح القدير ٥ / ٦٥

اللِّسَانِيِّ فَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ فِيهِ. وَمَثَّلُوا لِلْغَلَطِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخَطَأِ: حَلَفَ أَنْ لاَ يُكَلِّمَ زَيْدًا فَكَلَّمَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَمْرٌو، أَوْ حَلَفَ لاَ يَذْكُرُ فُلاَنًا فَذَكَرَهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ غَيْرُ الاِسْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. (١)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا حَلَفَ لاَ يَدْخُل هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلَهَا نَاسِيًا لِلْيَمِينِ أَوْ جَاهِلًا أَنَّهَا الدَّارُ الْمَحْلُوفَةُ عَلَيْهَا هَل يَحْنَثُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلاَقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَوَجْهُ الْحِنْثِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ﴾ (٢) وَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال. وَوَجْهُ عَدَمِ الْحِنْثِ وَهُوَ الرَّاجِحُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٣) الآْيَةَ، وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٤) وَالْيَمِينُ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْعُمُومِ. (٥)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الْحِنْثُ فِي الْيَمِينِ حَال كَوْنِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا إِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَلاَ كَفَّارَةَ، لِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. وَيَقَعُ الطَّلاَقُ وَالْعَتَاقُ إِذَا فَعَل الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِهِمَا نَاسِيًا وَالْجَاهِل كَالنَّاسِي

_________

(١) القوانين الفقهية ص ١٠٨، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٤٢

(٢) سورة المائدة / ٨٩

(٣) سورة الأحزاب / ٥

(٤) حديث: " إن الله وضع. . . . " سبق تخريجه ف / ٩

(٥) كفاية الأخيار ٢ / ١٥٥

فَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُل دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَهَا جَاهِلًا بِأَنَّهَا دَارُهُ حَنِثَ فِي طَلاَقٍ وَعَتَاقٍ فَقَطْ. (١)

ن - الْغَلَطُ فِي الْقِسْمَةِ:

٦٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا تَقَاسَمَا أَرْضًا ثُمَّ ادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا، فَإِنْ كَانَ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لأَِنَّ الْقَاسِمَ كَالْحَاكِمِ فَلَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْغَلَطِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ.

فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ.

وَإِنْ كَانَتْ قِسْمَةَ اخْتِيَارٍ: فَإِنْ تَقَاسَمَا بِأَنْفُسِهِمَا مِنْ غَيْرِ قَاسِمٍ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُقْبَل، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَضِيَ دُونَ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُمَا قَاسِمٌ نَصَّبَاهُ، فَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِأَخْذِ حَقِّهِ نَاقِصًا، وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فَهُوَ كَقِسْمَةِ الإِْجْبَارِ فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ. (٢)

وَقَال فِي الْمُغْنِي: إِنَّهُ فِي كُل الأَْحْوَال - حَتَّى فِي صُورَةِ مَا تَمَّتْ قِسْمَتُهُ تَرَاضَيَا - إِنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بِالْغَلَطِ نُقِضَتِ الْقِسْمَةُ، لأَِنَّ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ٢٣٧، والمذهب الأحمد ١٩٦، والفروع ٦ / ٣٨٦، وحديث: " إن الله وضع عن أمتي ". سبق تخريجه ف / ٩

(٢) المهذب ٢ / ٣٠٩، والمغني ١٠ / ٢٠٩

بِقَبْضِ الثَّمَنِ أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا فِي كَيْلِهِ (١) .

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْغَلَطَ فِي الْقِسْمَةِ وَزَعَمَ أَنَّ شَيْئًا مِمَّا أَصَابَهُ فِي يَدِ صَاحِبِهِ - وَكَانَ قَدْ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ - لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ؛ لأَِنَّهُ يَدَّعِي فَسْخَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ وُقُوعِهَا فَلاَ يُصَدَّقُ إِلاَّ بِحُجَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ اسْتُحْلِفَ الشُّرَكَاءُ فَمَنْ نَكَل مِنْهُمْ جَمَعَ بَيْنَ نَصِيبِ النَّاكِل وَالْمُدَّعِي فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمَا، لأَِنَّ النُّكُول حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ خَاصَّةً فَيُعَامَلاَنِ عَلَى زَعْمِهِمَا، وَإِنْ قَال أَصَابَنِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فَلَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيَّ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ بِالاِسْتِيفَاءِ وَكَذَّبَهُ شَرِيكُهُ تَحَالَفَا وَفُسِخَتِ الْقِسْمَةُ؛ لأَِنَّ الاِخْتِلاَفَ فِي مِقْدَارِ مَا حَصَل لَهُ بِالْقِسْمَةِ فَصَارَ نَظِيرُ الاِخْتِلاَفِ فِي مِقْدَارِ الْمَبِيعِ. (٢)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُتَقَاسِمَيْنِ الْجَوْرَ وَالْغَلَطَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ الْحَاكِمُ عَدَمَهُمَا مُنِعَ مُدَّعِيهِ مِنْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ أَشْكَل الأَْمْرُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَفَاحِشًا وَلَمْ يَثْبُتْ بِقَوْل أَهْل الْمَعْرِفَةِ حَلَفَ الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ أَنَّ الْقَاسِمَ لَمْ يَجْرِ، وَلَمْ يَغْلَطْ، فَإِنْ نَكَل الْمُنْكِرُ لِدَعْوَى صَاحِبِهِ قُسِمَ مَا ادَّعَى الآْخَرُ أَنَّهُ حَصَل بِهِ الْجَوْرُ وَالْغَلَطُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ

_________

(١) المغني ١٠ / ٢٠٩

(٢) فتح القدير ٩ / ٤٤٧، ٤٤٩