الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

عَنْهُ فَيُعْذَرُ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى تَغْيِيرًا فَاحِشًا مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ، مِثْل الْبَارِئِ الْمُصَوَّرِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ﴾ (١) بِرَفْعِ اسْمِ الْجَلاَلَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ - فَسَدَتْ فِي قَوْل الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ: فَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: لاَ تَفْسُدُ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَحْوَطُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ يَكُونُ كُفْرًا، وَمَا يَكُونُ كُفْرًا لاَ يَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلاَمِ النَّاسِ الْكُفَّارِ غَلَطًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ النَّاسِ سَاهِيًا مِمَّا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَكَيْفَ وَهُوَ كُفْرٌ، وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ؛ لأَِنَّ النَّاسَ لاَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الإِْعْرَابِ.

وَيَتَّصِل بِهَذَا تَخْفِيفُ الْمُشَدَّدِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ، فَلِذَا قَال كَثِيرٌ بِالْفَسَادِ فِي تَخْفِيفِ - ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - وَ- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ - وَالأَْصَحُّ لاَ تَفْسُدُ.

وَأَمَّا فِي الْحُرُوفِ فَإِذَا وَضَعَ حَرْفًا مَكَانَ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَوْ عَجْزًا، فَالأَْوَّل إِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - إِنَّ الْمُسْلِمُونَ - لاَ تَفْسُدُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - قَيَّامِينَ بِالْقِسْطِ - وَالتَّيَّابِينَ - وَالْحَيُّ الْقَيَّامُ - لَمْ تَفْسُدْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ. وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَلَوْ قَرَأَ أَصْحَابَ الشَّعِيرِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا -

_________

(١) سورة فاطر / ٢٨

فَالْعِبْرَةُ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ عِنْدَهُمَا بِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعِبْرَةُ بِوُجُودِ الْمِثْل فِي الْقُرْآنِ (١) .

وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ، نَحْوَ قَوْسَرَةٍ فِي قَسْوَرَةٍ فَسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ.

وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَمِنْهَا فَكُّ الْمُدْغَمِ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ نَحْوُ (وَانْهَا عَنِ الْمُنْكَرِ) بِالأَْلِفِ (وَرَادِدُوهُ إِلَيْكَ) لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ غَيَّرَ نَحْوُ (زَرَابِيبَ) مَكَانَ (زَرَابِيُّ) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَفْسُدُ.

وَكَذَا النُّقْصَانُ إِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ نَحْوُ (جَاءَهُمْ) مَكَانَ (جَاءَتْهُمْ) وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَ نَحْوُ (النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى) بِلاَ وَاوٍ.

أَمَّا الْكَلِمَةُ مَكَانَ الْكَلِمَةِ فَإِنْ تَقَارَبَا مَعْنًى، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَالْحَكِيمِ مَكَانَ الْعَلِيمِ، لَمْ تَفْسُدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمِثْل كَالْفَاجِرِ مَكَانَ الأَْثِيمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ لَمْ يَتَقَارَبَا وَلاَ مِثْل لَهُ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ كَغَافِلِينَ فِي ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا.

_________

(١) شرح فتح القدير ١ / ٣٢٢، ٣٢٣

وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لَمْ تَفْسُدْ نَحْوُ ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾، وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَتْ نَحْوُ الْيُسْرِ مَكَانَ الْعُسْرِ وَعَكْسُهُ.

وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِرًّا) لاَ تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ غَيَّرَتْ فَسَدَتِ الصَّلاَةُ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَهُ كَفَرَ، فَإِذَا أَخْطَأَ فِيهِ أَفْسَدَ (١) .

مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ:

٢٨ - بَحَثَ الْمَالِكِيَّةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صَلاَةِ الْمُقْتَدِي بِاللاَّحِنِ.

فَقَال الْخَرَشِيُّ: قِيل: تَبْطُل صَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِلاَحِنٍ (٢) مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ غَيَّرَ الْمَعْنَى كَكَسْرِ كَافِ ﴿إِيَّاكَ﴾ وَضَمِّ تَاءِ ﴿أَنْعَمْتُ﴾ أَمْ لاَ، وُجِدَ غَيْرُهُ أَمْ لاَ، إِنْ لَمْ تَسْتَوِ حَالَتُهُمَا أَوْ إِنْ كَانَ لَحْنُهُ فِي الْفَاتِحَةِ دُونَ غَيْرِهَا؟ قَوْلاَنِ. ثُمَّ قَال: وَمَحَل الْخِلاَفِ فِيمَنْ عَجَزَ عَنْ تَعَلُّمِ الصَّوَابِ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَعَ قَبُول التَّعْلِيمِ، أَوِ ائْتَمَّ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِثْلَهُ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ اللَّحْنَ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ بَاطِلَةٌ بِلاَ نِزَاعٍ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِكَلِمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي صَلاَتِهِ، وَمَنْ فَعَلَهُ سَاهِيًا لاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ وَلاَ صَلاَةَ مَنِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا

_________

(١) شرح فتح القدير ١ / ٣٢٣، ٣٢٤

(٢) اللاحن من اللحن، وهو: الخطأ في الإعراب، أو الخروج عن طريق العرب في استعمال الألفاظ.

بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَهَا عَنْ كَلِمَةٍ فَأَكْثَرَ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

وَإِنْ فَعَل ذَلِكَ عَجْزًا بِأَنْ لاَ يَقْبَل التَّعْلِيمَ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ صَحِيحَةٌ أَيْضًا قَطْعًا، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الأَْلْكِنَةِ، وَسَوَاءٌ وُجِدَ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ أَوْ لاَ.

وَإِنْ كَانَ عَجْزُهُ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ لِعَدَمِ مَنْ يُعَلِّمُهُ مَعَ قَبُولِهِ التَّعْلِيمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ وُجُودِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ وَصَلاَةَ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مِثْل الإِْمَامِ فِي اللَّحْنِ أَمْ لاَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ فَصَلاَتُهُ وَصَلاَةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ صَحِيحَةٌ إِنْ كَانَ مِثْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ بِأَنْ كَانَ يَنْطِقُ بِالصَّوَابِ فِي كُل قِرَاءَتِهِ، أَوْ صَوَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ صَوَابِ إِمَامِهِ فَإِنَّهُ مَحَل خِلاَفٍ.

وَهَل تَبْطُل صَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِغَيْرِ مُمَيِّزٍ بَيْنَ ضَادٍ وَظَاءٍ مَا لَمْ تَسْتَوِ حَالَتُهُمَا؟ قَال بِالْبُطْلاَنِ: ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ وَعَبْدُ الْحَقِّ.

وَأَمَّا صَلاَتُهُ هُوَ فَصَحِيحَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ عَمْدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَال: وَظَاهِرُهُ جَرَيَانُ هَذَا الْخِلاَفِ فِيمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَفِي الْمَوَّاقِ تَقْيِيدُهُ بِمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ بَيْنَهُمَا فِي الْفَاتِحَةِ، وَذَكَرَ الْحَطَّابُ وَالنَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ صِحَّةُ الاِقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَهُمَا، وَحَكَى الْمَوَّاقُ الاِتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الصَّادِ

وَالسِّينِ كَمَنْ لَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَ الضَّادِ وَالظَّاءِ، وَكَذَا بَيْنَ الزَّايِ وَالسِّينِ (١) .

٢٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَصِحُّ الاِقْتِدَاءُ بِلاَحِنٍ بِمَا لاَ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَضَمِّ الْهَاءِ فِي ﴿لِلَّهِ﴾ فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنًى فِي الْفَاتِحَةِ كَأَنْعَمْتُ بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ وَلَمْ يُحْسِنَ اللاَّحِنُ الْفَاتِحَةَ فَكَأُمِّيٍّ لاَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْقَارِئِ بِهِ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ أَوْ لاَ، وَلاَ صَلاَتُهُ إِنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ وَإِلاَّ صَحَّتْ كَاقْتِدَائِهِ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ أَحْسَنَ اللاَّحِنُ الْفَاتِحَةَ وَتَعَمَّدَ اللَّحْنَ أَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يُعِدِ الْقِرَاءَةَ عَلَى الصَّوَابِ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ مُطْلَقًا وَلاَ الاِقْتِدَاءُ بِهِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ كَجَرِّ اللاَّمِ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) صَحَّتْ صَلاَتُهُ وَصَلاَةُ الْمُقْتَدِي بِهِ حَال كَوْنِهِ عَاجِزًا عَنِ التَّعَلُّمِ، أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي الصَّلاَةِ (٣) .

٣٠ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُْمِّيِّ وَهُوَ مَنْ لاَ يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ يُدْغِمُ مِنْهَا حَرْفًا لاَ يُدْغَمُ، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيل الْمَعْنَى كَفَتْحِ هَمْزَةِ اهْدِنَا؛ لأَِنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْهَدِيَّةِ لاَ الْهِدَايَةِ، وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتُ وَكَسْرِهَا وَكَسْرِ كَافِ إِيَّاكَ، فَإِنْ لَمْ يَحِل الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَال نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ فَلَيْسَ أُمِّيًّا وَإِنْ أَتَى بِاللَّحْنِ الْمُحِيل

_________

(١) شرح الخرشي ٢ / ٢٥، ٢٦

(٢) سورة التوبة / ٣

(٣) شرح المنهج وحاشية الجمل عليه ١ / ٥٢٧

لِلْمَعْنَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِصْلاَحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ لأَِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلاَمِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْكَلاَمِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِصْلاَحِ اللَّحْنِ الْمُحِيل لِلْمَعْنَى قَرَأَهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ لِحَدِيثِ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١) وَمَا زَادَ عَنِ الْفَاتِحَةِ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِعَمْدِهِ (٢) .

خَامِسًا: الْكَلاَمُ فِي الصَّلاَةِ خَطَأٌ:

٣١ - إِنْ أَرَادَ الْمُصَلِّي قِرَاءَةً أَوْ ذِكْرًا فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلاَمُ النَّاسِ قَال فِي الْمَبْسُوطِ: فَإِنْ تَكَلَّمَ فِي صَلاَتِهِ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا مُخْطِئًا أَوْ قَاصِدًا اسْتَقْبَل الصَّلاَةَ لِحَدِيثِ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ (٣) فَدَل أَنَّ بَعْدَ الْكَلاَمِ لاَ يَجُوزُ الْبِنَاءُ قَطُّ (٤) وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَال: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ (٥) . هَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، أَمَّا عِنْدَ غَيْرِهِمْ

_________

(١) حديث: " إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٢٥١ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٧٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) كشاف القناع ١ / ٤٨٠، ٤٨١

(٣) حديث: " وليبن على صلاته ما لم يتكلم ". أخرجه الدارقطني (١ / ١٥٦ - ط دار المحاسن) من حديث علي بن أبي طالب موقوفا عليه.

(٤) المبسوط ١ / ١٧٠، ١٧١، حاشية رد المحتار ١ / ٦١٤، ٦١٥

(٥) حديث: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ". أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ٣٨٢ - ط الحلبي) .

فَإِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ يَسِيرِ الْكَلاَمِ وَكَثِيرِهِ وَقَالُوا: إِنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ خَطَأٌ لاَ يُفْسِدُ الصَّلاَةَ وَيُفْسِدُهَا الْكَلاَمُ الْكَثِيرُ (١) . وَتَفْصِيلُهُ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةٌ) .

سَادِسًا: شَكُّ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ:

٣٢ - إِنْ سَهَا الإِْمَامُ فِي صَلاَتِهِ فَسَبَّحَ اثْنَانِ يَثِقُ الإِْمَامُ بِقَوْلِهِمَا لَزِمَهُ قَبُولُهُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خَطَؤُهُمَا، وَهُوَ قَوْل الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَعَ إِلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا سَأَلَهُمَا أَحَقٌّ مَا يَقُول ذُو الْيَدَيْنِ (٣) . فَقَالاَ نَعَمْ. مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا بِدَلِيل أَنَّهُ أَنْكَرَ مَا قَال ذُو الْيَدَيْنِ وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَؤُهُمَا لَمْ يَعْمَل بِقَوْلِهِمَا (٥) . لأَِنَّ مَنْ شَكَّ فِي فِعْل نَفْسِهِ لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ إِلَى قَوْل غَيْرِهِ (٦) .

_________

(١) الفواكه الدواني ١ / ٢٦١، حاشية الشرقاوي على التحرير ١ / ٢١٨، المغني ٢ / ٤٣

(٢) حاشية رد المحتار ٢ / ٩٤، شرح الزرقاني ١ / ٢٤٤، المغني ٢ / ١٨

(٣) حديث: " ذي اليدين ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٦ - ط السلفية)

(٤) المغني ٢ / ١٨

(٥) المجموع ٤ / ٢٣٩

(٦) المجموع ٤ / ٢٣٨

أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ الإِْمَامُ مِنْ صَوَابِهِ وَخَطَأِ الْمَأْمُومِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُتَابَعَتُهُمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ وَجُمْهُورُ الْحَنَابِلَةِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ قَوْل أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْمُخْبِرِينَ إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ كَثْرَةً ظَاهِرَةً بِحَيْثُ يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِمْ كَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالشَّاهِدَيْنِ وَيَتْرُكُ يَقِينَ نَفْسِهِ (١) .

سَابِعًا: الْخَطَأُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ:

٣٣ - رَأَى الْمُسْلِمُونَ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ سَوَادًا فَظَنُّوهُ خَطَأً عَدُوًّا وَصَلَّوْا صَلاَةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ حَائِلٌ لاَ يُمْكِنُهُ الْوُصُول إِلَيْهِمُ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل: تَلْزَمُهُمْ إِعَادَةُ الصَّلاَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢) وَقَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ (٣) لأَِنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُبِيحُ فَأَشْبَهَ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ عَلِمَ بِحَدَثِهِ، سَوَاءٌ اسْتَنَدَ الظَّنُّ

_________

(١) المجموع ٤ / ٢٣٩، المغني ٢ / ١٨، الدر المختار شرح تنوير الأبصار ٢ / ٩٤، شرح الزرقاني ١ / ٢٤٤

(٢) حاشية رد المحتار ٢ / ١٨٦، كشاف القناع ٢ / ٢٠

(٣) المجموع ٤ / ٤٣٢

لِخَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (١)، وَلأَِنَّهُمْ تَيَقَّنُوا الْغَلَطَ فِي الْقِبْلَةِ (٢) .

الثَّانِي: لاَ يُعِيدُونَ وَتُجْزِئُهُمْ صَلاَتُهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٣) . وَالْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لِوُجُودِ الْخَوْفِ حَال الصَّلاَةِ (٤) .

ج - الزَّكَاةُ:

أَوَّلًا: الْخَطَأُ فِي الْخَرْصِ:

٣٤ - قَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ فَوُجِدَتْ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَصَ يَأْخُذُ زَكَاةَ الزَّائِدِ، قِيل: وُجُوبًا، وَقِيل: اسْتِحْبَابًا، وَمَنْ قَال بِالْوُجُوبِ حَمَلَهُ عَلَى الْحَاكِمِ يَحْكُمُ ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّهُ خَطَأٌ صُرَاحٌ، وَمَنْ قَال بِالاِسْتِحْبَابِ حَمَلَهُ عَلَى التَّعْلِيل بِقِلَّةِ إِصَابَةِ الْخِرَاصِ.

أَمَّا إِذَا ثَبَتَ نَقْصُ الثَّمَرَةِ، فَإِنْ ثَبَتَ النَّقْصُ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ عَمِل بِهَا، وَإِلاَّ لَمْ تَنْقُصِ الزَّكَاةُ، وَلاَ يُقْبَل قَوْل رَبِّهَا فِي نَقْصِهَا لاِحْتِمَال كَوْنِ النَّقْصِ مِنْهُ. وَلَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ النَّقْصَ مِنْ خَطَأِ الْخَارِصِ نَقَصَتِ الزَّكَاةُ (٥) .

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَاعِدَةِ - الْوَاجِبُ الاِجْتِهَادُ أَوِ الإِْصَابَةُ (٦) .

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٢٠

(٢) المجموع ٤ / ٤٣٢

(٣) شرح الزرقاني ٢ / ٧١

(٤) المجموع ٤ / ٤٣٢

(٥) شرح الخرشي ٢ / ١٧٦

(٦) إيضاح المسالك - القاعدة الثامنة ص ١٥١

٣٥ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ ادَّعَى الْمَالِكُ أَنَّ الْخَارِصَ أَخْطَأَ أَوْ غَلِطَ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَ الْقَدْرَ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ بِلاَ خِلاَفٍ. وَإِنْ بَيَّنَهُ، وَكَانَ يَحْتَمِل الْغَلَطَ فِي مِثْلِهِ كَخَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي مِائَةٍ قُبِل قَوْلُهُ، وَحُطَّ عَنْهُ مَا ادَّعَاهُ، فَإِنِ اتَّهَمَهُ حَلَّفَهُ، وَفِي الْيَمِينِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا مُسْتَحَبَّةٌ. هَذَا إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى فَوْقَ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، أَمَّا إِذَا ادَّعَى بَعْدَ الْكَيْل غَلَطًا يَسِيرًا فِي الْخَرْصِ بِقَدْرِ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ كَصَاعٍ مِنْ مِائَةٍ فَهَل يُحَطُّ مِنْهُ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا. لاَ يُقْبَل لأَِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقِ النَّقْصُ لاِحْتِمَال أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْكَيْل، وَلَوْ كِيل ثَانِيًا لَوَفَّى. وَالثَّانِي: يُقْبَل وَيُحَطُّ عَنْهُ؛ لأَِنَّ الْكَيْل تَعَيَّنَ وَالْخَرْصُ تَخْمِينٌ فَالإِْحَالَةُ عَلَيْهِ أَوْلَى.

أَمَّا إِذَا ادَّعَى نَقْصًا فَاحِشًا لاَ يُجَوِّزُ أَهْل الْخِبْرَةِ وُقُوعَ مِثْلِهِ غَلَطًا فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي حَطِّ جَمِيعِهِ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهَل يُقْبَل فِي حَطِّ الْمُمْكِنِ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا يُقْبَل (١) .

٣٦ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنِ ادَّعَى رَبُّ الْمَال غَلَطَ الْخَارِصِ وَكَانَ مَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلًا قُبِل قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَمِلًا مِثْل أَنْ يَدَّعِيَ غَلَطَ النِّصْفِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُقْبَل مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَمِل فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِنْ قَال لَمْ يَحْصُل فِي يَدِيَّ غَيْرُ هَذَا

_________

(١) المجموع ٤ / ٤٨٦، فتح العزيز شرح الوجيز مطبوع مع المجموع ٥ / ٥٩١، ٥٩٢