الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

ط - الْخَطَأُ فِي وَصْفِ اللُّقَطَةِ:

٥٥ - إِذَا ادَّعَى شَخْصٌ مِلْكِيَّةَ لُقَطَةٍ فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ لاَ يُسَلِّمُهَا إِلَيْهِ إِلاَّ إِذَا وَصَفَهَا وَصْفًا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا لَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا إِذَا أَخْطَأَ مُدَّعِي مِلْكِيَّةِ اللُّقَطَةِ فِي وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِهَا.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ الإِْصَابَةَ فِي بَعْضِ عَلاَمَاتِ اللُّقَطَةِ لاَ تَكْفِي لِدَفْعِهَا إِلَيْهِ، وَإِنَّ الإِْصَابَةَ فِي الْعَلاَمَاتِ كُلِّهَا شَرْطٌ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا وَصَفَ وَاحِدًا مِنَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (٢) وَوَقَعَ الْجَهْل فِي الآْخَرِ أَوِ الْغَلَطُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ:

قِيل: لاَ شَيْءَ لَهُ فِيهِمَا، وَقِيل: يَسْتَأْنِي فِيهِمَا، وَقِيل: يُعْطَى بَعْدَ الاِسْتِينَاءِ مَعَ الْجَهْل وَلاَ شَيْءَ لَهُ مَعَ الْغَلَطِ.

قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا أَعْدَل الأَْقْوَال، وَقَال: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْغَلَطِ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلَى خِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لاَ الْمُتَعَلِّقُ بِاللِّسَانِ (٣) .

وَقَال الْخَرَشِيُّ: إِذَا غَلِطَ فَإِنْ قَال: الْوِكَاءُ مَثَلًا كَذَا، فَإِذَا هُوَ بِخِلاَفِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي وَلاَ تُدْفَعُ لَهُ.

_________

(١) حاشية رد المحتار ٤ / ٢٨٢

(٢) العفاص: الوعاء الذي يكون فيه اللقطة، والوكاء الحبل الذي يربط به فم ذلك الوعاء.

(٣) حاشية العدوي على الخرشي ٧ / ١٢٢

وَإِذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَوْ أَحَدَهُمَا وَأَصَابَ فِي ذَلِكَ وَأَخْطَأَ فِي صِفَةِ الدَّنَانِيرِ، بِأَنْ قَال مُحَمَّدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ يَزِيدِيَّةٌ فَلاَ شَيْءَ لَهُ بِلاَ خِلاَفٍ.

وَقَالُوا: إِذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَغَلِطَ فِي قَدْرِ الدَّرَاهِمِ بِزِيَادَةٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَضُرُّ بِأَنْ قَال: هِيَ عَشَرَةٌ فَإِذَا هِيَ خَمْسَةٌ، أَمَّا غَلَطُهُ بِالنَّقْصِ بِأَنْ قَال: هِيَ عِشْرُونَ فَإِذَا هِيَ ثَلاَثُونَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (لُقَطَةٌ) .

ي - الْغَلَطُ فِي الشُّفْعَةِ:

٥٦ - مِنْ صُوَرِ الْخَطَأِ أَوِ الْغَلَطِ فِي الشُّفْعَةِ أَنْ يَغْلَطَ الشَّفِيعُ فِي شَخْصِ الْمُشْتَرِي، أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَْرْكَانِ كَالْغَلَطِ فِي الثَّمَنِ. وَفِيمَا يَأْتِي بَيَانُ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ قَال الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةٍ فَعَفَا الشَّفِيعُ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ اشْتَرَى بِخَمْسِينَ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ عَفَا عَنِ الشُّفْعَةِ لِقَدْرٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَرْضَاهُ بِمِائَةٍ أَوْ لَيْسَ مَعَهُ مِائَةٌ.

وَإِنْ قَال: اشْتَرَيْتُ نِصْفَهُ بِمِائَةٍ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَى جَمِيعَهُ بِمِائَةٍ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَرْكِ الْجَمِيعِ.

وَإِنْ قَال إِنَّهُ اشْتَرَى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَعَفَا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ بِالنَّقْدِ الآْخَرِ فَهُوَ عَلَى

_________

(١) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ١٢٣

شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَفَا لإِعْوَازِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ عِنْدَهُ، أَوْ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ.

وَإِنْ قَال: اشْتَرَيْتُ الشِّقْصَ فَعَفَا، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُشْتَرِي غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَرْضَى مُشَارَكَةَ الْوَكِيل وَلاَ يَرْضَى مُشَارَكَةَ الْمُوَكِّل (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ أَخْبَرَ الشَّفِيعُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فُلاَنٌ فَقَال: قَدْ سَلَّمْتُ لَهُ، فَإِذَا الْمُشْتَرِي غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمُجَاوَرَةِ، فَرِضَاهُ بِمُجَاوَرَةِ إِنْسَانٍ لاَ يَكُونُ رِضًا مِنْهُ بِمُجَاوَرَةِ غَيْرِهِ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ مِنْهُ مُفِيدٌ، كَأَنَّهُ قَال إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فُلاَنًا فَقَدْ سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ. وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فُلاَنٌ وَآخَرُ مَعَهُ، صَحَّ تَسْلِيمُهُ فِي نَصِيبِ فُلاَنٍ وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ فِي نَصِيبِ الآْخَرِ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِمُجَاوَرَةِ أَحَدِهِمَا فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ رِضًا بِمُجَاوَرَةِ الآْخَرِ (٢) . وَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ فَتَسْلِيمُهُ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ أَقَل فَلَهُ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ حَقَّهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ أَلْفَ دِرْهَمٍ؛ لأَِنَّهُ بَنَى تَسْلِيمَهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَالْخِطَابُ السَّابِقُ كَالْمُعَادِ فِيمَا بَنَى عَلَيْهِ مِنَ الْجَوَابِ، فَكَأَنَّهُ قَال سَلَّمْتُ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ

_________

(١) المهذب ١ / ٣٨٠، ٣٨١، وكشاف القناع ٤ / ١٤٣

(٢) المبسوط ١٤ / ١٠٥

أَلْفًا، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى هَذَا التَّسْلِيمِ لِغَلاَءِ الثَّمَنِ، أَوْ لأَِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَحْصِيل الأَْلْفِ وَلاَ يَزُول هَذَا الْمَعْنَى إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنَ الأَْلْفِ بَل يَزْدَادُ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَقَل مِنَ الأَْلْفِ فَقَدِ انْعَدَمَ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لأَِجْلِهِ رَضِيَ بِالتَّسْلِيمِ فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ، وَهَذَا لأَِنَّ الأَْخْذَ بِالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ، وَقَدْ يَرْغَبُ الْمَرْءُ فِي شِرَاءِ شَيْءٍ عِنْدَ قِلَّةِ الثَّمَنِ وَلاَ يَرْغَبُ فِيهِ عِنْدَ كَثْرَةِ الثَّمَنِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: الشَّفِيعُ إِذَا عَلِمَ بِالْبَيْعِ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِالثَّمَنِ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ لِكَثْرَتِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّمَنَ أَقَل مِمَّا أُخْبِرَ بِهِ فَلَهُ شُفْعَتُهُ وَلَوْ طَال الزَّمَانُ قَبْل ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْقَطَ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الثَّمَنِ.

وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا أَسْقَطَهَا لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الشِّقْصِ الْمُشْتَرَى، بِأَنْ قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نِصْفَ نَصِيبِ شَرِيكِكَ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ اشْتَرَى جَمِيعَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِالشُّفْعَةِ حِينَئِذٍ، لأَِنَّهُ يَقُول لَمْ يَكُنْ لِي غَرَضٌ فِي أَخْذِ النِّصْفِ؛ لأَِنَّ الشَّرِكَةَ بَعْدُ قَائِمَةٌ، فَلَمَّا عَلِمْتُ أَنَّهُ ابْتَاعَ الْكُل أَخَذْتُ لاِرْتِفَاعِ الشَّرِكَةِ وَزَوَال الضَّرَرِ، أَوْ لأَِجْل الْكَذِبِ فِي الْمُشْتَرِي - بِكَسْرِ الرَّاءِ - قِيل لَهُ فُلاَنٌ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِكَ فَأَسْقَطَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي سُمِّيَ فَإِنَّ

_________

(١) المبسوط ١٤ / ١٠٥

لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ كَائِنًا مَا كَانَ الشَّخْصُ.

وَكَذَلِكَ لاَ تَسْقُطُ شُفْعَتُهُ إِذَا قِيل لَهُ إِنَّ فُلاَنًا اشْتَرَى حِصَّةَ شَرِيكِكَ فِي الشِّقْصِ فَرَضِيَ بِهِ وَسَلَّمَ شُفْعَتَهُ لأَِجْل حُسْنِ سِيرَةِ هَذَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الشِّقْصَ اشْتَرَاهُ هُوَ وَشَخْصٌ آخَرُ فَلَهُ الْقِيَامُ بِشُفْعَتِهِ، لأَِنَّهُ يَقُول إِنَّمَا رَضِيتُ بِشَرِكَةِ فُلاَنٍ وَحْدَهُ لاَ بِشَرِكَتِهِ مَعَ غَيْرِهِ (١) .

ك - النِّكَاحُ:

أَوَّلًا - الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ:

٥٧ - يَرَى فَرِيقٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ بِأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ، وَالتَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلاَفِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَتَجَوَّزْتُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّاي؛ لأَِنَّهُ صَادِرٌ لاَ عَنْ قَصْدٍ صَحِيحٍ، بَل عَنْ تَحْرِيفٍ وَتَصْحِيفٍ فَلاَ يَكُونُ حَقِيقَةً وَلاَ مَجَازًا لِعَدَمِ الْعَلاَقَةِ، بَل غَلَطًا فَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ أَصْلًا بِخِلاَفِ مَا لَوِ اتَّفَقَ قَوْمٌ عَلَى النُّطْقِ بِهَذِهِ الْغَلْطَةِ وَصَدَرَتْ عَنْ قَصْدٍ صَحَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ وَضْعٌ جَدِيدٌ وَبِهِ أَفْتَى أَبُو السُّعُودِ (٢) .

وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَرَأْيِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْعَقْدُ بِلَفْظِ

_________

(١) شرح الخرشي ٦ / ١٧٢، ١٧٣

(٢) تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه المسمي رد المحتار ٣ / ١٨، ١٩

جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ إِذَا نَطَقَ بِهِ الْعَامِّيُّ قَاصِدًا بِهِ مَعْنَى النِّكَاحِ يَصِحُّ؛ لأَِنَّ لَفْظَ جَوَّزْتُ وَزَوَّزْتُ لاَ يَفْهَمُ مِنْهُ الْعَاقِدَانِ وَالشُّهُودُ إِلاَّ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ التَّزْوِيجِ وَلاَ يُقْصَدُ مِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ يُحْمَل كَلاَمُ كُل عَاقِدٍ وَحَالِفٍ وَوَاقِفٍ عَلَى عَرَفَةَ (١) .

وَقَال الْغَزَالِيُّ: الْخَطَأُ فِي الصِّيغَةِ إِذَا لَمْ يُخِل بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ وَالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِكَاحٌ) .

ثَانِيًا - الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ:

٥٨ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْغَلَطُ فِي اسْمِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ مِنَ انْعِقَادِ النِّكَاحِ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ حَاضِرَةً فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا، فَلاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّ تَعْرِيفَ الإِْشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ أَقْوَى مِنَ التَّسْمِيَةِ، لِمَا فِي التَّسْمِيَةِ مِنَ الاِشْتِرَاكِ لِعَارِضٍ فَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الإِْشَارَةِ، كَمَا لَوْ قَال: اقْتَدَيْتُ بِزَيْدٍ هَذَا فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ يَصِحُّ (٣) . وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ وَأَرَادَ تَزْوِيجَ الْكُبْرَى فَغَلِطَ فَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى صَحَّ لِلصُّغْرَى بِأَنْ كَانَ اسْمُ الْكُبْرَى عَائِشَةَ وَالصُّغْرَى فَاطِمَةَ، فَقَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٠، ٢١

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٢٠٧

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٦

وَهُوَ يُرِيدُ عَائِشَةَ فَقَبِل، انْعَقَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَصِفْهَا بِالْكُبْرَى، فَلَوْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي الْكُبْرَى فَاطِمَةَ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ لاَ يَنْعَقِدَ الْعَقْدُ عَلَى إِحْدَاهُمَا؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ابْنَةٌ كُبْرَى بِهَذَا الاِسْمِ، وَلاَ تَنْفَعُ النِّيَّةُ هُنَا وَلاَ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ بَعْدَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمُرَادِ (١) .

وَقَال شَمْسُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَال أَبُو بَنَاتٍ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَاهُنَّ أَوْ بِنْتِي أَوْ فَاطِمَةَ وَنَوَيَا مُعَيَّنَةً وَلَوْ غَيْرَ الْمُسَمَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ: لَوْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ ثُمَّ مَاتَ ثُمَّ اخْتَلَفَتُ الزَّوْجَةُ مَعَ الزَّوْجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ الْمُسَمَّاةَ فِي الْعَقْدِ، وَقَال الشُّهُودُ: بَل أَنْتِ الْمَقْصُودَةُ بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنَّمَا الْوَلِيُّ سَمَّى غَيْرَكَ فِي الْعَقْدِ غَلَطًا وَوَافَقَهُمَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَل الْعِبْرَةُ بِقَوْلِهَا لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ النِّكَاحِ، أَوِ الْعِبْرَةُ بِقَوْل الشُّهُودِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالأَْقْرَبُ الأَْوَّل، لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْغَلَطِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ سَمَّاهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا صَحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّ عَدَمَ التَّعْيِينِ إِنَّمَا جَاءَ مِنَ التَّعَدُّدِ وَلاَ تَعَدُّدَ هُنَا، وَكَذَا لَوْ سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَأَشَارَ إِلَيْهَا، بِأَنْ قَال زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فَاطِمَةُ هَذِهِ، وَأَشَارَ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى خَدِيجَةَ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ أَقْوَى، وَلَوْ سَمَّاهَا

_________

(١) فتح القدير ٣ / ١٩٢، حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٦

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٢٠٩

بِغَيْرِ اسْمِهَا وَلَمْ يَقُل بِنْتِي لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَعَائِشَةُ فَقَال الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَائِشَةُ فَقَبِل الزَّوْجُ، وَنَوَيَا فِي الْبَاطِنِ فَاطِمَةَ فَلاَ يَصِحُّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُذْكَرْ بِمَا تَتَعَيَّنُ بِهِ، فَإِنَّ اسْمَ أُخْتِهَا لاَ يُمَيِّزُهَا بَل يَصْرِفُ الْعَقْدَ عَنْهَا، وَلأَِنَّهُمَا لَمْ يَتَلَفَّظَا بِمَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ عَائِشَةُ فَقَطْ، أَوْ مَا لَوْ قَال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي وَلَمْ يُسَمِّهَا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ فِيمَا إِذَا لَمْ يُسَمِّهَا فَفِي مَا سَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَوْلَى (١) .

ثَالِثًا - الْغَلَطُ فِي الزَّوْجَةِ:

٥٩ - إِذَا زُفَّتِ امْرَأَةٌ إِلَى غَيْرِ زَوْجِهَا وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا قَبْل ذَلِكَ فَوَطِئَهَا، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَاطِئِ مَهْرُ الْمِثْل، وَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ. وَيَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ بِهَذَا الْوَطْءِ (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ وَطِئَهَا غَلَطًا وَهِيَ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا (٣) .

وَمِنْ صُوَرِ الْغَلَطِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ أَبٌ عَلَى امْرَأَةٍ وَابْنُهُ عَلَى

_________

(١) كشاف القناع ٥ / ٤١، ٤٢، الفروع ٥ / ١٦٩، ١٧٠

(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٢٤، ٣٨، ٤ / ٢٣، ٢٦، الشرح الصغير ٢ / ٣٧٥، ٤٥٣، كشاف القناع ٥ / ٧٢، منهاج الطالبين ٣ / ٢٤٣

(٣) الشرح الصغير ٢ / ٣٤٥

ابْنَتِهَا وَزُفَّتْ كُلٌّ لِغَيْرِ زَوْجِهَا وَوَطِئَهَا غَلَطًا:

قَال الشَّافِعِيَّةُ: انْفَسَخَ النِّكَاحَانِ وَلَزِمَ كُلًّا لِمَوْطُوءَتِهِ مَهْرُ الْمِثْل، وَعَلَى السَّابِقِ مِنْهُمَا بِالْوَطْءِ لِزَوْجَتِهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَفِيمَا يَلْزَمُ الثَّانِي مِنْهُمَا وُجُوهٌ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: إِنَّ وَطْءَ الأَْوَّل يُوجِبُ عَلَيْهِ مَهْرَ مِثْلِهَا؛ لأَِنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَيُفْسَخُ نِكَاحُهَا مِنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّهَا صَارَتْ بِالْوَطْءِ حَلِيلَةَ ابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ، وَيَسْقُطُ بِهِ مَهْرُ الْمَوْطُوءَةِ عَنْ زَوْجِهَا؛ لأَِنَّ الْفَسْخَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهَا بِتَمْكِينِهَا مِنْ وَطْئِهَا وَمُطَاوَعَتِهَا عَلَيْهِ، وَلاَ شَيْءَ لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَاطِئِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ يَرْجِعُ بِهِ؛ وَلأَِنَّ الْمَرْأَةَ مُشَارِكَةٌ فِي إِفْسَادِ نِكَاحِهَا بِالْمُطَاوَعَةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى زَوْجِهَا شَيْءٌ لَوِ انْفَرَدَتْ بِهِ (٢) .

رَابِعًا - طَلاَقُ الْمُخْطِئِ:

٦٠ - مَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ اسْقِينِي فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلْكَلاَمِ بِدُونِ الْقَصْدِ (٣) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٢٧١

(٢) المغني ٧ / ٥١

(٣) منهاج الطالبين ٢ / ١٥٤، ١٥٥، نهاية المحتاج ٣ / ٣٧٣، المغني ٧ / ٣١٩

مُخْتَارًا لِحُكْمِهِ لِكَوْنِهِ مُخْتَارًا فِي التَّكَلُّمِ، وَلأَِنَّ الْغَفْلَةَ عَنْ مَعْنَى اللَّفْظِ أَمْرٌ خَفِيٌّ وَفِي الْوُقُوفِ عَلَى قَصْدِهِ حَرَجٌ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُرَادُ مِنَ الْقَصْدِ قَصْدُ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الدَّال عَلَيْهِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَدْلُولَهُ وَهُوَ حَل الْعِصْمَةِ.

وَقَالُوا إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِ الطَّلاَقِ، فَالْتَوَى لِسَانُهُ فَتَكَلَّمَ بِالطَّلاَقِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ ثَبَتَ سَبْقُ لِسَانِهِ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى وَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ (٢) .

ل - الْخَطَأُ فِي الْجِنَايَاتِ:

أَوَّلًا - الْقَتْل الْخَطَأُ:

٦١ - الْوَاجِبُ فِي الْقَتْل الْخَطَأِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِل وَالْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، وَالْحِرْمَانُ مِنَ الْمِيرَاثِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَيُرْجَعُ فِي تَعْرِيفِ الْقَتْل الْخَطَأِ وَصُوَرِهِ وَأَنْوَاعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَى مُصْطَلَحَاتِ (قَتْلٌ، دِيَةٌ، كَفَّارَةٌ، إِرْثٌ) .

ثَانِيًا - مَا يَجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ خَطَأً:

٦٢ - الْوَاجِبُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ إِمَّا دِيَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا فِي ذَهَابِ كُلٍّ مِنَ الْكَلاَمِ، وَالسَّمْعِ، وَاللِّسَانِ،

_________

(١) تيسير التحرير ٢ / ٣٠٦، فتح القدير ٣ / ٤٨٨

(٢) شرح الخرشي ٤ / ٣٢، ٣٣