الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٨

أَمَّا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُنَا: فَالتَّوَى هُوَ الْعَجْزُ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، (١) أَيْ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى حَقِّهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُحَال عَلَيْهِ. (٢)

١٥٥ - الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل إِذَا تَوِيَ الْمَال عَلَى الْمُحَال عَلَيْهِ، لَمْ يَقُل بِهِ سِوَى الْحَنَفِيَّةِ.

وَالَّذِينَ وَافَقُوا عَلَى الرُّجُوعِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ خَاصَّةً، لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فَاسِخًا لِلْحَوَالَةِ - إِنْ صَحَّحُوا انْعِقَادَهَا - بَل سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِيَارِ فِي الإِْبْقَاءِ عَلَى عُقْدَةِ الْحَوَالَةِ أَوْ فَسْخِهَا.

لَكِنِ الْمَالِكِيَّةُ قَالُوا: إِنَّهُ بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ، يَتَحَوَّل الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ نَتِيجَةً لاِعْتِبَارِهَا كَالْقَبْضِ، وَتَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحِيل نِهَائِيًّا، فَلاَ رُجُوعَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ فَلَسِ الْمُحَال عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَلَسُ قَائِمًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلاَ بِجَحْدِهِ لِلدَّيْنِ بَعْدَ الْحَوَالَةِ، إِلاَّ أَنْ غَرَّهُ الْمُحِيل، بِأَنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَوِيًّا فَقْرَ الْمُحَال عَلَيْهِ أَوْ جَحْدَهُ، فَكَتَمَهُ عَنِ الْمُحَال، فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْعِلْمُ أَوِ

_________

(١) العناية مع فتح القدير ٥ / ٤٤٩.

(٢) وهذا القيد بكونه (من طريق المحال عليه) ضروري في التعريف، وإن لم يصرحوا به اتكالا على فهمه، ليخرج العجز عن الوصول إلى الحق من طريق المحيل، فإن هذا لا يحقق التوى بالمعنى المقصود هنا اصطلاحا والذي تترتب عليه آثار معينة سيجيء بيانها.

الظَّنُّ، بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ، لَمْ يَتَحَوَّل الدَّيْنُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّةُ الْمُحِيل. (١)

وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ الْحَوَالَةَ بَاطِلَةٌ.

١٥٦ - نِعْمَ إِذَا شَرَطَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ مِنْ قِبَل الْمُحَال عَلَيْهِ بِسَبَبٍ مَعِينٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَهُنَا يَخْتَلِفُ نُفَاةُ الرُّجُوعِ بِالتَّوَى: فَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، يَقُولُونَ إِنَّ لَهُ شَرْطَهُ. وَيُعَلِّلُهُ الْبَاجِيُّ قَائِلًا: (وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَوَالَةَ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ شَرَطَ فِيهَا سَلاَمَةَ ذِمَّتِهِ، فَلَهُ شَرْطُهُ) .

أَمَّا جَمَاهِيرُ الشَّافِعِيَّةِ فَيَرَوْنَ أَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْعَجْزِ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَبْطُل، ثُمَّ الأَْصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَبْطُل الْعَقْدُ نَفْسُهُ أَيْضًا. (٢)

١٥٧ - يَعْتَبِرُ الْحَنَفِيَّةُ التَّوَى نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي. يُخَالِفُهُمْ أَئِمَّةُ الْمَذَاهِبِ الثَّلاَثَةِ الأُْخْرَى وَغَيْرُهُمْ:

فَالشَّافِعِيَّةُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ التَّوَى لاَ يُعْتَبَرُ نِهَايَةً لِلْحَوَالَةِ، وَبِالتَّالِي لاَ رُجُوعَ بِهِ لِلْمُحَال عَلَى الْمُحِيل. وَكَذَلِكَ يَقُول أَحْمَدُ

_________

(١) الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٦، والدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٣٦٨.

(٢) المنتقى على الموطأ ٥ / ٦٧. وهذا هو بعينه الذي يسألون عن مستند صحته لأنهم مقرون بأن عدم الرجوع على المحيل هو مقتضى عقد الحوالة. (الخرشي على خليل ٤ / ٢٣٥) فيكون هذا الشرط مخالفا لمقتضى العقد. (مغني المحتاج ٢ / ١٩٦) .

إِلاَّ أَنَّهُ اسْتَثْنَى فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْمُحَال بِإِفْلاَسِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل - إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ عِلْمُ الْمُحَال بِذَلِكَ وَرِضَاهُ بِهِ - (١) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ تَتَّفِقُ مَعَ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ أَيْضًا بِأَنَّ اشْتِرَاطَ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مَقْبُولٌ وَيُعْمَل بِهِ، وَلَكِنْ بِشَرِيطَةِ عِلْمِ الْمُحِيل بِهَذَا الإِْفْلاَسِ. (٢)

وَأَلْحَقُوا بِهِ عِلْمَهُ بِجَحْدِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا (ف ١٥٥) .

١٥٨ - وَبِهَذَا يَتَحَرَّرُ: أَنَّ الْمَذَاهِبَ فِي الرُّجُوعِ بِالتَّوَى ثَلاَثَةٌ:

١ - إِطْلاَقُ الْقَوْل بِهِ: عَلَى خِلاَفٍ فِي تَحْدِيدِ أَسْبَابِهِ أَوْ إِطْلاَقِهَا.

وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (مَا عَدَا زُفَرَ)، وَرَأْيُ بَعْضِ السَّلَفِ. (٣)

٢ - إِطْلاَقُ رَفْضِهِ: وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الشَّافِعِيَّةِ.

٣ - وُجُوبُ اسْتِحْقَاقِ الرُّجُوعِ إِذَا شُرِطَ، وَإِلاَّ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٥ / ٥٨.

(٢) وهذا التقرير لمذهب مالك هو الموافق لما رجح الرهوني في حاشيته على شرح الزرقاني لمختصر خليل ٥ / ٤٠٥ لكن الذي قرره الخرشي (٤ / ٢٣٦) والعراقي في حواشي التحفة (٢ / ٣٥) بطلان الحوالة في هذه الحالة.

(٣) نص مرشد الحيران في المادة / ٨٩٠ على براءة المحيل وكفيله مقيد بسلامة حق المحال.

فَلاَ رُجُوعَ إِلاَّ فِي حَالاَتِ الْغُرُورِ - وَعَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ.

أَدِلَّةُ الْحَنَفِيَّةِ:

يَسْتَدِل الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ بِالرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى بِمَا يَلِي:

(أ) إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ:

١٥٩ - فَقَدْ جَاءَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ مُفْلِسًا أَنَّهُ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَقَال: (لَيْسَ عَلَى مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَوًى) (١)

وَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلاَفُهُ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَجَاءَ عَنْ شُرَيْحٍ مِثْلُهُ. (٢)

(ب) - الْمَعْقُول:

١٦٠ - قَالُوا: لأَِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَوَالَةِ أَنْ يَنُوبَ الثَّانِي عَنِ الأَْوَّل فِي الإِْيفَاءِ، لاَ مُجَرَّدَ نَقْل الْوُجُوبِ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ، إِذِ الذِّمَمُ لاَ تَتَفَاوَتُ فِي أَصْل الْوُجُوبِ، هَذَا هُوَ مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ، وَمَا تَعَارَفُوهُ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ.

_________

(١) حديث: " ليس على مال امرئ مسلم توى " أخرجه البيهقي (٦ / ٧١ - ط دائرة المعارف العثمانية) موقوفا على عثمان وأعله.

(٢) البدائع ٦ / ١٨ (أي إجماعا سكوتيا) والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٩.

وَعَلَى هَذَا، فَبَرَاءَةُ الْمُحِيل لَمْ تَثْبُتْ مُطْلَقَةً، بَل مَشْرُوطَةً بِعِوَضٍ. فَإِذَا لَمْ يُسَلَّمْ هَذَا الْعِوَضُ عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل فَشَغَلَهَا كَمَا كَانَ. نَظِيرُهُ أَنْ يَهْلِكَ الْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِهِ، أَوْ يَخْرُجَ مُسْتَحَقًّا، أَوْ يَتَبَيَّنَ بِهِ عَيْبٌ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ، إِذِ الْعُرْفُ قَاضٍ بِأَنَّهُ مَا بَذَل الثَّمَنَ إِلاَّ لِيَحْصُل عَلَى مَبِيعٍ سَلِيمٍ، فَإِذَا فَاتَ هَذَا الْمَقْصُودُ الَّذِي هُوَ فِي قُوَّةِ الْمَشْرُوطِ، عَادَ بِالثَّمَنِ الَّذِي بَذَلَهُ. هَذَا قِيَاسٌ لاَ شَكَّ فِي جَلاَئِهِ. (١)

أَدِلَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ:

وَيَسْتَدِل الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي حَالَةِ التَّوَى مُطْلَقًا بِالأَْدِلَّةِ التَّالِيَةِ:

أ - السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ:

١٦١ - فَقَدْ جَاءَ فِي قَوْلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الأَْوْسَطِ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مَنْ أُحِيل عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ (٢) هَذَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ تَوًى وَغَيْرِهِ، وَلاَ يُوجَدُ مُخَصِّصٌ لِهَذَا الْعُمُومِ. (٣)

ب - آثَارُ الصَّحَابَةِ:

١٦٢ - مِنْ ذَلِكَ: (أَنَّ حَزْنًا جَدَّ سَعِيدِ بْنِ

_________

(١) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٢، وفتح القدير على الهداية ٥ / ٤٤٨.

(٢) الحديث تقدم تخرجه ف / ٧.

(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٤١٥.

الْمُسَيِّبِ كَانَ لَهُ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ بِهِ، فَمَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَال: اخْتَرْتَ عَلَيْنَا، أَبْعَدَكَ اللَّهُ) وَرَوَى ابْنُ حَزْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّهُ كَانَ لأَِبِيهِ الْمُسَيِّبِ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَلِرَجُلٍ آخَرَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَلْفَا دِرْهَمٍ: فَقَال ذَلِكَ الرَّجُل لِلْمُسَيِّبِ: أَنَا أُحِيلُكَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَحِلْنِي أَنْتَ عَلَى فُلاَنٍ، فَفَعَلاَ. فَانْتَصَفَ الْمُسَيِّبُ مِنْ عَلِيٍّ، وَتَلِفَ مَال الَّذِي أَحَالَهُ الْمُسَيِّبُ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرَ الْمُسَيِّبُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَقَال لَهُ عَلِيٌّ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ. (١)

أَدِلَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَمُوَافِقِيهِمْ:

١٦٢ م - الْمَالِكِيَّةُ فِي اسْتِدْلاَلِهِمْ عَلَى عَدَمِ الرُّجُوعِ فِي التَّوَى إِلاَّ فِي حَالَتَيِ الشَّرْطِ أَوِ الْغُرُورِ يَقُولُونَ:

إِنَّ أَدِلَّةَ الشَّافِعِيَّةِ فِي رَفْضِ الرُّجُوعِ مُطْلَقًا مُخَصَّصَةٌ بِهَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ التَّالِيَيْنِ وَلَيْسَتْ عَلَى إِطْلاَقِهَا:

(١) الْمُحَال عَلَى مُفْلِسٍ يَجْهَل إِفْلاَسَهُ كَمُشْتَرِي السِّلْعَةِ يَجْهَل عَيْبَهَا، إِذِ الإِْفْلاَسُ عَيْبٌ فِي الْمُحَال عَلَيْهِ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ بِالْعَيْبِ. وَهَكَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ

_________

(١) العناية على الهداية بهامش فتح القدير ٥ / ٤٤٧، والمغني مع الشرح الكبير ٥ / ٥٩، والمحلى ٨ / ١٠٩ و١١٠.

(٢) الْمُحِيل الَّذِي يَكْتُمُ إِفْلاَسَ الْمُحَال عَلَيْهِ كَالْبَائِعِ يُدَلِّسُ عَيْبَ الْمَبِيعِ، فَيَجِبُ أَنْ تَقَعَ الْمَسْئُولِيَّةُ عَلَى الْمُدَلِّسِ، وَلاَ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمُفْلِسِ. هَكَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، وَإِنَّمَا خَصُّوا بِالذِّكْرِ فِي قِيَاسِهِمْ حَالَةَ التَّدْلِيسِ مِنْ حَالاَتِ الرَّدِّ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ، مَعَ أَنَّهُ عَامٌّ سَوَاءٌ أَدَلَّسَ الْبَائِعُ أَمْ لَمْ يُدَلِّسْ، لأَِنَّ لِلذِّمَمِ خَفَاءً وَسَرِيَّةً لاَ تُعْلَمُ، فَصَارَتْ أَشْبَهَ بِالْمَبِيعِ الَّذِي يُجْهَل بَاطِنُهُ، وَهَذَا لاَ رَدَّ بِعَيْبِهِ عِنْدَهُمْ إِلاَّ عَنْ تَدْلِيسٍ. (١)

أَسْبَابُ التَّوَى:

١٦٣ - لِلتَّوَى - فِي الْحَوَالَةِ بِنَوْعَيْهَا الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ - سَبَبَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَثَلاَثَةُ أَسْبَابٍ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ. وَتَنْفَرِدُ الْحَوَالَةُ الْمُقَيَّدَةُ بِسَبَبٍ مُسْتَقِلٍّ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الأَْسْبَابِ أَرْبَعَةً فِي الْجُمْلَةِ. (٢)

(أَوَّلًا) مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ.

(ثَانِيًا) جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ وَلاَ بَيِّنَةَ.

(ثَالِثًا) تَفْلِيسُ الْقَاضِي لِلْمُحَال عَلَيْهِ.

(رَابِعًا) تَلَفُ الأَْمَانَةِ الَّتِي قُيِّدَتْ بِهَا الْحَوَالَةُ، أَوْ ضَيَاعُهَا.

أَوَّلًا - مَوْتُ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا قَبْل الأَْدَاءِ:

١٦٤ - وَذَلِكَ بِأَنْ لاَ يَتْرُكَ مَا يَقْضِي مِنْهُ دَيْنَ

_________

(١) المنتقى للباجي على الموطأ ٥ / ٦٨.

(٢) هذه هي أسباب التوى الذي هو إحدى نهايات الحوالة، أما مطلق التوى فأسبابه لا تحصر.

الْمُحَال، وَلاَ كَفِيلًا بِهِ.

أَمَّا إِذَا تَرَكَ مَا يُقْضَى مِنْهُ دَيْنُ الْمُحَال - مَهْمَا كَانَ مَا تَرَكَهُ، وَلَوْ دَيْنًا فِي ذِمَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ - فَإِنَّهُ لاَ يَتَحَقَّقُ إِفْلاَسُهُ، وَلاَ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحِيل، مَهْمَا تَكُنِ الأَْسْبَابُ وَالْمَعَاذِيرُ. حَتَّى إِنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَلِيئًا وَلَهُ دَيْنٌ سَيُفْضِي انْتِظَارُ قِسْمَتِهِ إِلَى تَأْخِيرِ أَدَاءِ الْحَوَالَةِ لِمَا بَعْدَ الأَْجَل لاَ يَكُونُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَتَعَلَّل بِذَلِكَ لِيَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيل، لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ، إِذِ التَّرِكَةُ خَلَفٌ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْمَقْصُودِ هُنَا، وَهُوَ قَضَاءُ الدَّيْنِ.

فَإِنْ كَانَ مَا تَرَكَهُ الْمُحَال عَلَيْهِ لاَ يَفِي إِلاَّ بِبَعْضِ دَيْنِ الْمُحَال، فَلاَ إِفْلاَسَ وَلاَ تَوَى إِلاَّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ. وَلِذَا يَقُولُونَ: (إِذَا مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مَدْيُونًا، قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَ الْمُحَال بِالْحِصَصِ، وَمَا بَقِيَ لَهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (١)

١٦٥ - كَذَلِكَ إِذَا تَرَكَ كَفِيلًا بِدَيْنِ الْحَوَالَةِ، لاَ يُعَدُّ مُفْلِسًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - لأَِنَّ الْكَفِيل قَائِمٌ

_________

(١) ابن عابدين على الدر المختار ٤ / ٢٩٢، والمبسوط للسرخسي ٢٠ / ٧٢ وأطلق السرخسي انفساخ الحوالة بموت المحال عليه مفلسا، فشمل ذلك موت المحال عليه الأول والثاني فلما تنفسخ الحوالة الواحدة بموت المحال عليه مفلسا، تنفسخ الحوالة الثانية بموت المحال عليه الثاني مفلسا (في صورة الأداء الحكمي بطريق ال

مَقَامَ الأَْصِيل، وَخَلَفٌ عَنْهُ - إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ الْكَفِيل أَيْضًا مُفْلِسًا، أَوْ يُبَرِّئَهُ الْمُحَال - لأَِنَّ هَذَا الإِْبْرَاءَ كَالْفَسْخِ لِلْكَفَالَةِ مَعْنًى - وَهَذَا وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ صَاحِبُ الْخُلاَصَةِ، حِينَ قَال: (إِنَّ الْمُحَال لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل بَعْدَ مَوْتِ الْمُحَال عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيل) . (١)

هَذَا، وَفِي حَالَةِ الْكَفَالَةِ بِبَعْضِ الدَّيْنِ يَكُونُ التَّوَى بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَاقِيهِ لاَ غَيْرُ.

١٦٦ - وَلِهَذَا وَذَاكَ يَقُول فِي " الْبَزَّازِيَّةِ ": أَخَذَ الْمُحَال مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ بِالْمَال كَفِيلًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، لاَ يَعُودُ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، سَوَاءٌ كَفَل بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْكَفَالَةُ حَالَّةً أَمْ مُؤَجَّلَةً، أَمْ كَفَل حَالًّا ثُمَّ أَجَّلَهُ الْمَكْفُول لَهُ.

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ - أَيْ بِالْمَال - كَفِيلٌ، وَلَكِنْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ وَرَهَنَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، عَادَ الدَّيْنُ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحِيل، وَلَوْ كَانَ الْمُحَال مُسَلَّطًا عَلَى بَيْعِ الرَّهْنِ فَبَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْمُحَال عَلَيْهِ مُفْلِسًا، بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَالثَّمَنُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ. (٢)

ثَانِيًا - جَحْدُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ: (٣)

١٦٧ - إِذَا جَحَدَ الْمُحَال عَلَيْهِ الْحَوَالَةَ، وَلاَ بَيِّنَةَ

_________

(١) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٣، والبحر ٦ / ٢٧٣، وابن عابدين ٤ / ٢٩٢ وغيرها.

(٢) البحر ٦ / ٢٧٣.

(٣) انظر ما أسلفناه في الفقرة / ٦٧ لمعرفة رأي غير الحنفية.

عَلَيْهَا، فَقَدْ تَحَقَّقَ التَّوَى بِهَذَا السَّبَبِ. فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَقْبَل هَذَا الْجَحْدَ مَعَ وُجُودِ بَيِّنَةٍ عَلَى الْحَوَالَةِ، سَوَاءٌ أَقَامَهَا الْمُحَال أَمِ الْمُحِيل. فَإِذَا لَمْ تَكُنْ لأَِحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عَلَى الْحَوَالَةِ يَحْلِفُ الْمُحَال عَلَيْهِ الْيَمِينَ: أَنْ لاَ حَوَالَةَ عَلَيْهِ، وَفْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْقَائِلَةِ: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ".

فَإِذَا قَبِل مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ جَحْدَهُ هَذَا وَقَضَى بِمَنْعِ الْمُحَال عَنْهُ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُ الْمُحَال عَنِ الْوُصُول إِلَى الْحَقِّ، أَيْ أَنَّهُ تَوَى. (١)

ثُمَّ إِذَا أَرَادَ الْمُحَال الرُّجُوعَ عَلَى الْمُحِيل بِحُجَّةِ التَّوَى بِسَبَبِ هَذَا الْجَحْدِ لاَ يَثْبُتُ الْجَحْدُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْمُحَال لأَِجْل الرُّجُوعِ عَلَى الْمُحِيل، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْجَحْدِ بِالْبَيِّنَةِ.

عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِمُقْتَضَاهَا إِلاَّ بِحُضُورِ الْمُحَال عَلَيْهِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى غَائِبٍ، لَكِنِ الْمُحَال يَكْفِي مَئُونَةَ هَذَا الْقَضَاءِ إِذَا صَدَّقَهُ الْمُحِيل فِي دَعْوَى الْجَحْدِ، فَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ. (٢)

_________

(١) الزيلعي على الكنز ٤ / ١٧٢.

(٢) البحر ٦ / ٢٧٢.