الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٩

الْمُسْلِمِينَ الأَْهَمِّ فَالأَْهَمِّ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالأَْغْنِيَاءِ مِنْ أَهْل الْفَيْءِ وَغَيْرِهِمْ) . (١)

هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ؛ لأَِنَّ الْخَرَاجَ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ الْمَصْرُوفِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: بَيْتُ الْمَال، وَفَيْءٌ) .

حُكْمُ تَخْمِيسِ الْخَرَاجِ:

٦٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ، بَل يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الإِْمَامَ يُعْطِي مِنْهُ لِلْمُقَاتِلِينَ، وَالْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ، وَالْعُمَّال، وَالأَْئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ، وَالْفُقَهَاءِ، وَكُل مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَيُصْرَفُ عَلَى بِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَشَقِّ الطُّرُقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَبْدَأُ الإِْمَامُ بِالأَْهَمِّ فَالْمُهِمِّ، فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْءٌ قَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ

_________

(١) النووي: روضة الطالبين ١٠ / ٢٧٦.

(٢) الكاساني: بدائع الصنائع ٩ / ٤٣٤١، حاشية الدسوقي ٢ / ١٩٠، حاشية الخرشي على مختصر خليل ٣ / ١٢٩، الأبي: جواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، الفراء: الأحكام السلطانية ص ١٣٩، ابن قدامة: المغني ٦ / ٤٠٤، المرداوي: الإنصاف ٤ / ١٩٩، البهوتي: كشاف القناع ٣ / ١٠٠.

وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . (١)

قَال الْمُفَسِّرُونَ: طَلَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخَمِّسَ أَمْوَال بَنِي النَّضِيرِ لَمَّا أُجْلُوا عَنْهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّهَا فَيْءٌ لَمْ تَحْصُل لَهُمْ بِمُحَارَبَتِهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ بِتَسْلِيطِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً يَفْعَل مِنْهُ مَا يَشَاءُ. (٢) وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: كَانَتْ أَمْوَال بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ ﷿ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُول اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ يَجْعَل مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ (٣) وَالسِّلاَحِ عُدَّةً لِلْمُسْلِمِينَ (٤) . هَذَا مَا كَانَ يُفْعَل بِالْفَيْءِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَدْ أَصْبَحَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ خَاصَّةً، يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدِّمُ الأَْهَمَّ عَلَى الْمُهِمِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الإِْمَامَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهُمَا كَانَا يَجْعَلاَنِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.

_________

(١) سورة الحشر / ٦.

(٢) ابن الجوزي: زاد المسير ٨ / ٢٠٩.

(٣) الكراع: الدواب التي تصلح للحرب.

(٤) الأثر عن عمر: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله ﷿. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٩٣ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٧٦ - ١٣٧٧ - ط الحلبي) .

وَلِذَا لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْفَيْءِ لِنَفْسِهِ لأَِنَّ الإِْمَامَ يُنْصَرُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ لاَ بِسَبَبِهِ خَاصَّةً فَكَانَتْ أَمْوَال الْفَيْءِ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ يُخَمَّسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ . (١)

فَذِكْرُ الأَْصْنَافِ فِي هَذِهِ الآْيَةِ مِنْ بَابِ التَّعْدِيدِ لِلأَْصْنَافِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ هَذَا الْمَال وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَتَعَدَّى بِهِ هَؤُلاَءِ (٢) .

(انْظُرْ: خُمُسٌ، وَفَيْءٌ) .

_________

(١) سورة الحشر / ٧.

(٢) الماوردي: الأحكام السلطانية ص ١٢٦، النووي: روضة الطالبين ٦ / ٣٥٤، الشيرازي: المهذب مع المجموع ١٨ / ١٨٢.

خَرَسٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْخَرَسُ مَصْدَرُ خَرِسَ، يُقَال: خَرِسَ الإِْنْسَانُ خَرَسًا، إِذَا مُنِعَ الْكَلاَمَ خِلْقَةً، أَيْ خُلِقَ وَلاَ نُطْقَ لَهُ. أَوْ ذَهَبَ كَلاَمُهُ عِيًّا.

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

اعْتِقَال اللِّسَانِ:

٢ - الاِعْتِقَال: الْحَبْسُ، وَاعْتُقِل لِسَانُهُ: إِذَا حُبِسَ وَمُنِعَ الْكَلاَمَ (٢) . وَالْمُعْتَقَل اللِّسَانِ وَسَطٌ بَيْنَ الأَْخْرَسِ وَالنَّاطِقِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالأَْخْرَسِ:

إِسْلاَمُ الأَْخْرَسِ:

٣ - يَصِيرُ الْكَافِرُ مُسْلِمًا بِالإِْذْعَانِ بِالْقَلْبِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ، فَإِنْ كَانَ

_________

(١) المصباح المنير ولسان العرب مادة " خرس " وابن عابدين ٢ / ٥٩٠، جواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩ والجمل ٤ / ٤٣٣.

(٢) لسان العرب مادة: (عقل) .

عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ لِخَرَسٍ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِي إِسْلاَمِهِ بِالإِْشَارَةِ مَعَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ عَلَى أَنَّهُ أَذْعَنَ بِقَلْبِهِ.

وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال: وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ إِسْلاَمِ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ، وَلَمْ أَرَ الآْنَ فِيهَا نَقْلًا صَرِيحًا.

وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ صَلاَةِ الأَْخْرَسِ بَعْدَ إِسْلاَمِهِ بِالإِْشَارَةِ.

جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: يَصِحُّ إِسْلاَمُ الأَْخْرَسِ بِالإِْشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ، وَقِيل: لاَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ إِلاَّ إِذَا صَلَّى بَعْدَ الإِْشَارَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الأُْمِّ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الأَْوَّل، وَحَمْل النَّصِّ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الإِْشَارَةُ مُفْهِمَةً. (١)

تَكْبِيرُ الأَْخْرَسِ وَقِرَاءَتُهُ فِي الصَّلاَةِ:

٤ - تَشْتَمِل الصَّلاَةُ عَلَى أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ، وَمِنَ الأَْقْوَال مَا هُوَ فَرْضٌ، كَتَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ سُنَّةٌ كَالتَّكْبِيرَاتِ الأُْخْرَى. فَمَنْ كَانَ عَاجِزًا عَنِ النُّطْقِ لِخَرَسٍ تَسْقُطُ عَنْهُ الأَْقْوَال، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ تَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ.

_________

(١) الأشباه لابن نجيم / ٣٤٣، والدسوقي ١ / ١٣١ وروضة الطالبين ٨ / ٢٨٢، وأشباه السيوطي ٣٣٨.

فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - عَدَا الْقَاضِي - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لاَ يَجِبُ عَلَى الأَْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ لِلصَّلاَةِ بِقَلْبِهِ؛ لأَِنَّ تَحْرِيكَ اللِّسَانِ عَبَثٌ، وَلَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى الأَْخْرَسِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ، وَشَفَتَيْهِ، وَلَهَاتِهِ بِالتَّكْبِيرِ قَدْرَ إِمْكَانِهِ، قَال فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَكَذَا حُكْمُ تَشَهُّدِهِ، وَسَلاَمِهِ، وَسَائِرِ أَذْكَارِهِ، قَال ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ كَالْمَرِيضِ.

لَكِنْ يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْخَرَسِ الطَّارِئِ، أَمَّا الْخَرَسُ الْخِلْقِيُّ فَلاَ يَجِبُ مَعَهُ تَحْرِيكُ شَيْءٍ (١) . وَنَحْوُ ذَلِكَ قَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ.

وَقَال ابْنُ نُجَيْمٍ: إِنَّ تَحْرِيكَ لِسَانِ الأَْخْرَسِ فِي تَكْبِيرَةِ الاِفْتِتَاحِ وَالتَّلْبِيَةِ لاَزِمٌ عَلَى الْقَوْل بِهِ، أَوْ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَأَمَّا بِالْقِرَاءَةِ فَلاَ عَلَى الْمُخْتَارِ. .

الاِقْتِدَاءُ بِالأَْخْرَسِ:

٥ - لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ النَّاطِقِ بِالأَْخْرَسِ وَلَوْ كَانَ النَّاطِقُ أُمِّيًّا؛ لأَِنَّ الأَْخْرَسَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الأُْمِّيِّ لِقُدْرَةِ الأُْمِّيِّ عَلَى التَّحْرِيمَةِ، وَعَجْزِ الأَْخْرَسِ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٢٤، ومراقي الفلاح ص ١١٩ وأشباه ابن نجيم / ١٢١، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٣٣ والحطاب ١ / ٥١٩ ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٣، ومغني المحتاج ١ / ١٥٢، وحاشية الجمل ١ / ٣٣٧، وكشاف القناع ١ / ٣٣١، والمغني ١ / ٤٦٣.

عَنِ الإِْتْيَانِ بِالتَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي اقْتِدَاءِ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ.

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْعَجْزِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأَْخْرَسِ بِأَخْرَسَ مِثْلِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُحْسِنَ أَحَدُهُمَا مَا لاَ يُحْسِنُهُ الآْخَرُ، أَوْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لأَِحَدِهِمَا قُوَّةٌ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ نَاطِقًا أَحْسَن مَا لاَ يُحْسِنُهُ الآْخَرُ. (١)

إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ فِي الصَّلاَةِ:

٦ - مِنَ الْمُقَرَّرِ أَنَّ الْكَلاَمَ فِي الصَّلاَةِ يُبْطِلُهَا، فَهَل تُعْتَبَرُ إِشَارَةُ الأَْخْرَسِ فِي الصَّلاَةِ مِثْل كَلاَمِ النَّاطِقِ؟

فِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهَا لاَ تَبْطُل بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ؛ لأَِنَّ الإِْشَارَةَ فِي الصَّلاَةِ جَائِزَةٌ مِنَ النَّاطِقِ.

وَاعْتَبَرَ الْحَنَابِلَةُ الإِْشَارَةَ فِعْلًا لاَ قَوْلًا، فَلاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِهَا إِلاَّ إِذَا كَثُرَتْ عُرْفًا وَتَوَالَتْ.

وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مُقَابِل

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٩٩ ومراقي الفلاح ص ١٥٧ والشرح الصغير ١ / ١٥٦ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٢ / ١٦٥ والشرواني على التحفة ٢ / ٢٨٥ وكشاف القناع ١ / ٤٧٦، والمغني ٢ / ١٩٤.

الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الصَّلاَةَ تَبْطُل بِإِشَارَةِ الأَْخْرَسِ، لأَِنَّ إِشَارَتَهُ كَالْكَلاَمِ.

وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ قَصَدَ الْكَلاَمَ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ لَمْ تَبْطُل (١) .

وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل عِنْدَهُمْ بِالإِْشَارَةِ.

كَمَا قَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ بَأْسَ بِتَكْلِيمِ الْمُصَلِّي وَإِجَابَتِهِ بِرَأْسِهِ، كَمَا لَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ أُرِيَ دِرْهَمًا، وَقِيل: أَجَيِّدٌ؟ فَأَوْمَأَ بِنَعَمْ أَوْ لاَ، أَوْ قِيل كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ (٢) .

ذَبْحُ الأَْخْرَسِ وَصَيْدُهُ:

٧ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَالصَّيْدِ وَاجِبَةً أَوْ سُنَّةً. وَلَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى حِل ذَبِيحَةِ الأَْخْرَسِ وَصَيْدِهِ مَعَ عَدَمِ تَسْمِيَتِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى النُّطْقِ.

إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُذَكِّي أَخْرَسَ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَوْ أَشَارَ إِشَارَةً تَدُل عَلَى التَّسْمِيَةِ، وَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ، كَانَ فِعْلُهُ كَافِيًا لِقِيَامِ إِشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ.

وَقَالُوا فِي الصَّيْدِ: لاَ تُعْتَبَرُ التَّسْمِيَةُ مِنَ الأَْخْرَسِ عِنْدَ إِرْسَال السَّهْمِ وَالْجَارِحَةِ لِتَعَذُّرِهَا

_________

(١) الحطاب ٢ / ٣٢ وروضة الطالبين ١ / ٢٩٢، وكشاف القناع ١ / ٣٧٨.

(٢) ابن عابدين ١ / ٤٣٣ وفتح القدير ١ / ٣٥٨.

مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ إِشَارَتِهِ بِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الذَّكَاةِ لِقِيَامِ إِشَارَتِهِ مَقَامَ نُطْقِهِ. وَمَا قَالَهُ الْحَنَابِلَةُ هُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

جَاءَ فِي الْمَجْمُوعِ: الأَْخْرَسُ إِنْ كَانَتْ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ حَلَّتْ ذَبِيحَتُهُ بِالاِتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ الْحِل أَيْضًا، وَبِهِ قَطَعَ الأَْكْثَرُونَ، وَالرَّأْيُ الثَّانِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَالْمَجْنُونِ، وَبِهَذَا الرَّأْيِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ (١) .

تَصَرُّفَاتُ الأَْخْرَسِ:

٨ - إِذَا كَانَ لِلأَْخْرَسِ إِشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ مَفْهُومَةٌ، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ الْعَقْدِيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالضَّمَانِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ فِي الْحُلُول كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَالإِْبْرَاءِ.

فَالإِْشَارَةُ تُعْتَبَرُ حُجَّةً فِي حَقِّ الأَْخْرَسِ؛ لأَِنَّ الشَّارِعَ تَعَبَّدَ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ، فَإِذَا عَجَزَ الأَْخْرَسُ عَنِ الْعِبَارَةِ أَقَامَتِ الشَّرِيعَةُ إِشَارَتَهُ مُقَامَ عِبَارَتِهِ.

وَكَذَلِكَ تَقُومُ الْكِتَابَةُ الْمُسْتَبِينَةُ الْمَرْسُومَةُ - أَيِ الَّتِي تُكْتَبُ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي تَعَارَفَهُ النَّاسُ -

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ١٨٩، ١٩١، والدسوقي ٢ / ١٠٦، والمجموع ٩ / ٧٧، ٨٦، وكشاف القناع ٦ / ٢٠٩، ٢٢٧ وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٠٧.

مَقَامَ عِبَارَتِهِ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ؛ لأَِنَّ الْكِتَابَةَ زِيَادَةُ بَيَانٍ (١) .

وَهَذَا قَدْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ أَنَّ هُنَاكَ تَقْيِيدَاتٍ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (إِشَارَةٌ) .

طَلاَقُ الأَْخْرَسِ:

٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ طَلاَقَ الأَْخْرَسِ بِإِشَارَتِهِ الْمُفْهِمَةِ يَقَعُ، وَفَصَّل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنَّ إِشَارَةَ الأَْخْرَسِ بِالطَّلاَقِ إِنْ فَهِمَ طَلاَقَهُ بِهَا كُل أَحَدٍ، فَصَرِيحَةٌ، وَإِنِ اخْتَصَّ بِفَهْمِ الطَّلاَقِ مِنْهَا بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ فَهِيَ كِنَايَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ. (٢)

لِعَانُ الأَْخْرَسِ:

١٠ - يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ إِشَارَةِ الأَْخْرَسِ أَوْ كِتَابَتِهِ فِي اللِّعَانِ، وَقِيَامُهَا مَقَامَ عِبَارَةِ النَّاطِقِ.

فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِنْ كَانَ

_________

(١) (١) الهداية / ٢٦٩ - ٢٧٠ وأشباه ابن نجيم / ٣٤٣ وابن عابدين ٢ / ٤٢٥، والدسوقي ٢ / ٣١٣، ٣٢٧، ٣٨٤، والتبصرة بهامش فتح العلي ٢ / ٧٩ - ٨٠، وأشباه السيوطي / ٣٣٨ والمنثور ١ / ١٦٤ ونهاية المحتاج ٦ / ٤٢٦ والروضة ٨ / ٣٩، وكشاف القناع ٥ / ٣٩٢ ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٤٦ و٣ / ١٣٠، ٥٧٠ والمغني ٣ / ٥٦٦، ٦٠٠ و٧ / ٢٣٨ والبهجة شرح التحفة ٢ / ٨٤.

(٢) فتح القدير ٨ / ٥١١ وابن عابدين ٢ / ٤٢٥ وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٤ وشرح المنتهى ٣ / ١٣٠.