الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨
عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - إِلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ تَسْقُطُ بِالإِْعْسَارِ. (١)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لاَ تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ لأَِنَّهَا تَجِبُ صِلَةً وَمَوَدَّةً مَا لَمْ يَفْرِضْهَا الْحَاكِمُ، وَإِذَا فَرَضَهَا الْحَاكِمُ تَكُونُ مُحَدَّدَةً فَتَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ. (٢)
أَنْوَاعُ التَّحْدِيدِ وَعَدَمِ التَّحْدِيدِ
٣٢ - تَحْدِيدُ الْحَقِّ وَعَدَمُ تَحْدِيدِهِ قَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِصَاحِبِ الْحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَكَانِ، أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الاِتِّجَاهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أ - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ صَاحِبُهُ: كَالْبَائِعِ فِي ثَمَنِ مَا بَاعَهُ، وَالْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ، وَالزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ. أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ صَاحِبُهُ، فَمِثْل: الْمُنْتَفِعِ بِالْمُبَاحَاتِ وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ.
ب - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ مَنْ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ - الْمُكَلَّفُ - مِثْل: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى الْبَالِغِ الْعَاقِل، وَالزَّكَاةِ عَلَى مَالِكِ النِّصَابِ، وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى
_________
(١) لمغني لابن قدامة ٩ ٩؟ / ٢٤٩ وما بعدها، والإقناع ٤ / ١٤٧، وبلغة السالك لأقرب المسالك للصاوي على الشرح الصغير للدردير ١ / ٥١٨ وما بعدها ط الحلبي الأخيرة ١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ م.
(٢) نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ٧ / ١٣١، ١٣٢ ط دار الفكر.
الزَّوْجِ، وَنَفَقَةِ الأَْوْلاَدِ الصِّغَارِ الْفُقَرَاءِ عَلَى الأَْبِ، وَالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ مَنْ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ - الْمُكَلَّفُ - فَمِثْل: صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، وَرَدِّ السَّلاَمِ، وَتَعَلُّمِ الْفِقْهِ وَالطِّبِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَسُنَنِهَا.
ج - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ فِي الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، مِثْل: الإِْيمَانِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ، وَمِلْكِيَّةِ الْمَبِيعِ لِلْمُشْتَرِي وَخُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِمُجَرَّدِ انْعِقَادِ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ النَّافِذِ، وَحِل الزَّوْجَةِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ فِي الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، فَمِثْل: دَفْعِ الأَْذَى عَنِ الطَّرِيقِ.
د - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْقَدْرِ، مِثْل: الْقَدْرِ الْمَحْدُودُ فِي الزَّكَاةِ، وَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْقَدْرِ، فَمِثْل: الصَّدَقَاتِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ، وَمُسَاعِدَةِ الْمُحْتَاجِينَ.
هـ - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْمَكَانِ، مِثْل: الْوُقُوفِ بِجَبَل عَرَفَاتٍ فِي الْحَجِّ، وَمَكَانُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوِ الْمُسْلَمِ فِيهِ الْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْمَكَانِ، فَمِثْل: الصَّلاَةِ، وَالتَّعَاقُدِ فِي الْبَيْعِ وَالزَّوَاجِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُقُودِ.
و- الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الزَّمَنِ وَالْوَقْتِ، مِثْل: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْحَجِّ.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الزَّمَنِ وَالْوَقْتِ، فَمِثْل: السَّنَةِ الَّتِي يُؤَدِّي فِيهَا الشَّخْصُ فَرِيضَةَ الْحَجِّ عِنْدَ مَنْ يَرَى مِنَ الْفُقَهَاءِ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى التَّرَاخِي، وَسَدَادِ الدُّيُونِ الَّتِي لَمْ يُحَدَّدْ لَهَا وَقْتٌ لِلأَْدَاءِ.
ز - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الاِتِّجَاهِ، مِثْل: عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الاِتِّجَاهِ، فَمِثْل: الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ.
ح - الْحَقُّ الْمَحْدُودُ الْعَدَدِ، مِثْل: أَرْكَانِ الإِْسْلاَمِ الْخَمْسَةِ، وَفَرَائِضِ الصَّلاَةِ الْخَمْسِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَطَرَفَيِ الْعَقْدِ وَهُمَا: الْمُوجِبُ وَالْقَابِل.
أَمَّا الْحَقُّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ الْعَدَدِ، فَمِثْل عَدَدِ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَدْ يَتِمُّ الشَّهْرُ وَقَدْ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَأَيَّامُ السَّفَرِ الشَّرْعِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِقَصْرِ الصَّلاَةِ. (١)
الْحَقُّ التَّامُّ وَالْمُخَفَّفُ:
٣٣ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ حَال التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ وُجُودُ أَعْذَارٍ مُعْتَبَرَةٍ تَقْتَضِي التَّخْفِيفَ أَوْ عَدَمِ وُجُودِهَا إِلَى قِسْمَيْنِ: تَامٌّ وَمُخَفَّفٌ.
_________
(١) انظر الموافقات (١ / ١٥٦ - ١٦١) .
الْحَقُّ التَّامُّ: هُوَ مَا وَجَبَ أَصْلًا فِي الْحَالَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ. مِثْل: أَدَاءِ الصَّلاَةِ كَامِلَةً لِلْمُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَأَدَاءِ الدَّيْنِ كَامِلًا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْحَقُّ الْمُخَفَّفُ: هُوَ مَا شُرِعَ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل، بِسَبَبِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِتَيْسِيرِ الأَْدَاءِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِهَا.
وَالتَّخْفِيفُ قَدْ يَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: تَخْفِيفُ إِسْقَاطٍ، وَتَخْفِيفُ نَقْصٍ، وَتَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، وَتَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، وَتَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، وَتَخْفِيفُ تَغْيِيرٍ (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (تَيْسِيرٌ) .
تَقْسِيمُ الْحُقُوقِ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهَا لِلْوَرَثَةِ وَعَدَمِ انْتِقَالِهَا:
٣٤ - تَنْقَسِمُ الْحُقُوقُ بِاعْتِبَارِ انْتِقَالِهَا لِلْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ أَوِ الْوِرَاثَةِ، وَعَدَمِ انْتِقَالِهَا أَصْلًا إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ.
أَوَّلًا: الْحُقُوقُ الَّتِي تُورَثُ، وَهِيَ:
١ - الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ، مِثْل: الْعَقَارِ، وَالْمَنْقُول، وَالنَّقْدَيْنِ، وَالدُّيُونِ، وَالدِّيَةِ، وَالْغُرَّةِ.
٢ - الْحُقُوقُ الْمُقَرَّرَةُ عَلَى عَقَارٍ، مِثْل: حَقِّ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ٧٥، ٨٣، كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤ / ١٦٤، الأشباه والنظائر للسيوطي / ٨٤ وما بعدها، الهداية للمرغيناني ٣ / ٩٣، المغني لابن قدامة ٢ / ١٠٧ وما بعدها.
الشُّرْبِ، وَحَقِّ الْمَجْرَى، وَحَقِّ الْمَسِيل، وَحَقِّ الْمُرُورِ.
٣ - بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال مِنْ حُقُوقٍ، مِثْل: حَقِّ حَبْسِ الرَّهْنِ إِلَى سَدَادِ الدَّيْنِ، وَحَبْسُ الْمَبِيعِ حَتَّى دَفْعِ الثَّمَنِ.
ثَانِيًا: الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْخِلاَفَةِ وَلاَ تُورَثُ:
٣٥ - هِيَ الْحُقُوقُ الَّتِي تَثْبُتُ لِلْخَلَفِ ابْتِدَاءً، وَلاَ تَنْتَقِل إِلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ، وَهَذِهِ الْحُقُوقُ قَدْ تَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، كَمَا فِي بَعْضِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَال عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، مِثْل: خِيَارِ التَّعْيِينِ، وَقَدْ ثَبَتَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ، مِثْل أَنْ تَثْبُتَ لِمَنْ صِلَتُهُ عَنْ طَرِيقِ النَّسَبِ كَالأَْوْلاَدِ، وَلاَ تَثْبُتُ لِمَنْ صِلَتُهُ عَنْ طَرِيقِ السَّبَبِ كَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ كَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، فَهُوَ حَقٌّ عِنْدَهُمْ لأَِوْلِيَاءِ الْمَقْتُول بِالنَّسَبِ فَقَطْ، وَثَبَتَ لَهُمُ ابْتِدَاءً.
وَقَدْ تَثْبُتُ الْحُقُوقُ لِمَنْ قَرَابَتُهُ عَنْ طَرِيقِ الْعُصْبَةِ الذُّكُورِ، وَلاَ تَثْبُتُ لِمَنْ عَدَاهُمْ، مِثْل: وَلاَءِ الْعَتَاقَةِ.
وَقَدْ تَثْبُتُ الْحُقُوقُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ الآْخَرِ وَلِمُدَّةٍ مَحْدُودَةٍ، وَذَلِكَ حَسَبَ النِّظَامِ الَّذِي يَضَعُهُ الْمُوصِي أَوِ الْوَاقِفُ فِي شُرُوطِ صَرْفِ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، أَوِ الَّذِي يَضَعُهُ الإِْمَامُ لِصَرْفِ هَذِهِ الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ كَالْحَقِّ الثَّابِتِ فِي دِيوَانِ
الْخَرَاجِ لِلْمُقَاتِلِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ يَنْتَقِل إِلَى وَرَثَتِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بَعْضِهِمْ حَسَبَ النِّظَامِ الْمَوْضُوعِ لِذَلِكَ فَمَنْ مَاتَ وَلَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَال عَنْ طَرِيقِ الاِسْتِحْقَاقِ وَالْمَنْحِ كَالْعَطَاءِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَقَّ لاَ يُورَثُ عَنْهُ، وَلاَ يَثْبُتُ لِجَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْبَعْضِ أَوِ الْكُل، لاَ بِاعْتِبَارِهِمْ وَرَثَةً، وَإِنَّمَا بِاعْتِبَارِهِمْ خَلَفًا عَنِ الْمَيِّتِ، فَكَانَ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الْعَطَاءِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ، وَمَنْحِ الإِْمَامِ لَهُمْ ذَلِكَ الْعَطَاءَ، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ أَوِ الْحَاكِمِ مَنْعُ هَذَا الْحَقِّ، أَوْ حِرْمَانُهُمْ مِنْهُ، وَإِذَا مَنَعَهُمْ فَقَدْ ظَلَمَ. (١)
ثَالِثًا: الْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تُورَثُ وَلاَ تُنْقَل بِالْخِلاَفَةِ:
٣٦ - هِيَ كُل مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْمُورِثِ، وَيَنْتَهِي بِمَوْتِهِ، وَلاَ يَبْقَى لَهُ فِيهِ حَقٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوَرَثَةَ لاَ يَرِثُونَ فِكْرَ مُورَثِهِمْ وَلاَ شَهْوَتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ لاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الأُْمُورِ، ضَرُورَةَ أَنَّ مَا لاَ يُورَثُ بِذَاتِهِ لاَ يُورَثُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَالْحُقُوقُ الَّتِي لاَ تُورَثُ هِيَ حُقُوقٌ شَخْصِيَّةٌ، ارْتَبَطَتْ بِالشَّخْصِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ لِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فِيهِ، مِثْل: الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ
_________
(١) لأشباه والنظائر مع بعض تصرف لابنن نجيم ص ١٢١، ١٢٥، وانظر الرتاج شرح أحكام الخراج ١ / ١٢٨.
وَالْخَاصَّةِ، وَالْوِلاَيَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَالْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال، وَالْمَنَاصِبِ وَالْوَظَائِفِ. مِثْل: الأَْمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ، وَاخْتِيَارِ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُ الأَْرْبَعِ مِنْ زَوْجَاتِهِ، وَذَلِكَ إِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ مُتَزَوِّجٌ أُخْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَإِذَا مَاتَ قَبْل الاِخْتِيَارِ لاَ يَنْتَقِل هَذَا الْحَقُّ إِلَى الْوَرَثَةِ. (١)
٣٧ - وَهُنَاكَ حُقُوقٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهَا تُورَثُ، وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّهَا تَنْتَقِل بِالْخِلاَفَةِ، وَقَال الْبَعْضُ الآْخَرُ: إِنَّهَا لاَ تُورَثُ، وَيَرْجِعُ اخْتِلاَفُهُمْ إِلَى عِدَّةِ أَسْبَابٍ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ، مِنْهَا مَا يَأْتِي:
بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَال مِنْ حُقُوقٍ، مِثْل: خِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ، وَخِيَارِ الْعَيْبِ، وَخِيَارِ الْقَبُول.
وَمِنْهَا: الْمَنَافِعُ، مِثْل: السُّكْنَى، وَالْمَنْفَعَةِ بِالْوَصِيَّةِ.
وَمِنْهَا: الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ.
فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الأَْسْبَابِ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا
_________
(١) لأشباه والنظائر لابن نجيم ١٢٠٢٠؟ - ١٢٥، وسبل السلام ٣ / ١٠٢، كتاب الفرائض، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧ - ٦٩، ١٥٩، ٥٨١، ٥٨٢، وتهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ٣ / ٢٨٥، ٤٨٤، والاختيار لتعليل المختار ٢ / ٢٤ تحقيق الدكتور محمد طموم، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٩ / ٢٣، ٢٤، والهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني ٣ / ٢٧٣، ٢٧٤، ٤ / ١٦٧، ١٦٨، ١٧٣، ١٧٤، ١٨٩، ١٩٠، ٢٥٣، ٧ / ١١٢، ١١٣ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢ / ١٧٤، ١٧٥.
أَحْكَامَهُمْ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اخْتِلاَفُهُمْ، نَجِدُ أَنَّهَا تَتَنَوَّعُ، إِلَى مَا يَلِي:
أ - خِيَارُ الشَّرْطِ:
٣٨ - ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى انْتِقَالِهِ لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ، وَأَثَرٌ مِنْ آثَارِهِ، فَيُورَثُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ (١) وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِلَى عَدَمِ انْتِقَال خِيَارِ الشَّرْطِ لِلْوَرَثَةِ، لأَِنَّهُ يَبْطُل بِمَوْتِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَيَتِمُّ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ لِثَلاَثَةِ وُجُوهٍ:
الأَْوَّل: أَنَّ خِيَارَ الشَّرْطِ صِفَةٌ لِلْعَاقِدِ، لأَِنَّ الْخِيَارَ مَشِيئَتُهُ وَاخْتِيَارُهُ، فَتَبْطُل بِمَوْتِهِ، كَسَائِرِ صِفَاتِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الأَْجَل فِي الثَّمَنِ لاَ يُورَثُ، فَكَذَلِكَ فِي الْخِيَارِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَائِعَ رَضِيَ بِخِيَارٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ، فَكَيْفَ يَثْبُتُ لأَِشْخَاصٍ آخَرِينَ لَمْ يُشْرَطْ لَهُمْ، وَلَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقْدِ، وَهُمُ الْوَرَثَةُ، وَالْوَاجِبُ عَدَمُ تَعَدِّي الْخِيَارِ مَنِ اشْتُرِطَ لَهُ، كَمَا لاَ يَتَعَدَّى الأَْجَل مَنِ اشْتُرِطَ لَهُ.
ب - خِيَارُ التَّعْيِينِ:
٣٩ - هُوَ أَنْ يَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى وَاحِدٍ لاَ بِعَيْنِهِ مِثْل:
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ٢ / ٢٤ تحقيق الدكتور محمد طموم.
أَنْ يَشْتَرِيَ شَخْصٌ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي تَعْيِينِهِ وَأَخْذِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَكِنَّ الْمُشْتَرِي مَاتَ قَبْل أَنْ يَخْتَارَ وَيُعَيِّنَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ.
فَخِيَارُ التَّعْيِينِ وَإِنْ ثَبَتَ حَقًّا لِلْوَارِثِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي التَّعْلِيل: فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ انْتَقَل لِلْوَارِثِ عَنْ طَرِيقِ الْمِيرَاثِ، لأَِنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَقْدِ كَخِيَارِ الشَّرْطِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: خِيَارُ التَّعْيِينِ لاَ يُورَثُ، وَإِنَّمَا يَنْتَقِل لِلْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ، لأَِنَّهُ يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً، لأَِنَّ الْوَارِثَ انْتَقَل إِلَيْهِ الْمِلْكُ مُخْتَلِطًا بِمِلْكِ الْغَيْرِ، (١) وَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضِهِ وَتَعْيِينِهِ، فَثَبَتَ لَهُ خِيَارُ التَّعْيِينِ ابْتِدَاءً - عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ - لإِنْهَاءِ هَذَا الاِخْتِلاَطِ. وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْمِيرَاثِ. وَهَذَا الْخِيَارُ الَّذِي ثَبَتَ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً خِلاَفُ خِيَارِ التَّعْيِينِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُورَثِ الْمُتَعَاقِدِ، حَيْثُ كَانَ خِيَارُ التَّعْيِينِ ثَابِتًا لِلْمُورَثِ عَنْ طَرِيقِ الْعَقْدِ، أَمَّا خِيَارُ التَّعْيِينِ الثَّابِتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً فَهُوَ لإِنْهَاءِ اخْتِلاَطِ مِلْكِهِمْ بِمِلْكِ الْغَيْرِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْوَرَثَةُ مِنْ تَسَلُّمِ مِلْكِهِمْ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ.
ج - خِيَارُ الْعَيْبِ:
٤٠ - الْمُشْتَرِي اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ سَلِيمًا مِنَ الْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ الْوَارِثُ يَسْتَحِقُّهُ سَلِيمًا، فَيَنْتَقِل إِلَيْهِ حَقُّ
_________
(١) راجع حاشية رد المحتار لابن عابدين ٤ / ٥٨١.
السَّلاَمَةِ ابْتِدَاءً عَنْ طَرِيقِ الْخِلاَفَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَنْتَقِل عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ. (١)
د - خِيَارُ الْقَبُول:
٤١ - هُوَ حَقُّ يَثْبُتُ لِلطَّرَفِ الثَّانِي عِنْدَ التَّعَاقُدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ صُدُورِ الإِْيجَابِ مِنَ الطَّرَفِ الأَْوَّل.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي انْتِقَالِهِ إِلَى الْوَرَثَةِ: فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ حَقٌّ يُورَثُ، لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُوجِبِ الرُّجُوعُ عَنْ إِيجَابِهِ، لأَِنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ بِهِ.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ خِيَارَ الْقَبُول لاَ يُورَثُ، لأَِنَّ الإِْيجَابَ غَيْرُ مُلْزَمٍ لِلْمُوجِبِ، وَلَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ، وَيَبْطُل الإِْيجَابُ بِانْفِضَاضِ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يُنْهِي الْمَجْلِسَ فَيَنْحَل الإِْيجَابُ، فَلاَ يَكُونُ بَعْدَهُ خِيَارُ الْقَبُول قَائِمًا، وَمَا دَامَ خِيَارُ الْقَبُول أَصْبَحَ غَيْرَ مَوْجُودٍ فَلاَ يَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ لِبُطْلاَنِهِ تَبَعًا لِبُطْلاَنِ الإِْيجَابِ بِانْفِضَاضِ الْمَجْلِسِ بِتَفَرُّقِ الأَْرْوَاحِ.
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَاتِ الْخِيَارِ الْمُتَعَدِّدَةِ.
هـ - الْمَنَافِعُ:
٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَالِيَّتِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَالًا، وَلِذَلِكَ لاَ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ عَنْ طَرِيقِ الْمِيرَاثِ.
_________
(١) تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية ٣ / ٢٨٥ للشيخ محمد علي حسين.