الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
قُبِل مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهَا بِآفَةٍ لاَ نَعْلَمُهَا (١) .
ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي مَصْرِفِ الزَّكَاةِ:
٣٧ - إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَبَانَ خَطَؤُهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: يُجْزِئُهُ وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَالِكٍ إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ السُّلْطَانُ أَوِ الْوَصِيُّ أَوْ مُقَدَّمُ الْقَاضِي وَتَعَذَّرَ رَدُّهَا (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ قَال: بَايَعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلِيٌّ فَأَنْكَحَنِي وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدَ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَقَال: وَاللَّهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ (٣) فَجَوَّزَ ﷺ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّ الصَّدَقَةَ كَانَتْ فَرِيضَةً أَوْ تَطَوُّعًا، وَذَلِكَ يَدُل عَلَى أَنَّ
_________
(١) المغني ٢ / ٥٩٠
(٢) شرح فتح القدير ٢ / ٢٧٥ والشرح الصغير وحاشية الصاوي ١ / ٦٦٨، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك ١٥١ والمنثور في القواعد ٢ / ١٢٣، المجموع ٦ / ٢٣٠، ٢٣١
(٣) حديث معن بن يزيد: " لك ما نويت يا يزيد ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩١ - ط السلفية) .
الْحَال لاَ تَخْتَلِفُ، أَوْ لأَِنَّ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْفَرِيضَةِ، وَلأَِنَّ الْوُقُوفَ عَلَى هَذِهِ الأَْشْيَاءِ إِنَّمَا هُوَ بِالاِجْتِهَادِ لاَ الْقَطْعِ فَيُبْنَى الأَْمْرُ عَلَى مَا يَقَعُ عِنْدَهُ كَمَا إِذَا اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ، وَلَوْ فُرِضَ تَكَرُّرُ خَطَئِهِ فَتَكَرَّرَتِ الإِْعَادَةُ أَفْضَى إِلَى الْحَرَجِ لإِخْرَاجِ كُل مَالِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الزَّكَاةُ خُصُوصًا مَعَ كَوْنِ الْحَرَجِ مَدْفُوعًا عُمُومًا.
وَالْقَوْل الآْخَرُ: لاَ يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ إِلاَّ أَنَّهُ قَال لاَ يَسْتَرِدُّهُ (١) . وَهُوَ قَوْل مَالِكٍ أَيْضًا إِذَا كَانَ الدَّافِعُ هُوَ رَبُّ الْمَال (٢) . وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الإِْمَامُ وَيَسْتَرْجِعُ مِنَ الْمَدْفُوعِ إِلاَّ أَنْ يَتَعَذَّرَ الاِسْتِرْجَاعُ مِنَ الْقَابِضِ فَلاَ ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ رَبُّ الْمَال لَمْ يَجُزْ عَنِ الْفَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيَّنَ أَنَّهَا زَكَاةٌ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ بَيَّنَ رَجَعَ فِي عَيْنِهَا فَإِنْ تَلِفَتْ فَفِي بَدَلِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ الاِسْتِرْجَاعُ فَفِي الضَّمَانِ وَإِخْرَاجِ بَدَلِهَا قَوْلاَنِ: قَال النَّوَوِيُّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهَا لاَ تُجْزِئُهُ وَيَلْزَمُهُ الإِْخْرَاجُ (٣) .
وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ مَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا وَقَالُوا: يَسْتَرِدُّهَا رَبُّهَا بِزِيَادَتِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً أَمْ مُنْفَصِلَةً (٤) .
_________
(١) شرح فتح القدير ٢ / ٢٧٥
(٢) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٥٥٨، إيضاح المسالك ١٥١
(٣) المنثور في القواعد ٢ / ١٢٣، المجموع ٦ / ٢٣٠، ٢٣١
(٤) كشاف القناع ٢ / ٢٩٤، القواعد لابن رجب ٢٣٢
وَاسْتَدَل أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْل: بِأَنَّهُ ظَهَرَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ، وَكَانَ بِإِمْكَانِهِ الْوُقُوفُ عَلَى مَدَى اسْتِحْقَاقِهِ أَوْ عَدَمِهِ فَصَارَ كَالأَْوَانِي وَالثِّيَابِ، فَإِذَا تَحَرَّى فِي الأَْوَانِي الطَّاهِرَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالنَّجِسَةِ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ الْخَطَأُ يُعِيدُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ مِنْهَا بِالتَّحَرِّي ثُمَّ ظَهَرَ خَطَؤُهُ أَعَادَ الصَّلاَةَ، وَمِثْلُهُ إِذَا قَضَى الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ ظَهَرَ نَصٌّ بِخِلاَفِهِ (١) . وَلأَِنَّهُ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ وَهُوَ لاَ يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ كَدَيْنِ الآْدَمِيِّ (٢) .
وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ دَفْعِهَا خَطَأً إِلَى مَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا لِكُفْرٍ أَوْ شَرَفٍ، وَبَيْنَ دَفْعِهَا لِمَنْ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا، فَقَالُوا: لاَ تُجْزِئُ إِذَا دَفَعَهَا لِلْكَافِرِ أَوْ لِمَنْ لاَ يَسْتَحِقُّهَا لِكَوْنِهِ هَاشِمِيًّا، وَلَهُ حَقُّ اسْتِرْدَادِ مَا دَفَعَ. لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِبْرَاءُ الذِّمَّةِ بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يَحْصُل لِدَفْعِهَا لِلْكَافِرِ، فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِخِلاَفِ دَفْعِهَا لِلْغَنِيِّ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ وَلَمْ يَفُتْ (٣) .
وَوَجْهُ قَوْل أَبِي يُوسُفَ فِي عَدَمِ الاِسْتِرْدَادِ أَنَّ فَسَادَ جِهَةِ الزَّكَاةِ لاَ يَنْقُضُ الأَْدَاءَ (٤) .
_________
(١) شرح فتح القدير ٢ / ٢٧٥، ٢٧٦
(٢) كشاف القناع ٢ / ٢٩٤
(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٩٥
(٤) شرح فتح القدير ٢ / ٢٧٥
د - الصَّوْمُ:
أَوَّلًا: الْخَطَأُ فِي صِفَةِ نِيَّةِ صَوْمِ رَمَضَانَ:
٣٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَطْلَقَ الصَّائِمُ نِيَّةَ الصَّوْمِ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ نَوَى النَّفَل أَوْ وَصَفَهُ وَأَخْطَأَ الْوَصْفَ صَحَّ صَوْمُهُ.
قَال فِي الدُّرَرِ: وَصَحَّ الصَّوْمُ بِمُطْلَقِهَا أَيِ النِّيَّةِ، وَبِنِيَّةِ النَّفْل، وَبِخَطَأِ الْوَصْفِ فِي أَدَاءِ رَمَضَانَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الأُْصُول مِنْ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيِّنٌ لِصَوْمِ رَمَضَانَ، وَالإِْطْلاَقُ فِي الْمُتَعَيِّنِ تَعْيِينٌ، وَالْخَطَأُ فِي الْوَصْفِ لَمَّا بَطَل بَقِيَ أَصْل النِّيَّةِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْمُطْلَقِ، نَظِيرُهُ الْمُتَوَحِّدُ فِي الدَّارِ إِذَا نُودِيَ بِيَا رَجُل أَوْ بِاسْمٍ غَيْرِ اسْمِهِ يُرَادُ بِهِ ذَلِكَ بِخِلاَفِ قَضَاءِ رَمَضَانَ حَيْثُ لاَ تَعْيِينَ فِي وَقْتِهِ إِلاَّ إِذَا وَقَعَتِ النِّيَّةُ مِنْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ حَيْثُ يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إِلَى التَّعْيِينِ وَلاَ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ (٢) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَوْمٌ، نِيَّةٌ) .
ثَانِيًا: الْخَطَأُ فِي الإِْفْطَارِ:
٣٩ - مَنْ كَانَ ذَاكِرًا لِلصَّوْمِ فَأَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ
_________
(١) درر الحكام شرح غرر الأحكام ١ / ١٩٧، ١٩٨، شرح فتح القدير ٢ / ٣٠٨، ٣٠٩، المبسوط ٣ / ٦٠، ٦١ والبدائع ٢ / ٩٩٢ - ٩٩٤، والمنتقى ٢ / ٤١، والمجموع ٦ / ٢٩٤، ٢٩٥، والمغني ٣ / ٨٧
(٢) درر الحكام شرح غرر الأحكام ١ / ١٩٧، ١٩٨
كَمَا إِذَا تَمَضْمَضَ فَدَخَل الْمَاءُ فِي حَلْقِهِ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي قَوْلٍ: يَبْطُل الصَّوْمُ وَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ لاَ يَغْلِبُ وُجُودُهُ بِخِلاَفِ النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ عُذْرٌ غَالِبٌ؛ وَلأَِنَّ الْوُصُول إِلَى الْجَوْفِ مَعَ التَّذَكُّرِ فِي الْخَطَأِ لَيْسَ إِلاَّ لِتَقْصِيرٍ فِي الاِحْتِرَازِ فَيُنَاسِبُ الْفَسَادَ، إِذْ فِيهِ نَوْعُ إِضَافَةٍ إِلَيْهِ بِخِلاَفِ النِّسْيَانِ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: عَدَمُ الْبُطْلاَنِ مُطْلَقًا؛ لأَِنَّهُ وَصَل إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَمْ يَبْطُل صَوْمُهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ وَغَرْبَلَةِ الدَّقِيقِ وَالذُّبَابِ (٢) .
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ أَفْطَرَ وَإِلاَّ فَلاَ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ بَالِغْ فِي الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا (٣) فَنَهَاهُ عَنِ الْمُبَالَغَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ وُصُول الْمَاءِ فِي الْمُبَالَغَةِ يُبْطِل صَوْمَهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّهْيِ عَنِ الْمُبَالَغَةِ مَعْنًى، وَلأَِنَّ الْمُبَالِغَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فِي الصَّوْمِ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ سَبَبٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَهُوَ كَالْمُبَاشَرَةِ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّهُ
_________
(١) شرح فتح القدير ٢ / ٣٢٨، بدائع الصنائع ٢ / ١٠٢٤، حاشية رد المحتار ٢ / ٤٠٦، درر الحكام شرح غرر الأحكام ١ / ٢٠٢ والشرح الصغير ١ / ٧٠٩، والمجموع ٦ / ٣٢٦
(٢) كشاف القناع ٢ / ٣٢١ والمجموع ٦ / ٣٢٦
(٣) حديث: " لقيط بن صبرة: " بالغ في الاستنشاق ". أخرجه الترمذي (٣ / ١٤٦ - ط الحلبي) وقال: " حسن صحيح ".
إِذَا جَرَحَ إِنْسَانًا فَمَاتَ جُعِل كَأَنَّهُ بَاشَرَ قَتْلَهُ (١) .
ثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي تَعْيِينِ رَمَضَانَ لِلأَْسِيرِ:
٤٠ - إِنِ اشْتَبَهَتِ الشُّهُورُ عَلَى أَسِيرٍ لَزِمَهُ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَصُومَ، فَإِنْ وَافَقَ صَوْمُهُ شَهْرًا قَبْل رَمَضَانَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى عَدَمِ الإِْجْزَاءِ؛ لأَِنَّهُ أَدَّى الْعِبَادَةَ قَبْل وُجُودِ سَبَبِ وُجُوبِهَا، فَلَمْ تُجْزِهِ كَمَنْ صَلَّى قَبْل الْوَقْتِ وَلأَِنَّهُ تَعَيَّنَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ فِيمَا يَأْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ بِمَا فَعَلَهُ، كَمَا لَوْ تَحَرَّى فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ قَبْل الْوَقْتِ.
وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ (٢) .
رَابِعًا: الْخَطَأُ فِي الْوَقْتِ:
٤١ - لَوْ أَكَل الصَّائِمُ أَوْ جَامَعَ بِاجْتِهَادٍ يَظُنُّ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَقْتَ لَيْلٌ فَبَانَ خِلاَفُ ذَلِكَ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي إِلَى أَنَّهُ لَوْ تَسَحَّرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَإِذَا هُوَ طَالِعٌ، أَوْ أَفْطَرَ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَإِذَا هِيَ لَمْ
_________
(١) المجموع ٦ / ٣٢٦
(٢) المبسوط ٣ / ٥٩ وشرح الخرشي ٢ / ٢٤٥ والمجموع ٦ / ٢٨٤ والمغني ٣ / ١٤٦، والقواعد والفوائد الأصولية ص ٩٠
تَغْرُبْ، وَكَذَا لَوْ جَامَعَ ظَانًّا بَقَاءَ اللَّيْل فَبَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُفْطِرْ مُتَعَمِّدًا بَل مُخْطِئًا، وَوَجَّهُوا قَوْلَهُمْ بِأَنَّ الْقَضَاءَ يَثْبُتُ بِمُطْلَقِ الإِْفْسَادِ سَوَاءٌ كَانَ صُورَةً وَمَعْنًى، أَوْ صُورَةً لاَ مَعْنًى، أَوْ مَعْنًى لاَ صُورَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَسَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأَِنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ جَبْرًا لِلْفَائِتِ فَيَسْتَدْعِي فَوَاتَ الصَّوْمِ لاَ غَيْرُ، وَالْفَوَاتُ يَحْصُل بِمُطْلَقِ الإِْفْسَادِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَى الْجَبْرِ بِالْقَضَاءِ لِيَقُومَ مَقَامَ الْفَائِتِ فَيَنْجَبِرُ مَعْنًى، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَيَتَعَلَّقُ وُجُوبُهَا بِإِفْسَادٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الإِْفْطَارُ الْكَامِل بِوُجُودِ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبِ أَوِ الْجِمَاعِ صُورَةً وَمَعْنًى مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مُبِيحٍ وَلاَ مُرَخِّصٍ وَلاَ شُبْهَةِ الإِْبَاحَةِ (١) .
أَمَّا الْجِمَاعُ بِلاَ عُذْرٍ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَقَدْ قَال الْحَنَابِلَةُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُخْطِئًا، مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ هَلَكْتُ: قَال مَا لَكَ: قَال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ (٢) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٠٢٤، ١٠٣٠، والشرح الصغير ١ / ٧٠٣، ٧٠٦، ٧٠٧، المنتقى ٢ / ٦٣، ٦٥ والمنثور في القواعد ٢ / ١٢٢ والمجموع ٦ / ٣٢٨، والقواعد والفوائد الأصولية ص ٨٥، كشاف القناع ٢ / ٣٢٣، ٣٢٤
(٢) حديث أبي هريرة: " أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٦٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٨١ - ط الحلبي) .
قَال الْبَعْلِيُّ: وَحَكَى صَاحِبُ الرِّعَايَةِ رِوَايَةً: لاَ قَضَاءَ عَلَى مَنْ جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا وَاخْتَارَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (١) .
هـ - الْحَجُّ:
أَوَّلًا - الْخَطَأُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ:
٤٢ - إِذَا أَخْطَأَ النَّاسُ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَجْزَأَ وَتَمَّ حَجُّهُمْ وَلاَ قَضَاءَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَالُوا: إِنَّ وُقُوفَهُمْ صَحِيحٌ وَحَجَّتَهُمْ تَامَّةٌ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ. وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّهُمْ وَقَفُوا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَلاَ يَجُوزُ، كَمَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ فِي رُؤْيَةِ الْهِلاَل جَمَاعَةُ الْمَوْقِفِ لاَ أَكْثَرُهُمْ فَوَقَفُوا بِعَاشِرٍ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَأَنَّ اللَّيْلَةَ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْعَاشِرِ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ لَيْلَةُ الثَّلاَثِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَكْمَلُوا الْعِدَّةَ فَإِذَا هُوَ الْعَاشِرُ، وَاللَّيْلَةُ عَقِبَهُ لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ فَيُجْزِئُهُمْ، وَعَلَيْهِمْ دَمٌ، وَاحْتُرِزَ عَنْ خَطَأِ بَعْضِهِمْ وَلَوْ أَكْثَرَهُمْ فَوَقَفَ الْعَاشِرَ ظَنًّا أَنَّهُ التَّاسِعُ مُخَالِفًا لِظَنِّ غَيْرِهِ فَلاَ يُجْزِئُهُ. وَنَقَل اللَّخْمِيُّ عَنِ
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٣٢٣، ٣٢٤، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلى ص ٨٦
(٢) البدائع ٣ / ١٠٩٩
ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمَ الإِْجْزَاءِ إِذَا وَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ (١) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ إِنْ غَلِطُوا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَجْزَأَهُمْ وَتَمَّ حَجُّهُمْ وَلاَ قَضَاءَ، هَذَا إِذَا كَانَ الْحَجِيجُ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ قَلُّوا أَوْ جَاءَتْ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ فَظَنَّتْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَّ النَّاسَ قَدْ أَفَاضُوا فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ، وَآخَرُونَ أَصَحُّهُمَا لاَ يُجْزِئُهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ مُفْرِطُونَ؛ وَلأَِنَّهُ نَادِرٌ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَالثَّانِي يُجْزِئُهُمْ كَالْجَمْعِ الْكَثِيرِ (٢) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ أَيْضًا (٣) .
وَاسْتَدَلُّوا جَمِيعًا بِحَدِيثِ: يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ النَّاسُ فِيهِ (٤)، وَحَدِيثِ: الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَْضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ (٥) .
_________
(١) مواهب الجليل ٣ / ٩٥ وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٩
(٢) المجموع ٨ / ٢٩٢
(٣) كشاف القناع ٢ / ٥٢٥، والفروع ٣ / ٥٣٤، ٥٣٥، المغني ٣ / ٤٧٤
(٤) حديث: " يوم عرفة اليوم الذي يعرف الناس فيه " أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٢٤ - ط دار المحاسن) بإسنادين، وعلق عليهما شمس الحق العظيم آبادي في حاشيتة عليه: " وهذا الحديث مرسل، وكذا ما بعده وفيه الواقدي وهو ضعيف جدا ".
(٥) حديث: " الصوم يوم تصومون، والفطر. . . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٧١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة: وقال: " حديث حسن ".
أَمَّا لَوْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ التَّاسِعُ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ (١)، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ (٢) وَالأَْصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُمْ. قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ إِجْزَاءِ الْوُقُوفِ فِيهِ وَبَيْنَ إِجْزَائِهِ بِالْعَاشِرِ، أَنَّ الَّذِينَ وَقَفُوا فِيهِ فَعَلُوا مَا تَعَبَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵊، لأَِمْرِهِ بِإِكْمَال الْعِدَّةِ حَيْثُ حَصَل الْغَيْمُ دُونَ اجْتِهَادٍ بِخِلاَفِهِ بِالثَّامِنِ فَإِنَّهُ اجْتِهَادُهُمْ، أَوْ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ بِالْبَاطِل (٣) .
وَلأَِنَّهُ نَادِرٌ غَايَةَ النُّدْرَةِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ؛ وَلأَِنَّهُ خَطَأٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى دَلِيلٍ فَلَمْ يُعْذَرُوا فِيهِ (٤) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ لِحَدِيثِ يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي يُعْرَفُ النَّاسُ فِيهِ قَالُوا: وَهُوَ نَصٌّ فِي الإِْجْزَاءِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَا خَطَأٌ وَصَوَابٌ لاَسْتُحِبَّ الْوُقُوفُ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ السَّلَفُ فَعُلِمَ أَنَّهُ لاَ خَطَأَ (٥) .
وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلٌ لاِبْنِ الْقَاسِمِ بِعَدَمِ الإِْجْزَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ، قَال الْحَطَّابُ: يَعْنِي إِذَا أَخْطَأَ جَمَاعَةُ أَهْل الْمَوْسِمِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَجِّ، فَوَقَفُوا
_________
(١) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩٦
(٢) شرح الزرقاني ٢ / ٢٦٩
(٣) شرح الزرقاني ٢ / ٢٦٩
(٤) بدائع الصنائع ٣ / ١٠٩٦، المجموع ٨ / ٢٩٣
(٥) كشاف القناع ٢ / ٥٢٥، مواهب الجليل ٣ / ٩٥، المجموع ٨ / ٢٩٣