الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

ثُمَّ قَال: وَقَال بَعْضُهُمُ: الْغَلَطُ أَنْ يَسْهَى تَرْتِيبَ الشَّيْءِ وَأَحْكَامَهُ، وَالْخَطَأُ أَنْ يَسْهَى عَنْ فِعْلِهِ، أَوْ أَنْ يُوقِعَهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ وَلَكِنْ لِغَيْرِهِ (١) .

وَهَذَا الْبَحْثُ يَشْمَل مُصْطَلَحَيْ (خَطَأٌ، وَغَلَطٌ) بِاعْتِبَارِهِمَا يَرِدَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا هُوَ اصْطِلاَحُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِلَفْظِ الْخَطَأِ، كَمَا فِي بَيْعِ الْمُخْطِئِ وَطَلاَقِهِ.

وَالْمَالِكِيَّةُ يُعَبِّرُونَ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاِعْتِقَادِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْغَلَطِ فِي الْمَبِيعِ، وَتَأْتِي تَعْبِيرَاتُهُمْ مُخْتَلِفَةً أَحْيَانًا، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ بِلَفْظَةِ الْخَطَأِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعَبِّرُ عَنْ ذَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظَةِ الْغَلَطِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل كَمَسَائِل الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ وَالْغَفْلَةُ وَالذُّهُول:

٤ - هَذِهِ الأَْلْفَاظُ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالأُْصُولِيِّينَ.

فَقَدْ نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ اتِّفَاقَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ.

وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ (٢) .

_________

(١) الفروق اللغوية ص ٤١

(٢) تيسير التحرير ٢ / ٢٦٣، شرح فتح القدير ١ / ٣٩٥، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦١٤، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٠٢

وَصَرَّحَ الْبَيْجُورِيُّ بِأَنَّ السَّهْوَ مُرَادِفٌ لِلْغَفْلَةِ، وَأَمَّا الذُّهُول فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَهُ مُسَاوِيًا لِلْغَفْلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَعَمَّ مِنْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ أَخَصَّ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ تَرْجِعُ إِلَى عُيُوبٍ فِي الإِْرَادَةِ لِمَنْ فَاتَهَا الْعِلْمُ، وَمَا كَانَ مُنَافِيًا لِلْعِلْمِ كَانَ مُنَافِيًا لِلإِْرَادَةِ، وَصِلَتُهَا بِالْخَطَأِ أَنَّهَا أَسْبَابٌ تُؤَدِّي إِلَيْهِ وَالْخَطَأُ يُنْتَجُ عَنْهَا (١) .

ب - الإِْكْرَاهُ:

٥ - الإِْكْرَاهُ هُوَ حَمْل الْغَيْرِ عَلَى مَا لاَ يَرْضَاهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلاَ يَخْتَارُ الْمُكْرَهُ مُبَاشَرَتَهُ لَوْ خُلِّيَ وَنَفْسَهُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ وَتَفْصِيل أَحْكَامِهِ مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (إِكْرَاهٌ)

قَال الآْمِدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ بِالإِْكْرَاهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ، وَصَارَ نِسْبَةُ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الْفِعْل إِلَيْهِ نِسْبَةُ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ

_________

(١) حاشية الجمل ١ / ٤٤٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٧٧، ٦ / ١٤٧، وجمع الجوامع ١ / ٦٨، ٦٩، ٢ / ١٩٣. وانظر غريب الحديث للهروي ٣ / ١٤٩، والنهاية في غريب الحديث والأثر ٥ / ٥٠، وحاشية البيجوري على متن السنوسية ص ٢٩ - النشر الطيب على توحيد ابن عاشر ١ / ٣٥٥، والمفردات ص ٣٦٢، ٤٩١، والمصباح المنير، ولسان العرب والشرح الصغير ٤ / ٢٤٣، ونهاية السول في شرح منهاج الأصوال بتحقيق المطيعي ١ - ٥ / ٣، وتيسير التحرير ٢ / ٢٦٤ و٣٠٥ و٣٠٦، والقواعد والفوائد الأصولية للبعلي ص ١٥٣، والإحكام في أصوال الأحكام للآمدي ١ / ١١٧، وشرح فتح القدير ١ / ٣٩٥.

إِلَيْهِ، أَنَّ تَكْلِيفَهُ بِهِ إِيجَادًا وَعَدَمًا غَيْرُ جَائِزٍ إِلاَّ عَلَى الْقَوْل بِتَكْلِيفِ مَا لاَ يُطَاقُ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الاِضْطِرَارِ فَهُوَ مُخْتَارٌ، وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَأَمَّا الْمُخْطِئُ فَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إِجْمَاعًا فِيمَا هُوَ مُخْطِئٌ فِيهِ (١) .

ج - الْهَزْل:

٦ - الْهَزْل ضِدُّ الْجَدِّ وَهُوَ كُل كَلاَمٍ لاَ تَحْصِيل لَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْهُزَال (٢) .

وَقَال ابْنُ الأَْثِيرِ: الْهُزَال وَاللَّعِبُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ (٣) . وَنَحْوُهُمَا الْمِزَاحُ.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ لاَ يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلاَلَتِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَلاَ الْمَجَازِيُّ بِأَنْ لاَ يُرَادَ بِهِ شَيْءٌ أَوْ يُرَادَ بِهِ مَا لاَ يَصِحُّ إِرَادَتُهُ بِهِ (٤) .

وَالْهَزْل كَالْخَطَأِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ إِلاَّ أَنَّ الْمُخْطِئَ لاَ قَصْدَ لَهُ فِي خُصُوصِ اللَّفْظِ وَلاَ فِي حُكْمِهِ، وَالْهَازِل مُخْتَارٌ رَاضٍ بِخُصُوصِ اللَّفْظِ غَيْرُ رَاضٍ بِحُكْمِهِ (٥) .

_________

(١) الإحكام في أصوال الأحكام ١ / ١١٧، نهاية السول في شرح منهاج الأصول ١ / ٣٢١، الإبهاج في شرح المنهاج ١ / ١٦١، القواعد والفوائد الأصولية ص ٣٩، تيسير التحرير ٢ / ٢٥٨، ٣٠٧

(٢) المفردات ص ٥٤٢

(٣) النهاية ٥ / ٢٦٣

(٤) تيسير التحرير ٢ / ٢٩٠

(٥) تيسير التحرير ٢ / ٣٠٧

د - الْجَهْل:

٧ - الْجَهْل انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَصْلًا، وَيُسَمَّى الْجَهْل الْبَسِيطَ، أَوْ أَدْرَكَ عَلَى خِلاَفِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُسَمَّى الْجَهْل الْمُرَكَّبَ؛ لأَِنَّهُ جَهْل الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ، مَعَ الْجَهْل بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلاَسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ.

وَاعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ الْجَهْل عُذْرًا مِنْ بَابِ التَّخْفِيفِ، وَعَارِضًا مِنَ الْعَوَارِضِ الْمُكْتَسَبَةِ، مِثْلُهُ مِثْل الْخَطَأِ، وَأَنَّهُ مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ وَيُعْتَدُّ بِهِ عُذْرًا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْهِيَّاتِ دُونَ الْمَأْمُورَاتِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْمَأْمُورَاتِ إِقَامَةُ مَصَالِحِهَا، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِفِعْلِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتُ مَزْجُورٌ عَنْهَا بِسَبَبِ مَفَاسِدِهَا امْتِحَانًا لِلْمُكَلَّفِ بِالاِنْكِفَافِ عَنْهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّعَمُّدِ لاِرْتِكَابِهَا، وَمَعَ الْجَهْل لَمْ يَقْصِدِ الْمُكَلَّفُ ارْتِكَابَ الْمَنْهِيِّ فَعُذِرَ بِالْجَهْل فِيهِ (١) .

وَلاَ يُعْتَبَرُ الْجَهْل عُذْرًا فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ مَثَلُهُ فِي ذَلِكَ مَثَل الْخَطَأِ، فَيَضْمَنُ الْجَاهِل وَالْمُخْطِئُ مَا يُتْلِفَانِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٨ - اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الأُْصُول فِي وَصْفِ الْمُخْطِئِ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ.

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٠٣، ٣٠٤، حاشية البيجوري على السنوسية ص ٢٩، النشر الطيب ٢ / ٢٧، وحاشية البناني على جمع الجوامع ١ / ١١١ - ١٦٤، غاية الوصول شرح لب الأصول ص ٢٢، ٢٣، والمنثور في القواعد ٢ / ١٦ - ٢٠، والفروق في اللغة ٢ / ١٤٩ - ١٥١

فَقَال الإِْسْنَوِيُّ: بَعْدَ أَنْ عَرَّفَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ بِالاِقْتِضَاءِ أَوِ التَّخْيِيرِ: مِنْ فُرُوعِ كَوْنِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لاَ بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْمُكَلَّفِينَ، أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفَاعِل، وَهُوَ مَا إِذَا وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ مَثَلًا، هَل يُوصَفُ وَطْؤُهُ بِالْحِل وَالْحُرْمَةِ، وَإِنِ انْتَفَى عَنْهُ الإِْثْمُ، أَوْ لاَ يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهَا؟ فِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الثَّالِثُ، وَبِهِ أَجَابَ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ فَتَاوِيهِ؛ لأَِنَّ الْحِل وَالْحُرْمَةَ مِنَ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ، وَالسَّاهِي وَالْمُخْطِئُ وَنَحْوُهُمَا لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.

وَجَزَمَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْحُرْمَةِ، وَقَال بِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: (أَيِ الشَّافِعِيَّةِ) وَالْخِلاَفُ يَجْرِي فِي قَتْل الْخَطَأِ، وَفِي أَكْل الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ.

ثُمَّ قَال: وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمَ أَوِ الإِْبَاحَةَ لَمْ يُقَيِّدِ التَّعَلُّقَ بِالْمُكَلَّفِينَ بَل بِالْعِبَادِ، لِيَدْخُل فِيهِ أَيْضًا صِحَّةُ صَلاَةِ الصَّبِيِّ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَوُجُوبُ الْغَرَامَةِ بِإِتْلاَفِهِ، وَإِتْلاَفِ الْمَجْنُونِ وَالْبَهِيمَةِ، وَالسَّاهِي وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ (١) .

وَقَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ بَيْنَ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ مَرْتَبَةُ الْعَفْوِ فَلاَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنَ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ. ثُمَّ قَال: وَيَظْهَرُ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ

_________

(١) التمهيد ص ٤٨، ٤٩ تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو.

مِنَ الشَّرِيعَةِ، مِنْهَا مَا يَكُونُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَمِنْهَا مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَمِنْهَا الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ، فَكُل فِعْلٍ صَدَرَ عَنْ غَافِلٍ، أَوْ نَاسٍ، أَوْ مُخْطِئٍ، فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ عَلَيْنَا أَفَرَضْنَا تِلْكَ الأَْفْعَال مَأْمُورًا بِهَا أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهَا أَمْ لاَ. لأَِنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَلاَ مَأْمُورًا بِهَا وَلاَ مُخَيَّرًا فِيهَا فَقَدْ رَجَعَتْ إِلَى قِسْمِ مَا لاَ حُكْمَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ.

وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهَا الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ، فَمِنْ شَرْطِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ ذِكْرُ الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الاِمْتِثَال، وَذَلِكَ فِي الْمُخْطِئِ، وَالنَّاسِي، وَالْفَاعِل مُحَالٌ، وَمِثْل ذَلِكَ النَّائِمُ، وَالْمَجْنُونُ، وَالْحَائِضُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَمِنْهَا الْخَطَأُ فِي الاِجْتِهَادِ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الأَْوَّل (١)، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٢) .

الأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْخَطَأِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُقُوقِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ وَالإِْجْزَاءُ وَنَحْوُهُ:

٩ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَطَأَ عُذْرٌ فِي إِسْقَاطِ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ ﵎ وَلَيْسَ فِيهَا كُلِّهَا، فَاعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الإِْثْمِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا

_________

(١) الموافقات ١ / ١٠٩، ١٦١، ١٦٤، ١٦٥

(٢) سورة التوبة / ٤٣

حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ (١) .

وَجَعَلَهُ شُبْهَةً دَارِئَةً فِي الْعُقُوبَاتِ فَلاَ يُؤَاخَذُ بِحَدٍّ فِيمَا لَوْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ امْرَأَتِهِ فَوَطِئَهَا عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ.

وَكَذَلِكَ لاَ قِصَاصَ فِيمَا لَوْ رَمَى إِلَى إِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ.

وَأَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالْخَطَأِ فَيَجِبُ ضَمَانُ الْمُتْلَفَاتِ خَطَأً، كَمَا لَوْ رَمَى إِلَى شَاةٍ وَإِنْسَانٍ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا صَيْدٌ، أَوْ أَكَل مَا لَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ مِلْكُ نَفْسِهِ؛ لأَِنَّهُ ضَمَانُ مَالٍ لاَ جَزَاءُ فِعْلٍ فَيَعْتَمِدُ عِصْمَةَ الْمَحَل، وَكَوْنُهُ خَاطِئًا لاَ يُنَافِيهَا (٢) .

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: قَال الأُْصُولِيُّونَ، أَيْ فِي حَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٣): إِنَّهُ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْحَقِيقَةِ بِدَلاَلَةِ مَحَل الْكَلاَمِ؛ لأَِنَّ عَيْنَ الْخَطَأِ وَأَخَوَيْهِ (٤) غَيْرُ مَرْفُوعٍ، فَالْمُرَادُ حُكْمُهَا وَهُوَ نَوْعَانِ: أُخْرَوِيٌّ

_________

(١) حديث: " إذا حكم الحاكم فاجتهد. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ٣١٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٤٢ - ط الحلبي) من حديث عمرو بن العاص.

(٢) تيسير التحرير ٢ / ٣٠٦، فواتح الرحموت ١ / ١٦٥، ميزان الأصول ص ١٨٨.

(٣) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". أخرجه ابن ماجه ١ / ٦٥٩ - ط الحلبي) والحاكم (٢ / ١٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عباس، واللفظ لابن ماجه، وصحح الحاكم إسناده ووافقه الذهبي.

(٤) يقصد النسيان والإكراه.

وَهُوَ الْمَأْثَمُ، وَدُنْيَوِيٌّ وَهُوَ الْفَسَادُ، وَالْحُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ فَصَارَ الْحُكْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَلاَ يَعُمُّ. أَمَّا عِنْدَنَا فَلأَِنَّ الْمُشْتَرَكَ لاَ عُمُومَ لَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلأَِنَّ الْمَجَازَ لاَ عُمُومَ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ الأُْخْرَوِيُّ إِجْمَاعًا لَمْ يَثْبُتِ الآْخَرُ.

وَأَمَّا الْحُكْمُ الدُّنْيَوِيُّ فَإِنْ وَقَعَ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ، أَوْ فِعْلٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ عُقُوبَةً كَانَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا، فَمَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا، أَوْ حَجًّا، أَوْ زَكَاةً، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ نَذْرًا، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَا الْوُقُوفُ بِغَيْرِ عَرَفَةَ غَلَطًا يَجِبُ الْقَضَاءُ اتِّفَاقًا، وَمِنْهَا مَنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ مَانِعَةٍ نَاسِيًا، أَوْ نَسِيَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، أَوْ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ فِي الاِجْتِهَادِ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ وَقْتَ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ (١) .

وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ حُقُوقَ الآْدَمِيِّينَ الْعَامِدُ وَالْمُخْطِئُ فِيهَا سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَتْل الصَّيْدِ

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٠٣، وانظر الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٧ - ١٩٠، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦١٥، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس - الحديث برقم ١٣٩٤، ٢٩٢٩، المنثور في القواعد ٢ / ١٢٢ هامش، والجزء الثاني من مختصر قواعد العلائي وكلام الأسنوي لأبي الثناء نور الدين محمود بن أحمد الحموي الفيومي المعروف بابن خطيب الدهشة ص ٤٩٧، ٤٩٨.

وَالْخَطَأُ فِي الْعِبَادَةِ مَرْفُوعٌ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْقَضَاءِ إِنْ لَمْ يُؤْمَنْ وُقُوعُ مِثْلِهِ فِي الْمَفْعُول ثَانِيًا، كَمَا لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ لاَ يُؤْمَنُ فِي السِّنِينَ الْمُسْتَقْبَلَةِ. أَمَّا إِذَا أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَلاَ يَكُونُ الْخَطَأُ عُذْرًا فِي إِسْقَاطِ الْقَضَاءِ كَمَا إِذَا أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فِي الْمَوْقِفِ فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ عَرَفَةَ، فَيَلْزَمُهُمُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ كَانُوا جَمْعًا كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا؛ لأَِنَّ الْخَطَأَ فِي الْمَوْقِفِ يُؤْمَنُ مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَكَالْحَاكِمِ يَحْكُمُ بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ يَجِدُ النَّصَّ بِخِلاَفِهِ لاَ يُعْتَدُّ بِحُكْمِهِ.

وَلَوْ صَلَّى بِالاِجْتِهَادِ ثُمَّ تَيَقَّنَ الْخَطَأَ بَعْدَ الصَّلاَةِ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَْصَحِّ، وَلَوِ اجْتَهَدَ فِي أَوَانٍ، أَوْ ثِيَابٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ لَبِسَهُ كَانَ نَجِسًا لَزِمَتْهُ الإِْعَادَةُ (١) .

وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً أَوْ نِسْيَانًا لَغْوٌ فِي الأَْحْكَامِ، كَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَغْوًا فِي الآْثَامِ. وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٢) .

_________

(١) المنثور في القواعد ٢ / ١٢٢، ١٢٣

(٢) حديث: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " أخرجه الطبراني عن ثوبان وفي إسناده يزيد بن ربيعة الرجحي، وهوضعيف كما قال الهيثمي (فيض القدير ٤ / ٣٤، ٣٥) ويدل على معناه ما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عباس " إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (ابن ماجه ١ / ٦٥٩ ط الحلبي، والحاكم ٢ / ١٩٨ ط دائرة المعارف العثمانية)

وَقَال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١) الْمَعْنَى: اعْفُ عَنْ إِثْمِ مَا يَقَعُ مِنَّا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا. وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَنَّ الإِْثْمَ مَرْفُوعٌ، وَإِنَّمَا اخْتُلِفَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الأَْحْكَامِ هَل ذَلِكَ مَرْفُوعٌ لاَ يَلْزَمُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ يَلْزَمُ أَحْكَامُ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، فَقِسْمٌ لاَ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْغَرَامَاتِ، وَالدِّيَاتِ، وَالصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ، وَقِسْمٌ يَسْقُطُ بِاتِّفَاقٍ كَالْقِصَاصِ وَالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَقِسْمٌ ثَالِثٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ كَمَنْ أَكَل نَاسِيًا فِي رَمَضَانَ، أَوْ حَنِثَ سَاهِيًا، وَمَا كَانَ مِثْلُهُ مِمَّا يَقَعُ خَطَأً وَنِسْيَانًا وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ (٢) .

وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْفِعْل الْوَاقِعَ خَطَأً غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عَلَيْهِ مُطْلَقًا إِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الَّذِي قَال عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ يَقْتَضِي رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْمَنْسِيِّ، وَالْمُؤَاخَذَةُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الآْخِرَةِ وَهُوَ الإِْثْمُ وَالْعِقَابُ، وَإِلَى مُؤَاخَذَةٍ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا وَهُوَ إِثْبَاتُ التَّبَعَاتِ وَالْغَرَامَاتِ. وَالظَّاهِرُ نَفْيُ حُكْمِ جَمِيعِ ذَلِكَ.

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٦

(٢) الجامع لأحكام القرآن ٣ / ٤٣١، ٤٣٢