الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يَحْكُمَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُحْتَسِبِ (١) .

ثَالِثًا: الإِْفْتَاءُ:

٤ - الإِْفْتَاءُ تَبْلِيغٌ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْمُفْتِي هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ دَرَكِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يُسْرٍ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةِ تَعَلُّمٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُفْتِي فَتْوَى مَنِ اسْتَفْتَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُفْتٍ سِوَاهُ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (٣) وَقَال قَتَادَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٤) الآْيَةَ، هَذَا مِيثَاقٌ أَخَذَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْل الْعِلْمِ، فَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَكِتْمَانَ الْعِلْمِ فَإِنَّهَا هَلَكَةٌ، وَلاَ يَتَكَلَّفَنَّ الرَّجُل مَا لاَ يَعْلَمُ فَيَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ وَيَكُونُ مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٥) . وَلِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ سُئِل عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ (٦) .

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) كتاب الفقيه والمتفقه ٢ / ١٨١، ١٨٢.

(٣) سورة البقرة / ١٥٩.

(٤) سورة آل عمران / ١٨٧.

(٥) كتاب الفقيه والمتفقه ٢ / ١٨١، ١٨٢.

(٦) حديث: " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٩٧ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك، وضعفه البوصيري، ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه الحاكم (١ / ١٠٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الإِْفْتَاءِ وَبَيْنَ الْحِسْبَةِ مَعْنًى جَامِعٌ هُوَ التَّبْلِيغُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكَشْفُ عَنِ الْحَقِّ، وَإِرْشَادُ الْمُسْتَعْلِمِ الْجَاهِل، فَالإِْفْتَاءُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِسْبَةِ وَدُونِهَا فِي وَسَائِل الْكَشْفِ وَالإِْبَانَةِ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَدَّى التَّعْرِيفُ بِالْحُكْمِ وَالاِحْتِسَابُ يَكُونُ التَّعْرِيفُ أُوْلَى مَرَاتِبِهِ.

رَابِعًا: الشَّهَادَةُ:

٥ - الشَّهَادَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ هِيَ إِخْبَارُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ إِخْبَارًا نَاشِئًا عَنْ عِلْمٍ لاَ عَنْ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ، وَعَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا إِخْبَارٌ بِمَا حَصَل فِيهِ التَّرَافُعُ وَقُصِدَ بِهِ الْقَضَاءُ وَبَتُّ الْحُكْمِ (١) .

وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) وَلَهَا حَالَتَانِ حَالَةُ تَحَمُّلٍ وَحَالَةُ أَدَاءٍ، وَحُكْمُ تَحَمُّلِهَا الْوُجُوبُ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ إِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، وَإِلاَّ تَعَيَّنَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) وَأَمَّا الأَْدَاءُ فَفَرْضُ

_________

(١) بدائع الصنائع ٩ / ٤٠٦٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٦٤، ١٦٥ والفواكه الدواني ٢ / ٣٠٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤، والفروق ١ / ٤، ٥، ونهاية المحتاج ٨ / ٣٠٤، والمغني ١٠ / ٢١٥.

(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.

(٣) سورة الطلاق / ٢.

عَيْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وَيَجِبُ الْمُبَادَرَةُ إِلَى أَدَائِهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي يُسْتَدَامُ فِيهَا التَّحْرِيمُ حِسْبَةً. أَمَّا مَا لاَ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْحُدُودِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَشْهَدَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَنْ يَسْتُرَ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمْرٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ (٢) قَال ﵊: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (٣) .

وَقَدْ نَدَبَهُ الشَّارِعُ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ الْحِسْبَةِ فَأَقَامَهَا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ جِهَةَ السَّتْرِ فَيَسْتُرُ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.

فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مَرْتَبَةً مِنْ مَرَاتِبِ الْحِسْبَةِ، وَوَسِيلَةً مِنْ وَسَائِل تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْحِسْبَةِ:

٦ - شُرِعَتِ الْحِسْبَةُ طَرِيقًا لِلإِْرْشَادِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّوْجِيهِ إِلَى مَا فِيهِ الْخَيْرُ وَمَنْعُ الضَّرَرِ. وَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ الْخَيْرَ وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَدْعُوا إِلَيْهِ، وَكَرَّهَ إِلَيْهِمُ الْمُنْكَرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٢.

(٢) بدائع الصنائع ٩ / ٤٠٦١، درر الحكام شرح غرر الأحكام ٢ / ١٩٠، وحاشية رد المحتار ٤ / ٤٠٩، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٧٤، ١٧٥، ونهاية المحتاج ٨ / ٣١٥، والزواجر ٢ / ٢٧، والمغني لابن قدامة ١٠ / ٢١٥.

(٣) حديث: " من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤ - ط الحلبي) .

وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، كَمَا أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنِ اقْتِرَافِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، فَقَال تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)

وَقَال جَل شَأْنُهُ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢)

وَوَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِهَا، وَقَرَنَهَا بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللَّهِ، مَعَ تَقْدِيمِهَا فِي الذِّكْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣)

وَوَصَفَ الْمُنَافِقِينَ بِكَوْنِهِمْ عَامِلِينَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤)

وَذَمَّ مَنْ تَرَكَهَا وَجَعَل تَرْكَهَا سَبَبًا لِلَّعْنَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا

_________

(١) سورة المائدة / ٢.

(٢) سورة آل عمران / ١٤.

(٣) سورة التوبة / ٧١.

(٤) سورة التوبة / ٦٧.

وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١)

وَجَعَل تَرْكَهَا مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَشِيعَتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٢)

وَفَضَّل مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُْمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أَمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٣)

وَامْتَدَحَ مَنْ يَقُومُ بِهَا مِنَ الأُْمَمِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَهْل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْل وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٤)

وَجَعَل الْقِيَامَ بِهَا سَبَبًا لِلنَّجَاةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٥)

وَإِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَنَّهَا شِرْعَةٌ فُرِضَتْ عَلَى غَيْرِنَا مِنَ الأُْمَمِ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى

_________

(١) سورة المائدة / ٧٨، ٧٩.

(٢) سورة النور / ٢١.

(٣) سورة آل عمران / ١١٠.

(٤) سورة آل عمران / ١١٣، ١١٤.

(٥) سورة الأعراف / ١٦٥.

: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢)

ذَلِكَ بَعْضُ مَا يَدُل عَلَى شَرْعِهَا مِنَ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ.

وَلَقَدْ سَلَكَتِ السُّنَّةُ فِي دَلاَلَتِهَا عَلَى ذَلِكَ مَسْلَكَ الْكِتَابِ مِنَ الأَْمْرِ بِهَا، وَالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّهَاوُنِ فِيهَا، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ (٣) .

وَجَاءَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا (٤) .

_________

(١) سورة لقمان / ١٧.

(٢) سورة آل عمران / ٢١.

(٣) حديث: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٦٩ - ط الحلبي) .

(٤) حديث: " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٥٠٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه مرفوعا به، وقال المنذري عن أبي عبيدة إنه لم يسمع من أبيه. كذا في الترغيب والترهيب (٣ / ٢٢٩ - ط الحلبي) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٧ - الْحِسْبَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لاَ بِالنَّظَرِ إِلَى مُتَعَلَّقِهَا إِذْ إِنَّهَا قَدْ تَتَعَلَّقُ بِوَاجِبٍ يُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ مَنْدُوبٍ يُطْلَبُ عَمَلُهُ، أَوْ حَرَامٍ يُنْهَى عَنْهُ، فَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِوَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ فَوُجُوبُهَا حِينَئِذٍ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا ظَاهِرٌ، وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِمَنْدُوبٍ أَوْ بِمَكْرُوهٍ فَلاَ تَكُونُ حِينَئِذٍ وَاجِبَةً، بَل تَكُونُ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ تَبَعًا لِمُتَعَلَّقِهَا، إِذِ الْغَرَضُ مِنْهَا الطَّاعَةُ وَالاِمْتِثَال، وَالاِمْتِثَال فِي ذَلِكَ لَيْسَ وَاجِبًا بَل أَمْرًا مُسْتَحَبًّا، فَتَكُونُ الْوَسِيلَةُ إِلَيْهِ كَذَلِكَ أَمْرًا مُسْتَحَبًّا. وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ مَا يَجْعَل الإِْقْدَامَ عَلَيْهَا دَاخِلًا فِي الْمَحْظُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَتَكُونُ حَرَامًا (١) .

وَقَدِ اسْتَدَل الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ الْحِسْبَةِ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بِالأَْدِلَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فِي الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ فِي النَّوْعِ الَّذِي لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّعْوَى هُوَ الْمَعْرُوفُ بِوِلاَيَةِ الْحِسْبَةِ. وَقَاعِدَتُهُ وَأَصْلُهُ: الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَل بِهِ كُتُبَهُ (٢) .

_________

(١) نصاب الاحتساب ١٨٩، ٢١٥، والفروق ٤ / ٢٥٨، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ٢٢، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٦٨، الآداب الشرعية ١ / ١٩٤.

(٢) الطرق الحكمية ٢٣٧.

وَوُجُوبُ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ قَال الْجَصَّاصُ: وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَخْبَارٍ مُتَوَاتِرَةٍ، وَأَجْمَعَ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الأَْمْصَارِ عَلَى وُجُوبِهِ (١) .

وَقَال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ تَطَابَقَ عَلَى وُجُوبِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الأُْمَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ (٢) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحِسْبَةَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (٣)، وَقَدْ تَكُونُ فَرْضَ، عَيْنٍ فِي الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ، وَفِي حَقِّ طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَمَا يَلِي:

الأُْولَى: الأَْئِمَّةُ وَالْوُلاَةُ وَمَنْ يَنْتَدِبُهُمْ أَوْ يَسْتَنِيبُهُمْ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَنْهُ، لأَِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَمَكِّنُونَ بِالْوِلاَيَةِ وَوُجُوبِ الطَّاعَةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ

_________

(١) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣١٥.

(٢) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٢، والفواكه الدواني ٢ / ٣٩٣.

(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢ / ٣١٥، أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٢، وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٢ / ٦٢، وشرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، والطرق الحكمية ٢٣٧، قواعد الأحكام ١ / ٥٠، وجمع الجوامع بشرح الجلال المحلي وحاشية ١ / ١٨٥، ١٨٦، والآداب الشرعية ١ / ١٨١، غذاء الألباب ١ / ١٨٨.

وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (١) فَإِنَّ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَامِ بِذَلِكَ مَا يَدْعُو إِلَى الاِسْتِيلاَءِ، وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ مِمَّا لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ، فَلاَ عُذْرَ لِمَنْ قَصَّرَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ إِذَا أَهْمَل الْوُلاَةُ وَالْحُكَّامُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ فَجَدِيرٌ أَلاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ تَضِيعَ حُرُمَاتُ الدِّينِ وَيُسْتَبَاحَ حِمَى الشَّرْعِ وَالْمُسْلِمِينَ (٢) .

الثَّانِيَةُ: مَنْ يَكُونُ فِي مَوْضِعٍ لاَ يَعْلَمُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ إِلاَّ هُوَ، أَوْ لاَ يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ غَيْرُهُ كَالزَّوْجِ وَالأَْبِ، وَكَذَلِكَ كُل مَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُقْبَل مِنْهُ وَيُؤْتَمَرُ بِأَمْرِهِ، أَوْ عَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ صَلاَحِيَّةَ النَّظَرِ وَالاِسْتِقْلاَل بِالْجِدَال، أَوْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الأَْمْرُ وَالنَّهْيُ (٣) .

الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحِسْبَةَ قَدْ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَنْصُوبِ لَهَا بِحَسَبِ عَقْدٍ آخَرَ، وَعَلَى الْمَنْصُوبِ لِهَا تَجِبُ ابْتِدَاءً، كَمَا إِذَا رَأَى الْمُودِعُ سَارِقًا يَسْرِقُ

_________

(١) سورة الحج / ٤١.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٠، ٢٤١، وتحفة الناظر وغنية الذاكر ٤، ٢٤، وتفسير القرطبي ٤ / ١٦٥، ونصاب الاحتساب ٢٤، ١٨٩، غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٤ / ٢٨، والآداب الشرعية ١ / ١٨٢، والطرق الحكمية ٢٣٧.

(٣) شرح النووي على مسلم ٢ / ٢٣، والزواجر عن اقتراف الكبائر ٢ / ١٧٠، والآداب الشرعية ١ / ١٧٤، وغذاء الألباب ١ / ١٨١، نصاب الاحتساب ١٩٠، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٢.

الْوَدِيعَةَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا صَال فَحْلٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْقَاتِل هُوَ أَوِ الَّذِي صَال عَلَيْهِ الْفَحْل، أَوْ مُعَيَّنًا لَهُ مِنَ الْخَلْقِ وَلاَ ضَمَانَ، لأَِنَّ دَفْعَهُ فَرْضٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فَنَابَ عَنْهُمْ فِيهِ (١) .

الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: الإِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ وَلاَ يَسْقُطُ أَصْلًا، إِذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ. وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ تَرْكَ الإِْنْكَارِ بِالْقَلْبِ كُفْرٌ لِحَدِيثِ وَهُوَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ الَّذِي يَدُل عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الإِْمْكَانِ وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَالإِْنْكَارُ بِالْقَلْبِ لاَ بُدَّ مِنْهُ فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَل عَلَى ذَهَابِ الإِْيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ (٢) .

وَقَدِ اسْتَدَل الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أَمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣) .

وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّ الْخِطَابَ مُوَجَّهٌ إِلَى الْكُل مَعَ إِسْنَادِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْبَعْضِ بِمَا يُحَقِّقُ

_________

(١) نصاب الاحتساب ٢٥، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢٩٣، وأحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٢ / ٦٢.

(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٣٩٤، والزواجر ٢ / ١٧٠، وغذاء الألباب ١ / ١٩٤، ١٩٥، نصاب الاحتساب ١٨٠، ١٨٣.

(٣) سورة آل عمران / ١٠٤.