الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) إِلَى أَنَّهُ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ.
وَيَرَى جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالدُّودِ وَالْحَصَى لاَ يُنْقِضُ الْوُضُوءَ.
وَفِي الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. (١)
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ: (وُضُوءٌ) .
خُرُوجُ الْقَدَمِ أَوْ بَعْضِهَا مِنَ الْخُفِّ:
٣ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ نَزْعِ الْخُفِّ - وَهُوَ بُطْلاَنُ الْوُضُوءِ أَوِ الْمَسْحِ عَلَى خِلاَفٍ فِيهِ - بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إِلَى سَاقِ الْخُفِّ، وَكَذَا بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ عَنْ خُرُوجِ الْقَلِيل مُتَعَذِّرٌ، لأَِنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُل بِدُونِ الْقَصْدِ، بِخِلاَفِ الْكَثِيرِ، فَإِنَّ الاِحْتِرَازَ عَنْهُ لَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ قَدَمِ الْخُفِّ إِلَى السَّاقِ لَمْ يُؤَثِّرْ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْخُفُّ طَوِيلًا خَارِجًا عَنِ الْعَادَةِ، فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ الْخُفُّ مُعْتَادًا لَظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ مَحَل الْفَرْضِ بَطَل مَسْحُهُ بِلاَ خِلاَفٍ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لِلْبَعْضِ حُكْمُ الْكُل فَيَبْطُل
_________
(١) الاختيار ١ / ٩، ٢٢ ط دار المعرفة، والقوانين الفقهية / ٣١ - ٣٤ ط دار الكتاب العربي، وروضة الطالبين ١ / ٧١، ٧٢ ط المكتب الإسلامي، ونيل المآرب ١ / ٦٩، ٧٥، ٧٧
الْوُضُوءُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ، أَوْ بَعْضِهَا إِلَى سَاقِ خُفِّهِ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَسْحُ الْخُفِّ) .
الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَْذَانِ بِلاَ عُذْرٍ، أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْل الْوَقْتِ، فَلاَ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ، قَال أَبُو الشَّعْثَاءِ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَال أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ، وَالْمَوْقُوفُ فِي مِثْلِهِ كَالْمَرْفُوعِ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَر: مُصْطَلَحَ (مَسْجِدٌ) .
_________
(١) فتح القدير ١ / ١٠٦، ١٠٧ ط الأميرية، وحاشية الدسوقي ١ / ١٤٥، وحاشية الجمل ١ / ١٤٨، ونهاية المحتاج ١ / ٢٠٩ ط مصطفي الحلبي، وروضة الطالبين ١ / ١٣٣، ونيل المآرب ١ / ٦٧
(٢) فتح القدير١ / ٣٣٨، ٣٣٩ ط الأميرية، وابن عابدين ١ / ٤٧٩، ٤٨٠، ومواهب الجليل ١ / ٤٦٧، والمجموع ٢ / ١٧٩، ٣ / ١٢٨، والمغني ١ / ٤٠٨، ٤٠٩، ونيل المآرب ١ / ١١٩ وحديث أبي هريرة: " أما هذا فقد عصى أبا القاسم. . . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٥٣ - ٤٥٤ - ط الحلبي) .
خُرُوجُ الإِْمَامِ لِلْخُطْبَةِ:
٥ - إِذَا خَرَجَ الإِْمَامُ وَقَامَ لِلْخُطْبَةِ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ؛ لأَِنَّهُ بِهِ جَرَى التَّوَارُثُ، وَيَحْرُمُ الْكَلاَمُ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَأَمَّا الْكَلاَمُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ وَقَبْل أَنْ يَبْدَأَ بِالْخُطْبَةِ، فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ لأَِنَّ الْمَنْعَ لِلإِْخْلاَل بِغَرَضِ الاِسْتِمَاعِ، وَلاَ اسْتِمَاعَ هُنَا، وَكَرِهَهُ الْحَكَمُ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلاَمَ، وَالصَّلاَةَ بَعْدَ خُرُوجِ الإِْمَامِ، وَيَحْرُمُ الْكَلاَمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ الإِْمَامِ.
وَأَمَّا تَرْكُ الصَّلاَةِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَطَوُّعَ بَعْدَ خُرُوجِ الإِْمَامِ لِلْخُطْبَةِ، وَبِهِ قَال شُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلَّذِي يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ، فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ. (١) وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ تَشْغَلُهُ عَنِ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَكُرِهَ، كَصَلاَةِ الدَّاخِل.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ التَّطَوُّعُ
_________
(١) حديث: " اجلس فقد آذيت وآنيت ". . أخرجه النسائي (٣ / ١٠٣ - ط المكتبة التجارية) من حديث عبد الله بن بسر، وابن ماجة (١ / ٣٥٤ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله، وقواه ابن حجر في الفتح (٢ / ٣٩٢ - ط السلفية) .
بِجُلُوسِ الإِْمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلاَ يُصَلِّي أَحَدٌ غَيْرُ الدَّاخِل، فَمَنْ دَخَل أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ يُخَفِّفُهَا، إِلاَّ إِذَا كَانَ الإِْمَامُ فِي آخِرِهَا، فَلاَ يُصَلِّي لِئَلاَّ يَفُوتَهُ أَوَّل الْجُمُعَةِ مَعَ الإِْمَامِ (١) .
خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ مِنَ الْمَسْجِدِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِْنْسَانِ أَوِ الْجُمُعَةِ، وَالدَّلِيل عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِْنْسَانِ. (٢) وَقَالَتِ ﵂: السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَلاَّ يَخْرُجَ إِلاَّ لِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. (٣)
إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَجِبُ الْخُرُوجُ لِلْجُمُعَةِ
_________
(١) فتح القدير ١ / ٤٢٠، ٤٢١ ط الأميرية، والاختيار ١ / ٨٤، والقوانين الفقهية / ٨٠، وجواهر الإكليل ١ / ٩٥ ط مكة المكرمة، وروضة الطالبين ٢ / ٣٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٧، ونيل المآرب ١ / ٢٠٠، والمغني ٢ / ٣١٩ وما بعدها ٢ / ٣٢٤.
(٢) حديث عائشة: " كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة الانسان ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٧٣ - ط الحلبي) ومسلم (١ / ٢٤٤ - ط الحلبي) .
(٣) حديث عائشة: " السنة علي المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا لما لا بد منه ". أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣٦ - ٨٣٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده صحيح.
وَلَكِنَّهُ يَبْطُل بِهِ الاِعْتِكَافُ؛ لإِمْكَانِ الاِعْتِكَافِ فِي الْجَامِعِ (١)، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (اعْتِكَافٌ)
الْخُرُوجُ لِلاِسْتِسْقَاءِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ الشَّبَابُ وَالشُّيُوخُ وَالضُّعَفَاءُ، وَالْعَجَزَةُ، وَغَيْرُ ذَاتِ الْهَيْئَةِ مِنَ النِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجُوا مُشَاةً بِتَوَاضُعٍ وَخُشُوعٍ فِي ثِيَابٍ خُلْقَانٍ، وَأَنْ يُقَدِّمُوا الصَّدَقَةَ كُل يَوْمٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ الْكُفَّارِ وَأَهْل الذِّمَّةِ عَلَى أَقْوَالٍ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِسْقَاءٌ) .
خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مِنَ الْمَنْزِل:
٨ - الأَْصْل أَنَّ النِّسَاءَ مَأْمُورَاتٌ بِلُزُومِ الْبَيْتِ مَنْهِيَّاتٌ عَنِ الْخُرُوجِ (٣) .
ذَكَرَ الْكَاسَانِيُّ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ
_________
(١) فتح القدير ٢ / ٣٠٩ ط دار إحياء التراث العربي، وجواهر الإكليل ١ / ١٥٦، ١٥٩، والقوانين الفقهية / ١٢٣، وروضة الطالبين ٢ / ٤٠٤، ٤٠٩، وكشاف القناع ٢ / ٣٥٦ وما بعدها، والمغني ٣ / ١٩١
(٢) الاختيار ١ / ٧٢، وفتح القدير ١ / ٤٣٧ ط الأميرية، والخرشي ٢ / ١٠٩، والقوانين الفقهية ٨٤، ٨٥، والمجموع ٥ / ٦٥، ٦٦، ٧٠، ٧١، وروضة الطالبين ٢ / ٩٠، ٩١، ونيل المآرب ١ / ٢١١
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤٤٣ ط البهية.
الصَّحِيحِ: أَنَّ مِنْهَا: مِلْكُ الاِحْتِبَاسِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهَا (الزَّوْجَةِ) مَمْنُوعَةً مِنَ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، (١) وَالأَْمْرُ بِالإِْسْكَانِ نَهْيٌ عَنِ الْخُرُوجِ، وَالْبُرُوزِ، وَالإِْخْرَاجِ، إِذِ الأَْمْرُ بِالْفِعْل نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ﴾ (٣) وَلأَِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَمْنُوعَةً عَنِ الْخُرُوجِ وَالْبُرُوزِ لاَخْتَل السَّكَنُ وَالنَّسَبُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُرِيبُ الزَّوْجَ وَيَحْمِلُهُ عَلَى نَفْيِ النَّسَبِ (٤) .
قَال الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُْولَى﴾ مَعْنَى هَذِهِ الآْيَةِ الأَْمْرُ بِلُزُومِ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِنِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ دَخَل فِيهِ غَيْرُهُنَّ بِالْمَعْنَى. هَذَا لَوْ لَمْ يَرِدْ دَلِيلٌ يَخُصُّ جَمِيعَ النِّسَاءِ، فَكَيْفَ وَالشَّرِيعَةُ طَافِحَةٌ بِلُزُومِ النِّسَاءِ بُيُوتَهُنَّ وَالاِنْكِفَافِ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْهَا إِلاَّ لِضَرُورَةٍ (٥) .
فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الأَْحْوَصِ
_________
(١) سورة الطلاق / ٦
(٢) سورة الأحزاب / ٣٣
(٣) سورة الطلاق / ١
(٤) بدائع الصنائع ٢ / ٣٣١
(٥) تفسير القرطبي ١٤ / ١٧٩
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ بِرَوْحَةِ رَبِّهَا وَهِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا. (١)
كَمَا أَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: جِئْنَ النِّسَاءُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ: يَا رَسُول اللَّهِ: ذَهَبَ الرِّجَال بِالْفَضْل وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ تَعَالَى فَمَا لَنَا عَمَلٌ نُدْرِكُ بِهِ عَمَل الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ قَعَدَتْ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - مِنْكُنَّ فِي بَيْتِهَا، فَإِنَّهَا تُدْرِكُ عَمَل الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَاجَةِ كَزِيَارَةِ الآْبَاءِ، وَالأُْمَّهَاتِ، وَذَوِي الْمَحَارِمِ، وَشُهُودِ مَوْتِ مَنْ ذُكِرَ، وَحُضُورِ عُرْسِهِ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ لاَ غَنَاءَ لِلْمَرْأَةِ عَنْهَا وَلاَ تَجِدُ مَنْ يَقُومُ بِهَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ (٣) . إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُقَيِّدُونَ جَوَازَ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ بِقُيُودٍ أَهَمُّهَا:
_________
(١) حديث: " المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٦٧ - ط الحلبي) وقال: " حديث حسن غريب ".
(٢) حديث أنس: " جئن النساء إلي رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البزار (كشف الأستار ٢ / ١٨٢ - الرسالة) وأورده الهيثمي في المجمع (٤ / ٣٠٤ - ط القدسي) وقال: " فيه روح بن المسيب، وثقه ابن معين والبزار، وضعفه ابن حبان وابن عدي ". وانظر تفسير ابن كثير ٣ / ٤٨٢ ط الحلبي.
(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٤٠٩، وحاشية العدوي علي شرح الرسالة ٢ / ٤٢١، وعمدة القاري ٢٠ / ٢١٨ ط المنيرية.
١ - أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ، أَمَّا الَّتِي يُخْشَى الاِفْتِتَانُ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُ أَصْلًا. (١)
٢ - أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَأْمُونَةً مِنْ تَوَقُّعِ الْمَفْسَدَةِ وَإِلاَّ حَرُمَ خُرُوجُهَا (٢) .
٣ - أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا فِي زَمَنِ أَمْنِ الرِّجَال (٣) وَلاَ يُفْضِي إِلَى اخْتِلاَطِهَا بِهِمْ؛ لأَِنَّ تَمْكِينَ النِّسَاءِ مِنَ اخْتِلاَطِهِنَّ بِالرِّجَال أَصْل كُل بَلِيَّةٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُول الْعُقُوبَاتِ الْعَامَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ فَسَادِ أُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَاخْتِلاَطُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْفَوَاحِشِ وَالزِّنَى، وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامِّ، فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ أَنْ يَمْنَعَ مِنَ اخْتِلاَطِ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ فِي الأَْسْوَاقِ، وَالْفُرُجِ، وَمَجَامِعِ الرِّجَال، وَإِقْرَارُ النِّسَاءِ عَلَى ذَلِكَ إِعَانَةٌ لَهُنَّ عَلَى الإِْثْمِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ مَنَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ النِّسَاءَ مِنَ الْمَشْيِ فِي طَرِيقِ الرِّجَال وَالاِخْتِلاَطِ بِهِمْ فِي الطَّرِيقِ (٤) .
٤ - أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهَا عَلَى تَبَذُّلٍ وَتَسَتُّرٍ تَامٍّ (٥) .
_________
(١) الفواكه الدواني ٢ / ٤٠٩، وجواهر الإكليل ١ / ٨١
(٢) جواهر الإكليل ١ / ٨١
(٣) الفواكه الدواني ١ / ٤٠٩، جواهر الإكليل ١ / ٨١
(٤) الطرق الحكيمة لابن قيم الجوزيه ص ٢٨٠ - ٢٨١ ط مطبعة السنة المحمدية.
(٥) تفسير القرطبي ١٤ / ١٨٠، وانظر الزواجر ٢ / ٤٠، وابن عابدين ٢ / ٦٦٥
قَال الْعَيْنِيُّ: يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِمَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنْ أُمُورِهَا الْجَائِزَةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ بَذَّةَ الْهَيْئَةِ، خَشِنَةَ الْمَلْبَسِ، تَفِلَةَ الرِّيحِ، مَسْتُورَةَ الأَْعْضَاءِ غَيْرَ مُتَبَرِّجَةٍ بِزِينَةٍ وَلاَ رَافِعَةً صَوْتَهَا (١) .
قَال ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الأَْمْرِ مَنْعُ النِّسَاءِ مِنَ الْخُرُوجِ مُتَزَيِّنَاتٍ مُتَجَمِّلاَتٍ، وَمَنْعُهُنَّ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي يَكُنَّ بِهَا كَاسِيَاتٍ عَارِيَّاتٍ، كَالثِّيَابِ الْوَاسِعَةِ وَالرِّقَاقِ، وَإِنْ رَأَى وَلِيُّ الأَْمْرِ أَنْ يُفْسِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ - إِذَا تَجَمَّلَتْ وَخَرَجَتْ - ثِيَابَهَا بِحِبْرٍ وَنَحْوِهِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَأَصَابَ. وَهَذَا مِنْ أَدْنَى عُقُوبَتِهِنَّ الْمَالِيَّةِ (٢) . فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا تَطَيَّبَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ. (٣)
٥ - أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ (٤) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ: وَإِذَا اضْطُرَّتِ امْرَأَةٌ لِلْخُرُوجِ لِزِيَارَةِ وَالِدٍ خَرَجَتْ بِإِذْنِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُتَبَرِّجَةٍ (٥) .
_________
(١) عمدة القاري ١٩ / ١٢٥، وانظر ما قاله الحطاب نقلا عن ابن القطان في هذا الصدد (مواهب الجليل ٣ / ٤٠٥)
(٢) الطرق الحكيمة ص ٢٨٠ - ٢٨١
(٣) حديث: " أن المرأة إذا تطيبت وخرجت من بيتها فهي زانية ". أخرجه الترمذي (٥ / ١٠٦ - ط الحلبي) من حديث أبي موسي، وقال: " حديث حسن صحيح ".
(٤) المغني ٧ / ٢٠
(٥) الزواجر ٢ / ٤٠
وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ عَنِ النَّوَوِيِّ عِنْدَ التَّعْلِيقِ عَلَى حَدِيثِ: إِذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْل إِلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ (١) أَنَّهُ قَال: اسْتُدِل بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ لِتَوَجُّهِ الأَْمْرِ إِلَى الأَْزْوَاجِ بِالإِْذْنِ (٢) .
وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى مَا لَهَا مِنْهُ بُدٌّ، سَوَاءٌ أَرَادَتْ زِيَارَةَ وَالِدَيْهَا أَوْ عِيَادَتَهُمَا أَوْ حُضُورَ جِنَازَةِ أَحَدِهِمَا. قَال أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ وَأُمٌّ مَرِيضَةٌ: طَاعَةُ زَوْجِهَا أَوْجَبُ عَلَيْهَا مِنْ أُمِّهَا إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ بَطَّةَ فِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ وَمَنَعَ زَوْجَتَهُ مِنَ الْخُرُوجِ فَمَرِضَ أَبُوهَا، فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي عِيَادَةِ أَبِيهَا فَقَال لَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ اتَّقِي اللَّهَ وَلاَ تُخَالِفِي زَوْجَكَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهَا بِطَاعَةِ زَوْجِهَا (٣) وَلأَِنَّ طَاعَةَ الزَّوْجِ وَاجِبَةٌ، وَالْعِيَادَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْوَاجِبِ لِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَلاَ يَنْبَغِي لِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ عِيَادَةِ وَالِدَيْهَا، وَزِيَارَتِهِمَا لأَِنَّ فِي مَنْعِهَا مِنْ ذَلِكَ قَطِيعَةً
_________
(١) حديث: " إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلي المسجد فأذنوا لهن ". أخرجه البخاري (٢ / ٣٤٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) فتح الباري ٢ / ٣٤٧ - ٣٤٨
(٣) حديث: " اتقي الله ولا تخالفي زوجك ". أورده ابن قدامة في المغني (٧ / ٢٠ - ط الرياض) وعزاه إلي ابن بطة في أحكام النساء.