الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩
لِلأَْخْرَسِ (زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً) إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ صَحَّ لِعَانُهُ بِالإِْشَارَةِ، كَمَا يَصِحُّ بِالْكِتَابَةِ، وَيُكَرِّرُ الإِْشَارَةَ أَوِ الْكِتَابَةَ كَالنَّاطِقِ الَّذِي يُكَرِّرُ اللَّفْظَ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِ الأَْخْرَسِ أَوِ الْخَرْسَاءِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى لِعَانِ النَّاطِقِ مِنْ أَحْكَامٍ، كَسُقُوطِ الْحَدِّ، وَنَفْيِ النَّسَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَوْ لاَعَنَ الأَْخْرَسُ بِالإِْشَارَةِ، أَوِ الْكِتَابَةِ ثُمَّ انْطَلَقَ لِسَانُهُ فَتَكَلَّمَ فَأَنْكَرَ اللِّعَانَ، أَوْ قَال: لَمْ أُرِدْهُ فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِالْحَدِّ، وَيَلْحَقُهُ النَّسَبُ، وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا لَهُ، فَلاَ تَرْتَفِعُ الْفُرْقَةُ وَالتَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ، وَلَهُ أَنْ يُلاَعِنَ فِي الْحَال لإِسْقَاطِ الْحَدِّ، وَلِنَفْيِ الْوَلَدِ إِنْ لَمْ يَفُتْ زَمَنُ النَّفْيِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لاَ يُقْبَل إِنْكَارُهُ مُطْلَقًا. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اللِّعَانُ مِنَ الأَْخْرَسِ أَوِ الْخَرْسَاءِ، لاَ بِالإِْشَارَةِ وَلاَ بِالْكِتَابَةِ؛ لأَِنَّ اللِّعَانَ لَفْظٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَصِحَّ مِنَ الأَْخْرَسِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَا أَخْرَسَيْنِ أَمْ أَحَدُهُمَا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ تَلاَعَنَ الزَّوْجَانِ وَهُمَا نَاطِقَانِ، ثُمَّ زَالَتْ أَهْلِيَّةُ اللِّعَانِ قَبْل التَّفْرِيقِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٦٤ والخرشي ٤ / ١٣٠ والفواكه الدواني ٢ / ٨٥، وروضة الطالبين ٨ / ٣٥٢ - ٣٥٣ ونهاية المحتاج ٧ / ١١٠ وكشاف القناع ٥ / ٣٩٢، والمغني ٧ / ٣٩٦.
بِخَرَسِهِمَا، أَوْ خَرَسِ أَحَدِهِمَا بَطَل اللِّعَانُ، وَلاَ تَفْرِيقَ، وَلاَ حَدَّ لِدَرْئِهِ بِالشُّبْهَةِ (١) .
إِقْرَارُ الأَْخْرَسِ:
١١ - تُعْتَبَرُ الإِْشَارَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ إِذَا كَانَتْ مَفْهُومَةً قَائِمَةً مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي إِقْرَارِهِ، وَكَذَا الْكِتَابَةُ مِنْهُ، وَيُؤْخَذُ بِذَلِكَ فِي كُل مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِمَا فِي ذَلِكَ الْقِصَاصُ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْقِصَاصَ لاَ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الأَْخْرَسِ (٢) .
وَاخْتُلِفَ فِي إِقْرَارِ الأَْخْرَسِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَالْقَذْفِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ.
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إِلَى أَنَّ الأَْخْرَسَ يُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لأَِنَّ مَنْ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِغَيْرِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ صَحَّ إِقْرَارُهُ بِمَا يُوجِبُهُ كَالنَّاطِقِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ احْتِمَالٌ لِكَلاَمِ الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي - إِلَى أَنَّ الأَْخْرَسَ لاَ تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ فِي إِقْرَارِهِ بِمَا
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٥٩٠ والبدائع ٣ / ٢٤٢ والاختيار ٣ / ١٧٠ والمغني ٧ / ٣٩٦.
(٢) الأشباه لابن نجيم / ٣٤٣ وابن عابدين ٥ / ٤٧٠ - ٤٧١ والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٤٠، ٨٠ وجواهر الإكليل ٢ / ١٣٢ وأشباه السيوطي / ٣٣٨، والمنثور ١ / ١٦٤ وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٠٧ - ٢٠٨ وكشاف القناع ٥ / ٣٩٢ والمغني ٨ / ١٩٥ - ١٩٦.
يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ لِكَوْنِهَا حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى. (١)
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَارٌ ف ٥٤ - ٥٨، وَحَدٌّ، وَقِصَاصٌ) .
شَهَادَةُ الأَْخْرَسِ:
١٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ شَهَادَةَ الأَْخْرَسِ لاَ تُقْبَل؛ لأَِنَّ مُرَاعَاةَ لَفْظِ الشَّهَادَةِ شَرْطُ صِحَّةِ أَدَائِهَا، وَلاَ عِبَارَةَ لِلأَْخْرَسِ أَصْلًا، فَلاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ وَلَوْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْيَقِينُ، وَلِذَلِكَ لاَ يُكْتَفَى بِإِشَارَةِ النَّاطِقِ.
لَكِنْ قَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَدَّى الأَْخْرَسُ الشَّهَادَةَ بِخَطِّهِ فَإِنَّهَا تُقْبَل.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُقْبَل شَهَادَةُ الأَْخْرَسِ وَيُؤَدِّيهَا بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ، فَإِذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ بِفَهْمِ مَقْصُودِهِ مِنْ إِشَارَتِهِ حُكِمَ بِهَا؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ عِلْمٌ يُؤَدِّيهِ الشَّاهِدُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِذَا فُهِمَ عَنْهُ بِطَرِيقٍ يُفْهَمُ
_________
(١) الهداية ٤ / ٢٧٠، ابن عابدين ٣ / ١٤٤، ١٩٢ و٥ / ٣٥٣ والبدائع ٧ / ٥١، والقوانين الفقهية / ١٦١ والزرقاني ٨ / ٨٧، والتبصرة بهامش فتح العلي ٢ / ٨٠، ونهاية المحتاج ٧ / ١١٠، ٤١٠ ومغني المحتاج ٤ / ١٥٠ وروضة الطالبين ١٠ / ٩٤، والمغني ٨ / ١٩٥ - ١٩٦ وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٢٠٧ - ٢٠٨.
عَنْ مِثْلِهِ قُبِلَتْ مِنْهُ، كَالنُّطْقِ إِذَا أَدَّاهَا بِالصَّوْتِ (١) .
قَضَاءُ الأَْخْرَسِ وَفُتْيَاهُ:
١٣ - النُّطْقُ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَوَافُرُهَا فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ؛ لأَِنَّ الأَْخْرَسَ لاَ يُمْكِنُهُ النُّطْقُ بِالْحُكْمِ، وَلاَ يَفْهَمُ جَمِيعُ النَّاسِ إِشَارَتَهُ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ عَدَا وَجْهٍ مُقَابِلٍ لِلصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ صِفَةَ النُّطْقِ شَرْطٌ فَلاَ يَجُوزُ تَوْلِيَةُ الأَْخْرَسِ الْقَضَاءَ وَلاَ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ. وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ صِفَةَ النُّطْقِ وَاجِبًا غَيْرَ شَرْطٍ فِي الاِبْتِدَاءِ وَالدَّوَامِ، وَلِذَا يَجِبُ عَزْلُهُ. لَكِنْ إِنْ وَقَعَ وَحُكِمَ نَفَذَ حُكْمُهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ أَنَّ فِي وِلاَيَةِ الأَْخْرَسِ عَلَى الْقَضَاءِ قَوْلًا آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ بِصِحَّتِهَا إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ (٢) .
_________
(١) البدائع ٦ / ٢٨٦ وابن عابدين ٤ / ٣٠٢ والتبصرة بهامش فتح العلي ٢ / ٧٩ والكافي ٢ / ٨٩٩ وروضة الطالبين ٨ / ٣٩ و١١ / ٢٤٥ وأشباه السيوطي / ٣٣٨ والمهذب ٢ / ٣٢٥ وكشاف القناع ٦ / ٤١٧ والمغني ٩ / ١٩٠.
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٠٢ والبدائع ٧ / ٣ وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٠ والفواكه الدواني ٢ / ٢٩٧ ونهاية المحتاج ٨ / ٢٢٦ وحاشية الجمل ٥ / ٣٣٧ والروضة ١١ / ٧، والمهذب ٢ / ٢٩١ وكشاف القناع ٦ / ٢٩٥ وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ٧٤.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلإِْفْتَاءِ فَإِنَّهُ تَصِحُّ فَتْوَى الأَْخْرَسِ وَذَلِكَ حَيْثُ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ. (١)
يَمِينُ الأَْخْرَسِ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ فِي الْيَمِينِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ الأَْيْمَانِ مِنَ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ إِذَا كَانَ يَفْهَمُ وَيُفْهَمُ عَنْهُ.
قَال الْحَنَفِيَّةُ: يُسْتَحْلَفُ الأَْخْرَسُ فَيَقُول لَهُ الْقَاضِي: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيْكَ هَذَا الْحَقُّ؟ وَيُشِيرُ الأَْخْرَسُ بِرَأْسِهِ: أَيْ نَعَمْ. (٢)
وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ بَيْنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالإِْشَارَةِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهَا.
فَالْقَوْل بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالإِْشَارَةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، قَال: تُعْتَبَرُ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ فِي الدَّعَاوَى وَلاَ يَنْعَقِدُ بِهَا الأَْيْمَانُ إِلاَّ اللِّعَانُ.
وَصَرَّحَ الزَّرْكَشِيُّ فِي قَوَاعِدِهِ بِذَلِكَ فَقَال: إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ كَنُطْقِهِ إِلاَّ فِي مَسَائِل، وَمِنْهَا: حَلَفَ بِالإِْشَارَةِ لاَ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ.
وَأَمَّا الْقَوْل بِانْعِقَادِ يَمِينِ الأَْخْرَسِ إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ فَقَدْ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَقِبَ كَلاَمِهِ بِعَدَمِ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٠٢ وكشاف القناع ٦ / ٣٠٠.
(٢) الأشباه لابن نجيم / ٣٤٣ والاختيار ٢ / ١١٤ والتبصرة بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٨٠.
الاِنْعِقَادِ فَقَال: وَفِي الْبَيَانِ فِي كِتَابِ الأَْقْضِيَةِ قَال الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الأُْمِّ: إِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَهُوَ أَخْرَسُ لاَ تُفْهَمُ إِشَارَتُهُ وَقَفَ الْيَمِينُ إِلَى أَنْ تُفْهَمَ إِشَارَتُهُ، وَإِنْ سَأَل الْمُدَّعِي أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَمْ تُرَدَّ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ نُكُولُهُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْجَمَل قَال: وَقَعَ لِلزَّرْكَشِيِّ فِي الْقَوَاعِدِ عَدَمُ انْعِقَادِ يَمِينِ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ خِلاَفُهُ أَخْذًا مِمَّا صَرَّحُوا بِهِ فِي انْعِقَادِ لِعَانِهِ بِالإِْشَارَةِ، وَمِنْ قَوْلِهِمْ: إِنَّ إِشَارَتَهُ مِثْل الْعِبَارَةِ إِلاَّ فِي ثَلاَثَةِ مَوَاضِعَ: بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ فَلاَ تَبْطُل بِالإِْشَارَةِ، وَالْحِنْثُ، وَالشَّهَادَةُ.
قَال الْجَمَل: ثُمَّ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا الرَّمْلِيَّ اعْتَمَدَ انْعِقَادَ يَمِينِهِ بِالإِْشَارَةِ. (١)
وَاخْتَلَفَتْ أَيْضًا أَقْوَال فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ. فَفِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى الْحَلِفُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ.
فَدَل عَلَى عَدَمِ انْعِقَادِ يَمِينِ الأَْخْرَسِ ثُمَّ قَال: لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ مِنْهُ كَالنِّيَّةِ.
وَصَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بِانْعِقَادِ يَمِينِ الأَْخْرَسِ فَقَال: إِنْ تَوَجَّهَتْ يَمِينٌ عَلَى وَرَثَةٍ وَفِيهِمْ أَخْرَسُ مَفْهُومُ الإِْشَارَةِ حَلَفَ وَأُعْطِيَ حِصَّتَهُ، وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ وَقَفَ حَقُّهُ. (٢)
_________
(١) الأشباه للسيوطي / ٣٣٨ ومغني المحتاج ٤ / ٣٤٦ والمهذب ٢ / ١٣٨، والمنثور في القواعد للزركشي ١ / ١٦٤ - ١٦٥ وحاشية الجمل ٥ / ٢٨٦.
(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٣٥٧ والمغني لابن قدامة ٩ / ٢١٩.
الْخَرَسُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ:
١٥ - اللِّسَانُ آلَةُ الْكَلاَمِ، وَالاِعْتِدَاءُ عَلَى الإِْنْسَانِ بِمَا يُفْقِدُهُ النُّطْقَ وَيَجْعَلُهُ أَخْرَسَ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِقَطْعِ اللِّسَانِ، أَوْ بِضَرْبٍ يُؤَدِّي إِلَى ذَهَابِ الْكَلاَمِ مَعَ بَقَاءِ اللِّسَانِ.
وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، وَفِي مُوجِبِ ذَلِكَ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ (١) يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (جِنَايَةٌ عَلَى مَا دُونَ النَّفْسِ، وَدِيَةٌ) .
الْجِنَايَةُ عَلَى لِسَانِ الأَْخْرَسِ:
١٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ فِي لِسَانِ الأَْخْرَسِ حُكُومَةَ عَدْلٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ قِصَاصَ فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ حُكُومَةُ عَدْلٍ تَشْرِيفًا لِلآْدَمِيِّ؛ لأَِنَّ اللِّسَانَ جُزْءٌ مِنْهُ. وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَذْهَبَ بِقَطْعِهِ الذَّوْقُ، وَإِلاَّ فَفِيهِ الدِّيَةُ.
وَفِي الْقَوْل الثَّانِي لِلْحَنَابِلَةِ: إِنَّ فِيهِ ثُلُثَ الدِّيَةِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٣٥٦ والبدائع ٧ / ٣٠٧، ٣٠٨، ٣١١، ٣١٧ والاختيار ٥ / ٣١ والدسوقي ٤ / ٢٥٢، ٢٥٣، ٢٧١، والزرقاني ٨ / ٤٠ والشرح الصغير ٢ / ٣٨٩ والمدونة ٦ / ٣١٠ وجواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩ والمهذب ٢ / ١٨١ ومغني المحتاج ٤ / ٣٥، والجمل ٥ / ٣٤ والمغني ٧ / ٧١٦، ٧١٧، ٧٢٣، و٨ / ١٥، ١٦ وكشاف القناع ٥ / ٥٥٢، ٥٥٦ - ٥٥٧.
رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا إِذَا طُمِسَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي الْيَدِ الشَّلاَّءِ إِذَا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا، وَفِي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إِذَا نُزِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا. (١)
وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ خَطَأً أَوْ كَانَتْ عَمْدًا مِنْ نَاطِقٍ.
فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مِنْ أَخْرَسَ عَلَى أَخْرَسَ عَمْدًا، فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِذَا أُمِنَتِ السِّرَايَةُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ لِلْمُمَاثَلَةِ وَالتَّكَافُؤِ، وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ لاَ تَأْبَى ذَلِكَ، أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ قِصَاصَ عِنْدَهُمْ أَصْلًا فِي اللِّسَانِ (٢) .
_________
(١) حديث عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ قضى في العين. . . . " أخرجه النسائي (٨ / ٥٥ - ط المكتبة التجارية) . وإسناده حسن.
(٢) البدائع ٧ / ٣٢٣ والدسوقي ٤ / ٢٥٢، ٢٧٧ والزرقاني ٨ / ٤٠ والجمل ٥ / ٦٧، ونهاية المحتاج ٧ / ٣١١ ومغني المحتاج ٤ / ٣٣ والمغني ٨ / ٤١ و٧٣٣.
خَرْصٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْخَرْصُ لُغَةً: الْقَوْل بِالظَّنِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْكَذِبِ (١): وَمِنْهُ قَوْل الْحَقِّ ﵎: ﴿قُتِل الْخَرَّاصُونَ﴾ (٢)، وَيُطْلَقُ عَلَى حَزْرِ مَا عَلَى النَّخْل وَالْكَرْمِ مِنَ الثِّمَارِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْخَرْصِ فِي النَّخْل وَالْكَرْمِ خَاصَّةً. (٣)
وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْتَلِفُ عَنْ ذَلِكَ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
٢ - التَّخْمِينُ، وَالْحَدْسُ، وَالتَّحَرِّي مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى، وَهِيَ تَحْدِيدُ الشَّيْءِ بِالظَّنِّ وَالتَّقْدِيرِ، فَهِيَ كَالْخَرْصِ فِي بَعْضِ إِطْلاَقَاتِهِ.
_________
(١) المعجم الوسيط ومصباح المنير: مادة " خرص " ومغني المحتاج ١ / ٣٨٧.
(٢) سورة الذاريات / ١٠.
(٣) حديث: " أمر بالخرص في النخل والكرم خاصة " ذكره صاحب المعجم الوسيط (١ / ٢٢٦) ولم يهتد إلى من أخرجه بهذا اللفظ ويدل عليه ما رواه أبو داود (٢ / ٢٥٧ ط عزت عبيد دعاس) من حديث عتاب بن أسيد، بلفظ " أمر رسول الله ﷺ أن يخرص العنب كما يخرص النخل ". وسيأتي تخريجه (ف / ٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
أَوَّلًا: الْخَرْصُ فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ:
٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلإِْمَامِ خَرْصُ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْل وَالْكَرْمِ خَاصَّةً بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، لِتَحْدِيدِ قَدْرِهَا وَقَدْرِ الزَّكَاةِ فِيهَا.
فَيَبْعَثُ سَاعِيهُ لِيَخْرُصَ الثِّمَارَ عَلَى رُءُوسِ النَّخْل وَالْكَرْمِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلاَحِهَا، لِيُعْلَمَ بِالْخَرْصِ وَالتَّقْدِيرِ نِصَابُ الزَّكَاةِ، وَالْقَدْرُ الْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ. (١)
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِذَلِكَ: أَنْ يَحْتَاجَ أَصْحَابُ الثِّمَارِ إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا، أَمَّا إِذَا لَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهَا، فَيُنْتَظَرَ جَفَافُ مَا يَجِفُّ مِنَ الثِّمَارِ وَتُخْرَجُ زَكَاتُهُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا، وَمَا لاَ يَجِفُّ يُنْتَظَرُ جَذُّهُ ثُمَّ يُكَال الْبَلَحُ، وَيُوزَنُ الْعِنَبُ، ثُمَّ يُقَدَّرُ جَفَافُهُمَا إِذَا شَكَّ فِي بُلُوغِهِمَا النِّصَابَ (٢) .
وَاسْتَدَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْخَرْصِ: بِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْل، وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْل تَمْرًا. (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٣٨٦ - ٣٨٧، المغني ٢ / ٧٠٦، حاشية الدسوقي ٢ / ٤٥٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٥٣.
(٣) حديث: " أمر أن يخرص العنب كما يخرص النخل ". أخرجه أبو داود (٢ / ٢٥٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ٢٧ - ط الحلبي)، من حديث عتاب بن أسيد، وفي إسناده انقطاع بين عتاب بن أسيد والراوي عنه وهو سعيد بن المسيب، كذا في مختصر أبي داود للمنذري (٢ / ٢١١ - نشر دار المعرفة) .