الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧
لِحِفْظِ الأَْمْتِعَةِ فِيهَا فَيَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَهُ لِلاِرْتِفَاقِ بِهِ وَلاَ يُضِرُّ بِانْتِفَاعِ غَيْرِهِ، وَلاَ يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَلاَ يُعَطِّل أَوْ يُنْقِصُ مَنْفَعَةَ النَّهْرِ.
فَإِذَا كَانَ الاِنْتِفَاعُ مِنَ الْحَرِيمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلاَّ حَرُمَ، وَلَزِمَتْهُ الأُْجْرَةُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (١) .
اسْتِعْمَالاَتٌ أُخْرَى لِكَلِمَةِ الْحَرِيمِ:
اسْتَعْمَل بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَلِمَةَ الْحَرِيمِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى: كَحَرِيمِ الْمُصَلِّي، وَحَرِيمِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرِهَا، نُجْمِلُهَا فِيمَا يَلِي:
أ - حَرِيمُ الْمُصَلِّي:
١٥ - صَرَّحَ الدُّسُوقِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي الَّذِي يُمْنَعُ الْمُرُورُ فِيهِ:
قَال ابْنُ هِلاَلٍ: كَانَ ابْنُ عَرَفَةَ يَقُول: هُوَ مَا لاَ يُشَوِّشُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ فِيهِ، وَيَحُدُّهُ بِنَحْوِ عِشْرِينَ ذِرَاعًا.
وَاخْتَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَنَّ حَرِيمَ الْمُصَلِّي قَدْرُ مَا يَحْتَاجُهُ لِقِيَامِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ.
وَقِيل: إِنَّ قَدْرَهُ رَمْيَةُ الْحَجَرِ أَوِ السَّهْمِ، أَوِ الْمُضَارَبَةُ بِالسَّيْفِ.
وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ عِنْدَهُمْ وَهُوَ: أَنَّ حَرِيمَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٣٣٥.
الْمُصَلِّي غَايَةُ إِمْكَانِ سُجُودِهِ الْمُقَدَّرِ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ (١) .
وَالأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا هَذَا الإِْطْلاَقَ إِلاَّ أَنَّهُمْ قَدَّرُوا هَذِهِ الْمَسَافَةَ بِثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، وَأَقَلُّهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ذِرَاعٌ وَاحِدٌ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالذِّرَاعِ ذِرَاعُ الْيَدِ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ شِبْرَانِ (٢) .
ب - حَرِيمُ النَّجَاسَةِ:
١٦ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ لاَ حَرِيمَ لَهَا يُجْتَنَبُ، وَقِيل: يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ.
وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ تَرَادَّ الْمَاءِ يُوجِبُ تَسَاوِي أَجْزَائِهِ فِي النَّجَاسَةِ، فَالْقَرِيبُ، وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ (٣) .
وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فِي الْمَذَاهِبِ الأُْخْرَى فَقَدْ تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَوْضُوعِ دُونَ اسْتِعْمَال كَلِمَةِ الْحَرِيمِ (٤) .
_________
(١) الدسوقي ١ / ٢٤٦، ٢٨ ط دار الفكر.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٢٨، والقليوبي ١ / ١٩٢، وروضة الطالبين ١ / ٢٩٤، وكشاف القناع ١ / ٣٧٦.
(٣) المجموع ١ / ١٤٠، ١٤١ ط المكتبة السلفية، وروضة الطالبين ١ / ٢٧ ط المكتب الإسلامي.
(٤) ابن عابدين ١ / ١٢٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٥، وكشاف القناع ١ / ٣٩، والمغني ١ / ٣٠.
حَرِيمُ الْحَرَامِ، وَالْوَاجِبِ، وَالْمَكْرُوهِ:
١٧ - حُكْمُ الْحَرِيمِ حُكْمُ مَا هُوَ حَرِيمٌ لَهُ، قَال الزَّرْكَشِيُّ: الْحَرِيمُ يَدْخُل فِي الْوَاجِبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَكُل مُحَرَّمٍ لَهُ حَرِيمٌ يُحِيطُ بِهِ، وَالْحَرِيمُ هُوَ الْمُحِيطُ بِالْحَرَامِ كَالْفَخِذَيْنِ: فَإِنَّهُمَا حَرِيمٌ لِلْعَوْرَةِ الْكُبْرَى.
وَحَرِيمُ الْوَاجِبِ، مَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ، وَأَمَّا الإِْبَاحَةُ فَلاَ حَرِيمَ لَهَا لِسَعَتِهَا، وَعَدَمِ الْحَجْرِ فِيهَا (١) .
وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ (٢) .
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٥ ط دار الكتب العلمية، والمنثور في القواعد ٢ / ٤٦.
(٢) حديث: " الحلال بين والحرام بين. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٢٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢١٩ - ١٢٢٠ - ط الحلبي) من حديث النعمان بن بشير، واللفظ لمسلم.
حَسَبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحَسَبُ لُغَةً: الْكَرَمُ وَهُوَ الشَّرَفُ الثَّابِتُ فِي الآْبَاءِ، وَيُقَال: الْحَسَبُ فِي الأَْصْل الشَّرَفُ بِالآْبَاءِ وَبِالأَْقَارِبِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ لأَِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَفَاخَرُوا عَدُّوا مَنَاقِبَهُمْ وَمَآثِرَ آبَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ وَحَسَبُوهَا فَيُحْكَمُ لِمَنْ زَادَ عَدَدُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَقِيل الْحَسَبُ: هُوَ الْفِعَال الصَّالِحَةُ. قَال ابْنُ السِّكِّيتِ: وَالْحَسَبُ وَالْكَرْمُ يَكُونَانِ فِي الرَّجُل وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لآِبَائِهِ شَرَفٌ، وَالشَّرَفُ وَالْمَجْدُ لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ بِالآْبَاءِ، وَلِهَذَا قِيل: الْحَسَبُ: هُوَ الْمَال فَجَعَل الْمَال بِمَنْزِلَةِ شَرَفِ النَّفْسِ أَوِ الآْبَاءِ.
وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: الْحَسَبُ: الشَّرَفُ الثَّابِتُ لِلشَّخْصِ وَلآِبَائِهِ.
وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَسَبِ وَالنَّسَبِ. فَجَعَل النَّسَبَ عَدَدَ الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ إِلَى حَيْثُ انْتَهَى.
وَالْحَسَبُ، الْفِعَال الْحَسَنَةُ مِثْل الشُّجَاعَةِ وَالْجُودِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْوَفَاءِ. وَغَالِبُ اسْتِعْمَال
الْفُقَهَاءِ لِلْحَسَبِ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل وَهُوَ مَآثِرُ الآْبَاءِ وَالأَْجْدَادِ أَيْ شَرَفُ النَّسَبِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْحَسَبِ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي الْحَسَبِ فِي الزَّوَاجِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى اعْتِبَارِ الْكَفَاءَةِ فِي الْحَسَبِ - وَهُوَ النَّسَبُ - لِقَوْل عُمَرَ ﵁: لأَمْنَعَنَّ خُرُوجَ ذَوَاتِ الأَْحْسَابِ إِلاَّ مِنَ الأَْكْفَاءِ - قَال الرَّاوِي - قِيل لَهُ: وَمَا الأَْكْفَاءُ؟ قَال: فِي الأَْحْسَابِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْكَفَاءَةَ فِي الدِّينِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ أَهْل الإِْسْلاَمِ كُلُّهُمْ أَكْفَاءٌ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِهِمْ وَلاَ اعْتِبَارَ لِلْحَسَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٣) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَْرْضِ وَفَسَادٌ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح مادة: حسب، عمدة القاري شرح البخاري ٢٠ / ٨٦، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٨٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٨.
(٢) الأثر عن عمر ﵁ " لأمنعن خروج ذوات. . . " أخرجه عبد الرزاق (٦ / ١٥٢ ط المجلس العلمي) والبيهقي (٧ / ١٣٣ نشر دار المعرفة) من طريق إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمر بن الخطاب وإبراهيم هذا لم يدرك عمر بن الخطاب. وباقي رجاله ثقات. انظر تهذيب الكمال للمزي (٢ / ١٧٢ الناشر مؤسسة الرسالة) .
(٣) سورة الحجرات / ١٣.
كَبِيرٌ وَفِي رِوَايَةٍ: وَفَسَادٌ عَرِيضٌ: قَالُوا يَا رَسُول اللَّهِ: وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَال: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ (١) . الْحَدِيثَ وَكَرَّرَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
وَلأَِنَّ الرَّسُول ﷺ وَصَحَابَتَهُ ﵃ كَانُوا يُزَوِّجُونَ مَنْ هُمْ دُونَهُمْ فِي الْحَسَبِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَمَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلاَهُ فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ (٢) وَقَدَّمَهُ عَلَى أَكْفَائِهَا، كَمُعَاوِيَةَ وَأَبِي جَهْمٍ، وَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ ﵃ جَمِيعًا.
وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵄، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (نِكَاحٌ وَكَفَاءَةٌ) .
_________
(١) حديث: " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨٦ - ط الحلبي) من حديث أبي حاتم المزني. وقال: " هذا حديث حسن غريب ".
(٢) حديث: " أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٦١ - ط الحلبي) من حديث فاطمة بنت قيس.
(٣) البدائع ٢ / ٣١٨، والمغني لابن قدامة ٦ / ٤٨٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٨٨، وروضة الطالبين ٧ / ٨٠، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٥٠.
حِسْبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْحِسْبَةُ لُغَةً: اسْمٌ مِنَ الاِحْتِسَابِ، وَمِنْ مَعَانِيهَا الأَْجْرُ وَحُسْنُ التَّدْبِيرِ وَالنَّظَرِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: فُلاَنٌ حَسَنُ الْحِسْبَةِ فِي الأَْمْرِ إِذَا كَانَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ لَهُ.
وَمِنْ مَعَانِي الاِحْتِسَابِ الْبِدَارُ إِلَى طَلَبِ الأَْجْرِ وَتَحْصِيلِهِ، وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ: أَيُّهَا النَّاسُ احْتَسِبُوا أَعْمَالَكُمْ فَإِنْ مَنِ احْتَسَبَ عَمَلَهُ كُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَأَجْرُ حِسْبَتِهِ.
وَاسْمُ الْفَاعِل الْمُحْتَسِبُ أَيْ طَالِبُ الأَْجْرِ. وَمِنْ مَعَانِيهَا الإِْنْكَارُ يُقَال: احْتَسَبَ عَلَيْهِ الأَْمْرَ إِذَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ.
وَالاِخْتِبَارُ يُقَال: احْتَسَبْتُ فُلاَنًا أَيِ اخْتَبَرْتُ مَا عِنْدَهُ (١) .
وَالْحِسْبَةُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ
_________
(١) لسان العرب ١ / ٣١٤ - ٣١٧، والقاموس المحيط، والصحاح مادة: (حسب)، وإتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين ٧ / ١٤.
بِأَنَّهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا ظَهَرَ تَرْكُهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا ظَهَرَ فِعْلُهُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أَوَّلًا: الْقَضَاءُ:
٢ - الْقَضَاءُ هُوَ الإِْخْبَارُ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَلَى سَبِيل الإِْلْزَامِ (٢)، وَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (٣) كَمَا أَنَّ الْحِسْبَةَ كَذَلِكَ قَاعِدَتُهَا وَأَصْلُهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ (٤) .
وَقَدْ فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوِلاَيَتَيْنِ فَرْقًا يَتَحَدَّدُ بِهِ مَعَالِمُ كُل وِلاَيَةٍ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: فَأَمَّا مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَضَاءِ فَهِيَ مُوَافِقَةٌ لأَِحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَمَقْصُورَةٌ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَزَائِدَةٌ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
فَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي مُوَافَقَتِهَا لأَِحْكَامِ الْقَضَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا: جَوَازُ الاِسْتِعْدَاءِ إِلَيْهِ وَسَمَاعِهِ دَعْوَى الْمُسْتَعْدِي عَلَى الْمُسْتَعْدَى عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ، وَلَيْسَ فِي عُمُومِ الدَّعَاوَى.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ لَهُ إِلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٠، ولأبي يعلى ص ٢٦٦، ومعالم القربة ص ٧، ونهاية الرتبة في طلب الحسبة ص ٦، ولابن بسام ص ١٠.
(٢) معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام للطرابلسي ص ٦.
(٣) أدب القاضي للماوردي ١ / ١٣٥.
(٤) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص ٢٣٧.
لِلْخُرُوجِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُل الْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي جَازَ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى فِيهَا إِذَا وَجَبَتْ بِاعْتِرَافٍ وَإِقْرَارٍ مَعَ الإِْمْكَانِ وَالْيَسَارِ، فَيَلْزَمُ الْمُقِرَّ الْمُوسِرَ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَدَفْعُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، لأَِنَّ فِي تَأْخِيرِهِ لَهَا مُنْكَرًا هُوَ مَنْصُوبٌ لإِِزَالَتِهِ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي قُصُورِهَا عَنْ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ
فَأَحَدُهُمَا: قُصُورُهَا عَنْ سَمَاعِ عُمُومِ الدَّعَاوَى الْخَارِجَةِ عَنْ ظَوَاهِرِ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الدَّعَاوَى فِي الْعُقُودِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَالْمُطَالَبَاتِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْمُعْتَرَفِ بِهَا، فَأَمَّا مَا تَدَاخَلَهُ جَحْدٌ وَإِنْكَارٌ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ فِيهَا.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ فِي زِيَادَتِهَا عَلَى أَحْكَامِ الْقَضَاءِ:
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ فِيهَا أَنْ يَتَعَرَّضَ بِتَصَفُّحِ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْهُ مِنَ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ خَصْمٌ مُسْتَعْدٍ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِذَلِكَ إِلاَّ بِحُضُورِ خَصْمٍ يَجُوزُ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحِسْبَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلرَّهْبَةِ فَلاَ يَكُونُ خُرُوجُ الْمُحْتَسِبِ إِلَيْهَا بِالْغِلْظَةِ تَجَوُّزًا
فِيهَا. وَالْقَضَاءُ مَوْضُوعٌ لِلْمُنَاصَفَةِ فَهُوَ بِالأَْنَاةِ وَالْوَقَارِ أَخَصُّ (١) .
ثَانِيًا: الْمَظَالِمُ
٣ - وِلاَيَةُ الْمَظَالِمِ قَوْدُ الْمُتَظَالِمِينَ إِلَى التَّنَاصُفِ بِالرَّهْبَةِ، وَزَجْرُ الْمُتَنَازِعِينَ عَنِ التَّجَاحُدِ بِالْهَيْبَةِ. وَقَدْ بَيَّنَ الْمَاوَرْدِيُّ الصِّلَةَ بَيْنَ الْحِسْبَةِ وَبَيْنَ الْمَظَالِمِ فَقَال: بَيْنَهُمَا شَبَهٌ مُؤْتَلِفٌ وَفَرْقٌ مُخْتَلِفٌ، فَأَمَّا الشَّبَهُ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
فَأَحَدُهُمَا: أَنَّ مَوْضُوعَهُمَا عَلَى الرَّهْبَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِقُوَّةِ السَّلْطَنَةِ.
وَالثَّانِي: جَوَازُ التَّعَرُّضِ فِيهِمَا لأَِسْبَابِ الْمَصَالِحِ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى إِنْكَارِ الْعُدْوَانِ الظَّاهِرِ.
وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمَظَالِمِ مَوْضُوعٌ لِمَا عَجَزَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَالنَّظَرَ فِي الْحِسْبَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا رَفُهَ عَنْهُ الْقُضَاةُ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ رُتْبَةُ الْمَظَالِمِ أَعْلَى وَرُتْبَةُ الْحِسْبَةِ أَخْفَضُ، وَجَازَ لِوَالِي الْمَظَالِمِ أَنْ يُوقِعَ إِلَى الْقُضَاةِ وَالْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْقَاضِي أَنْ يُوقِعَ إِلَى وَالِي الْمَظَالِمِ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ إِلَى الْمُحْتَسِبِ، وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يُوقِعَ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤١، ٢٤٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٥، ٢٨٦، وتحفة الناظر وغنية الذاكر ص ١٧٨، ١٧٩، وتبصرة الحكام لابن فرحون ١ / ١٩، والمعيار ١٠ / ١٠١.