الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
يَسْتَسْلِمُوا وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ (١) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٢) وَقَدْ حَاصَرَ الرَّسُول ﷺ أَهْل الطَّائِفِ (٣) . وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ الْقُدْسَ فِي خِلاَفَةِ عُمَرَ ﵁ وَأَرْضَاهُ.
وَعَلَى الإِْمَامِ إِذَا حَاصَرَ حِصْنًا أَوْ مَدِينَةً أَنْ يَأْخُذَهُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ خِصَالٍ خَمْسٍ:
أ - أَنْ يُسَلِّمُوا فَيَعْصِمُوا بِالإِْسْلاَمِ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلاَدَهُمُ الصِّغَارَ.
ب - أَنْ يَبْذُلُوا مَالًا عَلَى الْمُوَادَعَةِ فَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ قَبُولُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ جَعَلُوهُ خَرَاجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُل عَامٍ، أَوْ دَفَعُوهُ جُمْلَةً، وَلَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا جِزْيَةً إِنْ كَانُوا مِمَّنْ تُقْبَل مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ فَيَقْبَل مِنْهُمْ وُجُوبًا.
ج - أَنْ يَفْتَحَهُ.
د - أَنْ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِي الاِنْصِرَافِ عَنْهُمْ، إِمَّا لِضَرَرٍ فِي الإِْقَامَةِ، وَإِمَّا لِلْيَأْسِ مِنْهُ، وَإِمَّا لِمَصْلَحَةٍ تَفُوتُ بِإِقَامَتِهِ هُنَاكَ فَيَنْصَرِفُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَاصَرَ أَهْل الطَّائِفِ فَلَمْ يَنَل مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَال: إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا،
_________
(١) شرح الزرقاني ٣ / ١١٣، شرح الجمل ٥ / ١٩٤، روضة الطالبين ١٠ / ٢٤٤، المغني ٨ / ٤٧٩
(٢) سورة التوبة / ٥
(٣) حديث: " حصار أهل الطائف. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ٤٤ ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر.
فَقَال الْمُسْلِمُونَ أَنَرْجِعُ عَنْهُ وَلَمْ تَفْتَحْهُ؟ فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اغْدُوَا عَلَى الْقِتَال، فَغَدَوَا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمُ الْجِرَاحُ فَقَال لَهُمْ: إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا فَأَعْجَبَهُمْ فَقَفَل (١) .
هـ - أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فَيَجُوزُ قَبُولُهُ. لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَحْكِيمٌ) .
وَلاَ يُعْتَبَرُ الْحِصَارُ ظَفَرًا بِهِمْ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْمَحْصُورُونَ أَثْنَاءَ الْحِصَارِ وَقَبْل الاِسْتِسْلاَمِ عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَأَوْلاَدَهُمُ الصِّغَارَ، فَلاَ يُقْتَلُونَ وَلاَ يُسْتَوْلَى عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْفَتْحُ قَرِيبًا. أَمَّا إِذَا أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ فَإِنَّهُمْ يَعْصِمُونَ دِمَاءَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ (٣) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) .
حِصَارُ الْبُغَاةِ:
٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ حِصَارُ الْبُغَاةِ بِمَنْعِ الطَّعَامِ، أَوِ الشَّرَابِ، لأَِنَّ الْمَقْصُودَ
_________
(١) الحديث تقدم تخريجه في نفس الفقرة.
(٢) المصادر السابقة، والمغني ٨ / ٤٧٩ - ٤٨٠. وحديث: نزول بني قريظة على حكم سعد بن معاذ. أخرج حديثه البخاري (الفتح ٧ / ٤١١ ط السلفية) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣» المصادر السابقة والمغني ٨ / ٤٧٩، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٥٢، وروض الطالب ٤ / ١٩٤.
مِنْ قِتَالِهِمْ رَدُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ لاَ إِهْلاَكُهُمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ قِتَالُهُمْ بِمَا يَجُوزُ قِتَال الْكُفَّارِ بِهِ، فَيَمْنَعُ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ وَالْمَاءَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ صِبْيَانٌ وَنِسَاءٌ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي (بُغَاةٌ) .
فَكُّ حِصَارِ الْعَدُوِّ بِالْمَال:
٤ - إِذَا حَاصَرَ الْعَدُوُّ الْمُسْلِمِينَ وَطَلَبُوا مَالًا لِفَكِّ الْحِصَارِ عَنْهُمْ لَمْ يُجِبْهُمُ الإِْمَامُ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِعْطَاءِ الدَّنِيَّةِ، وَإِلْحَاقِ الْمَذَلَّةِ بِأَهْل الإِْسْلاَمِ، إِلاَّ إِذَا خَافَ هَلاَكَ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ (٣) . لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَل إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ لَمَّا اشْتَدَّ الْبَلاَءُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، وَطَلَبَ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمَا كُل سَنَةٍ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالاَ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنْ كَانَ وَحْيًا فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ رَأْيًا رَأَيْتَهُ، لاَ نُعْطِيهِمْ إِلاَّ السَّيْفَ. فَقَال ﷺ: أَنْتُمْ وَذَاكَ. فَقَدْ مَال النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الصُّلْحِ بِالْمَال فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَّا أَحَسَّ
_________
(١) الجمل على شرح المنهج ٥ / ١١٨، وروض الطالب ٤ / ١١٥.
(٢) شرح الزرقاني ٨ / ٦١، وابن عابدين ٣ / ٣١١.
(٣) فتح القدير ٤ / ٢٩٦.
الضَّعْفَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى قُوَّةَ الْمُسْلِمِينَ بِمَا قَال السَّعْدَانُ امْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَدَفْعُ الْهَلاَكِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَاجِبٌ بِأَيِّ طَرِيقٍ مُمْكِنٍ (١) .
_________
(١) قصة إرسال النبي ﷺ إلى عيينة بن حصن، والحارث بن عوف. أخرجها ابن إسحاق في سيرته كما في السيرة النبوية لابن كثير (٣ / ٢٠١ - ٢٠٢ نشر دار إحياء التراث العربي) .
حَصْرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَصْرُ مَصْدَرُ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ أَوِ الْمَرَضُ، أَيْ حَبَسَهُ عَنِ السَّفَرِ. قَال أَبُو إِسْحَاقَ النَّحْوِيُّ: الرِّوَايَةُ عِنْدَ أَهْل اللُّغَةِ أَنْ يُقَال لِلَّذِي يَمْنَعُهُ الْخَوْفُ وَالْمَرَضُ أُحْصِرَ، وَيُقَال لِلْمَحْبُوسِ حُصِرَ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لأَِنَّ الرَّجُل إِذَا امْتَنَعَ مِنَ التَّصَرُّفِ فَقَدْ حَصَرَ نَفْسَهُ، فَكَأَنَّ الْمَرَضَ أَحْبَسَهُ أَيْ جَعَلَهُ يَحْبِسُ نَفْسَهُ، وَقَوْلُكَ: حَصَرْتُهُ، إِنَّمَا هُوَ حَبَسْتُهُ، لاَ أَنَّهُ أَحْبَسَ نَفْسَهُ، فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ أَحْصَرَ. وَقِيل الْحَصْرُ لِلْحَبْسِ بِالْمَرَضِ، وَالإِْحْصَارُ لِلْحَبْسِ بِالْعَدُوِّ. وَقَال ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَال أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ إِذَا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، أَوْ مِنْ حَاجَةٍ يُرِيدُهَا، وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ إِذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِ فَحُصِرَ أَيْ ضَاقَ صَدْرُهُ.
وَقَال أَبُو عُبَيْدَةُ: حُصِرَ الرَّجُل فِي الْحَبْسِ، وَأُحْصِرَ فِي السَّفَرِ مِنْ مَرَضٍ أَوِ انْقِطَاعٍ بِهِ، وَأَمَّا الْحَصْرُ فَهُوَ ضِيقُ الصَّدْرِ، وَالْبُخْل، وَالْمَنْعُ مِنَ الشَّيْءِ عَجْزًا، أَوْ حَيَاءً، وَالْعِيُّ فِي الْمَنْطِقِ. وَمِنْهُ
حُصِرَ الْقَارِئُ أَيْ مُنِعَ الْقِرَاءَةَ (١) .
وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ (الْحَصْرَ) بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِي كُتُبِهِمُ اسْتِعْمَالًا كَثِيرًا. إِلاَّ أَنَّهُمْ غَلَّبُوا اسْتِعْمَال هَذِهِ الْمَادَّةِ (حَصَرَ) وَمُشْتَقَّاتِهَا فِي بَابِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنْ أَرْكَانِ النُّسُكِ، وَذَلِكَ اتِّبَاعًا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَتَوَافَقَتْ عَلَى ذَلِكَ عِبَارَاتُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ (الإِْحْصَارُ) اصْطِلاَحًا فِقْهِيًّا مَشْهُورًا.
وَمَسَائِل الإِْحْصَارِ قَدْ تَمَّ اسْتِيفَاؤُهَا فِي مُصْطَلَحِ (إِحْصَارٌ) .
وَلِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مَعَانٍ أُخْرَى مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ الْعِلْمِ الْمَبْحُوثِ فِيهِ.
أَحْكَامُ الْحَصْرِ:
٢ - فِيمَا يَلِي بَعْضُ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ أَبْوَابِ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهَا فِي مَوَاضِعِهَا مِنَ الْمَوْسُوعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
أ - جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ، يَجُوزُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ الإِْمَامُ إِذَا حُصِرَ بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ (٢) . (انْظُرْ اسْتِخْلاَفٌ، إِمَامَةُ الصَّلاَةِ، حَاقِنٌ) .
_________
(١) لسان العرب، ومفردات القرآن، والمعجم الوسيط مادة: (حصر)، والكليات للكفوي - دمشق ٢ / ٢٢٤، كشاف اصطلاحات الفنون - خياط ٢ / ٦٩٤، التعريفات - دار الكتاب ١١٨، المعجم الوسيط ١ / ١٧٨، الموسوعة الفقهية ٢ / ١٩٦ - مادة إحصار - وتفسير القرطبي ٢ / ٣٧١ وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٠٦.
ب - وَجَاءَ فِيهَا أَيْضًا: لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إِذَا حُصِرَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ، لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، فَإِنَّهُ لَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ حُصِرَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فَتَأَخَّرَ فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَتَمَّ الصَّلاَةَ (١)، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَمَا فَعَلَهُ وَأَقَرَّهُ (٢) . (انْظُرْ اسْتِخْلاَفٌ - إِمَامَةٌ - صَلاَةٌ) .
ج - وَذَكَرَ صَاحِبُ مَوَاهِبِ الْجَلِيل أَنَّهُ لَوْ سَهَا الإِْمَامُ أَوْ حُصِرَ فَلَمْ يُكَبِّرْ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ السَّبْعَ وَالْخَمْسَ وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُكَبِّرُوا (٣)
(انْظُرْ: صَلاَةُ الْعِيدِ) .
د - وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجِبُ عَلَى الْمُزَكِّي أَنْ يَسْتَوْعِبَ آحَادَ كُل صِنْفٍ مِنْ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ - أَيْ سَهُل عَدُّهُمْ - فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَوَفَّى بِهِمُ الْمَال، وَإِلاَّ فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلاَثَةٍ مِنْ كُل صِنْفٍ لِذِكْرِهِ فِي الآْيَةِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ (٤) . (وَانْظُرْ: زَكَاةٌ) .
هـ - لاَ يُكَلِّفُ الْقَاضِي غُرَمَاءَ الْمُفْلِسِ، وَكَذَا غُرَمَاءَ الْمَيِّتِ بِبَيِّنَةٍ تُثْبِتُ حَصْرَ الدَّائِنِ فِيهِمْ.
_________
(١) حديث: " صلاة أبي بكر بالناس وتأخره. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١٦٤، ١٦٦ - ط السلفية) من حديث عائشة، وليس فيه ذكر الحصر
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٠٦
(٣) مواهب الجليل ٢ / ١٩١
(٤) قليوبي وعميرة ٣ / ٢٠٢
بِخِلاَفِ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لاَ يُقْسِمُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُكَلِّفَهُمْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِحَصْرِهِمْ، وَمَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ وَمَرْتَبَتِهِمْ مِنَ الْمَيِّتِ، لأَِنَّ عَدَدَهُمْ مَعْلُومٌ لِلْجِيرَانِ وَأَهْل الْبَلَدِ فَلاَ كُلْفَةَ فِي إِثْبَاتِهِ، وَالدَّيْنُ يُقْصَدُ إِخْفَاؤُهُ - غَالِبًا - فَإِثْبَاتُ حَصْرِ الْغُرَمَاءِ يَتَعَسَّرُ (١) .
(انْظُرْ: إِفْلاَسٌ، إِرْثٌ، تَرِكَةٌ، حَجْرٌ، دَيْنٌ) .
وقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِمَجْهُولٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ كَقَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ لَمْ يَلْزَمِ التَّعْمِيمُ، وَكَغَزَاةٍ أَوْ فُقَرَاءَ أَوْ مَسَاكِين، فَلاَ يَلْزَمُ تَعْمِيمُهُمْ وَلاَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِاجْتِهَادِ الْوَصِيِّ (٢) . (انْظُرْ: إِيصَاءٌ) .
ز - لاَ يَكْفِي فِي الْيَمِينِ الإِْثْبَاتُ وَلَوْ مَعَ الْحَصْرِ كَقَوْلِهِ: مَا بِعْتُ إِلاَّ بِكَذَا بَل لاَ بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ مَعَ الإِْثْبَاتِ بِنَفْيِ مَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ صَرِيحًا، لأَِنَّ الأَْيْمَانَ لاَ يُكْتَفَى فِيهَا بِاللَّوَازِمِ، بَل لاَ بُدَّ مِنَ الصَّرِيحِ، لأَِنَّ فِيهَا نَوْعًا مِنَ التَّعَبُّدِ كَقَوْل الْبَائِعِ: وَاَللَّهِ مَا بِعْتُ بِكَذَا وَإِنَّمَا بِعْتُ بِكَذَا (٣) . (انْظُرْ: أَيْمَانٌ) .
ح - اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي جُلُوسِ أَهْل الْعِلْمِ مَعَ الْقَاضِي، فَقَال ابْنُ الْمَوَّازِ: لاَ أُحِبُّ أَنْ يُقْضَى إِلاَّ بِحَضْرَةِ أَهْل الْعِلْمِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ، وَقَال
_________
(١) الدسوقي ٣ / ٢٧١
(٢) الزرقاني على خليل ٨ / ١٨٦.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ١٥٩
أَشْهَبُ: إِلاَّ أَنْ يُخَافَ الْحَصْرُ (أَيِ الضِّيقَ) مِنْ جُلُوسِهِمْ عِنْدَهُ، وَقَال سَحْنُونٌ: لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي مَجْلِسِهِ مَنْ يَشْغَلُهُ عَنِ النَّظَرِ، كَانُوا أَهْل فِقْهٍ أَوْ غَيْرَهُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُدْخِل عَلَيْهِ الْحَصْرَ، وَقَالَهُ مُطَرِّفُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَضَافَا: لَكِنْ إِذَا ارْتَفَعَ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ شَاوَرَ (١) .
(انْظُرْ: قَضَاءٌ) .
ط - قَال الشَّافِعِيَّةُ: الْعُقُودُ الَّتِي تُفِيدُ الْكُفَّارَ الأَْمْنَ ثَلاَثَةٌ: أَمَانٌ، وَجِزْيَةٌ، وَهُدْنَةٌ، لأَِنَّهُ إِنْ تَعَلَّقَ بِمَحْصُورٍ فَالأَْمَانُ، أَوْ بِغَيْرِ مَحْصُورٍ، فَإِنْ كَانَ إِلَى غَايَةٍ فَالْهُدْنَةُ، وَإِلاَّ فَالْجِزْيَةُ، وَهُمَا مُخْتَصَّانِ بِالإِْمَامِ بِخِلاَفِ الأَْمَانِ (٢) أَيْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الإِْمَامِ إِعْطَاؤُهُ إِذَا كَانَ لِحَرْبِيِّينَ مَحْصُورِينَ أَيْ مَعْدُودِينَ إِلاَّ لِنَحْوِ جَاسُوسٍ وَأَسِيرٍ. (انْظُرْ: أَمَانٌ، جِزْيَةٌ، حِصَارٌ، هُدْنَةٌ، مُعَاهَدَةٌ) .
_________
(١) التاج والإكليل ٦ / ١١٧
(٢) الجمل على المنهج ٥ / ٢٠٥
حَضَانَةُ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَضَانَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ حَضَنَ، وَمِنْهُ حَضَنَ الطَّائِرُ بَيْضَهُ إِذَا ضَمَّهُ إِلَى نَفْسِهِ تَحْتَ جَنَاحَيْهِ، وَحَضَنَتِ الْمَرْأَةُ صَبِيِّهَا إِذَا جَعَلَتْهُ فِي حِضْنِهَا أَوْ رَبَّتْهُ، وَالْحَاضِنُ وَالْحَاضِنَةُ الْمُوَكَّلاَنِ بِالصَّبِيِّ يَحْفَظَانِهِ وَيُرَبِّيَانِهِ، وَحَضَنَ الصَّبِيَّ يَحْضُنُهُ حَضْنًا: رَبَّاهُ (١) .
وَالْحَضَانَةُ شَرْعًا: هِيَ حِفْظُ مَنْ لاَ يَسْتَقِل بِأُمُورِهِ، وَتَرْبِيَتُهُ بِمَا يُصْلِحُهُ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكَفَالَةُ
٢ - الْكَفَالَةُ لُغَةً الضَّمُّ، وَكَفَلْتُ الْمَال وَبِالْمَال ضَمِنْتُهُ، وَكَفَلْتُ الرَّجُل وَبِالرَّجُل كِفْلًا وَكَفَالَةً، وَتَكَفَّلْتُ بِهِ ضَمِنْتُهُ، وَالْكَافِل الْعَائِل، وَالْكَافِل وَالْكَفِيل الضَّامِنُ. قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: كَفِيلٌ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: (حضن) .
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٤٥٢، وكشاف القناع ٥ / ٤٩٥ - ٤٩٦، والمغني ٧ / ٦١٣، والقوانين الفقهية / ٢٢٤ نشر دار الكتاب العربي، وابن عابدين ٢ / ٦٤١.