الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٧

مِنْ نَفَقَةِ أَبَوَيْهَا، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَتْ بِالثُّلُثِ فَأَقَل. قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَفِي جَوَازِ إِقْرَاضِهَا مَالًا زَائِدًا عَنِ الثُّلُثِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا قَوْلاَنِ:

وَجْهُ الْقَوْل بِالْجَوَازِ أَنَّهَا تَأْخُذُ عِوَضَهُ وَهُوَ رَدُّ السَّلَفِ، فَكَانَ كَبَيْعِهَا. وَوَجْهُ الْقَوْل بِالْمَنْعِ أَنَّ الْقَرْضَ يُشْبِهُ الْهِبَةَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مِنْ قَبِيل الْمَعْرُوفِ، وَلأَِنَّهَا تَخْرُجُ لِمُطَالَبَتِهَا بِمَا أَقْرَضَتْهُ، وَهُوَ ضَرَرٌ عَلَى الزَّوْجِ.

وَأَمَّا دَفْعُهَا الْمَال قِرَاضًا لِعَامِلٍ فَلَيْسَ فِيهِ الْقَوْلاَنِ لأَِنَّهُ مِنَ التِّجَارَةِ.

هَذَا وَإِنَّ تَبَرُّعَهَا بِزَائِدٍ عَلَى ثُلُثِهَا جَائِزٌ حَتَّى يَرُدَّ الزَّوْجُ جَمِيعَهُ أَوْ مَا شَاءَ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَقِيل: مَرْدُودٌ حَتَّى يُجِيزَهُ الزَّوْجُ.

وَلِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ إِنْ تَبَرَّعَتْ بِزَائِدٍ عَنِ الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ الزَّائِدُ يَسِيرًا، مُعَامَلَةً لَهَا بِنَقِيضِ قَصْدِهَا، أَوْ لأَِنَّهَا كَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَلاَلٍ وَحَرَامٍ.

وَلِلزَّوْجِ إِمْضَاءُ الْجَمِيعِ، وَلَهُ رَدُّ الزَّائِدِ فَقَطْ. وَإِذَا تَبَرَّعَتِ الزَّوْجَةُ بِثُلُثِ مَالِهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَبَرَّعَ مَرَّةً أُخْرَى بِثُلُثٍ آخَرَ، إِلاَّ أَنْ يَبْعُدَ مَا بَيْنَهُمَا بِعَامٍ عَلَى قَوْل ابْنِ سَهْلٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، قِيل: وَهُوَ الرَّاجِحُ، أَوْ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ عَلَى قَوْل أَصْبَغَ، وَنَحْوُهُ لاِبْنِ عَرَفَةَ (١) .

_________

(١) الزرقاني ٥ / ٣٠٦ - ٣٠٧، والمغني ٤ / ٥١٣ - ٥١٤.

الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ:

٢٠ - مَرَضُ الْمَوْتِ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ الْمَوْتُ فِي الأَْكْثَرِ الَّذِي يُعْجِزُ الْمَرِيضَ عَنْ رُؤْيَةِ مَصَالِحِهِ الْخَارِجَةِ عَنْ دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَيُعْجِزُهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْمَصَالِحِ الدَّاخِلَةِ فِي دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ، وَيَمُوتُ عَلَى تِلْكَ الْحَال قَبْل مُرُورِ سَنَةٍ صَاحِبَ فِرَاشٍ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ (١) .

وَعَرَّفَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ الْمَرَضُ الْمَخُوفُ، وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ الطِّبُّ بِكَثْرَةِ الْمَوْتِ بِهِ أَيْ بِسَبَبِهِ أَوْ مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَغْلِبْ، فَالْمَدَارُ عَلَى كَثْرَةِ الْمَوْتِ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَوْتُ مِنْهُ شَهِيرًا لاَ يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَلاَ يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَوْتِ مِنْهُ غَلَبَةُ الْمَوْتِ بِهِ (٢) .

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ تُحْجَرُ عَلَيْهِ تَبَرُّعَاتُهُ فِيمَا زَادَ عَنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ لِحَقِّ وَرَثَتِهِ وَذَلِكَ حَيْثُ لاَ دَيْنَ، وَإِذَا تَبَرَّعَ بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ إِذَا مَاتَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ يُمْنَعُ مِمَّا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنَ الأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْكِسْوَةِ وَالتَّدَاوِي.

وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ كَالْمُقَاتِل فِي الصَّفِّ وَالْمَحْبُوسِ لِلْقَتْل وَنَحْوِهِمَا (٣) .

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م ١٥٩٥، وابن عابدين ٥ / ٤٢٣.

(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٣٠٦.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٩٣، ٤٢٣، والقوانين الفقهية ص ٢١٢، والدسوقي ٣ / ٣٠٦، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٥، وكشاف القناع ٣ / ٤١٦.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (مَرَضٌ، مَوْتٌ، وَصِيَّةٌ) .

الْحَجْرُ عَلَى الرَّاهِنِ:

٢١ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الرَّاهِنَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ ضَمَانًا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رَهْنٌ) .

الْحَجْرُ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ:

٢٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى فَرْضِ الْحَجْرِ عَلَى ثَلاَثَةٍ وَهُمُ: الْمُفْتِي الْمَاجِنُ، وَالطَّبِيبُ الْجَاهِل، وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسُ.

أ - الْمُفْتِي الْمَاجِنُ: هُوَ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْحِيَل الْبَاطِلَةَ، كَتَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ الرِّدَّةَ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ تَعْلِيمِ الْحِيَل بِقَصْدِ إِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، وَمِثْلُهُ الَّذِي يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ.

ب - الطَّبِيبُ الْجَاهِل: هُوَ الَّذِي يَسْقِي الْمَرْضَى دَوَاءً مُهْلِكًا، وَإِذَا قَوِيَ عَلَيْهِمُ الْمَرَضُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِزَالَةِ ضَرَرِهِ. ج - الْمُكَارِي الْمُفْلِسُ: هُوَ الَّذِي يُكْرِي إِبِلًا وَلَيْسَ لَهُ إِبِلٌ وَلاَ مَالٌ لِيَشْتَرِيَهَا بِهِ، وَإِذَا جَاءَ أَوَانُ الْخُرُوجِ يُخْفِي نَفْسَهُ.

وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحَجْرِ عَلَى هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ حَقِيقَةُ الْحَجْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ، لأَِنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ أَفْتَى بَعْدَ الْحَجْرِ وَأَصَابَ جَازَ، وَكَذَا الطَّبِيبُ لَوْ بَاعَ الأَْدْوِيَةَ نَفَذَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ، لأَِنَّ الأَْوَّل مُفْسِدٌ لِلأَْدْيَانِ، وَالثَّانِيَ مُفْسِدٌ لَلأَْبَدَانِ، وَالثَّالِثَ مُفْسِدٌ لِلأَْمْوَال. فَمَنْعُ هَؤُلاَءِ الْمُفْسِدِينَ دَفْعُ ضَرَرٍ لاَحِقٍ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَهُوَ مِنَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (١) .

الْحَجْرُ عَلَى الْمُرْتَدِّ:

٢٣ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُحْجَرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ، لأَِنَّ تَرِكَتَهُ فَيْءٌ فَيُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِئَلاَّ يُفَوِّتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ (٢) .

وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّةٌ) .

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٩٣.

(٢) مغني المحتاج ٢ / ١٦٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٧٤، والدسوقي ٣ / ٢٩٢.

حِجْرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ: مِنْهَا: حِضْنُ الإِْنْسَانِ، وَهُوَ مَا دُونَ إِبْطِهِ إِلَى الْكَشْحِ، أَوِ الصَّدْرُ وَالْعَضُدَانِ وَمَا بَيْنَهُمَا، أَوْ مَا بَيْنَ يَدَيِ الإِْنْسَانِ مِنْ ثَوْبِهِ. وَيُقَال لِمَنْ فِي حِمَايَتِهِ شَخْصٌ إِنَّهُ فِي حِجْرِهِ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا: أَيْ كَنَفِهِ.

وَمِنْهَا: الْعَقْل وَفِي هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿هَل فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (١)﴾

وَمِنْهَا: الْحَرَامُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: حِكَايَةً عَنِ الْمُشْرِكِينَ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ (٢)﴾ .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ الْقِسْمُ الْخَارِجُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ مَحُوطٌ مُدَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ نِصْفِ دَائِرَةٍ وَيُسَمَّى (حِجْرَ إِسْمَاعِيل) قَال ابْنُ إِسْحَاقَ: جَعَل إِبْرَاهِيمُ ﵇ الْحِجْرَ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ عَرِيشًا مِنْ أَرَاكٍ تَقْتَحِمُهُ الْعَنْزُ، وَكَانَ زَرْبًا لِغَنَمِ إِسْمَاعِيل. وَيُسَمَّى الْحَطِيمَ

_________

(١) سورة الحجر / ٥.

(٢) سورة الأنعام / ١٣٨.

وَقِيل: الْحَطِيمُ هُوَ جِدَارُ الْحِجْرِ، وَقِيل مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ (١) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ سِتَّةَ أَذْرُعٍ نَبَوِيَّةٍ مِنَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ. وَيَدُل لِذَلِكَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ فَأَلْزَقْتُهَا بِالأَْرْضِ وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ فَإِنَّ قُرَيْشًا اقْتَصَرَتْهَا حِينَ بَنَتِ الْكَعْبَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلُمِّي لأُِرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَطَاءٍ فَذَكَرَ شَيْئًا مِنْ حَرِيقِ الْكَعْبَةِ وَعِمَارَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ لَهَا ثُمَّ قَال: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُول: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَقْوَى عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ (٢) . قَال عَطَاءٌ: وَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أَسَاسَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ انْتَهَى (٣) .

_________

(١) المصباح: مادة (حجر)، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٣.

(٢) حديث: " يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٣٩ - ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٦٩ - ٩٧٠ - ط الحلبي) .

(٣) شفاء الغرام للفاسي ٢ / ٢١١، وروضة الطالبين ٣ / ٨٠، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣١، والمغني ٣ / ٣٨٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٣٧٥، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٣.

وَاخْتَلَفُوا فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ مِنَ الْبَيْتِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ جَمِيعَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِجْرِ فَقَال: هُوَ مِنَ الْبَيْتِ (٢) . وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَدْخُل الْبَيْتَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَأَخَذَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِيَدِيِّ، فَأَدْخَلَنِي فِي الْحِجْرِ فَقَال: صَلِّي فِي الْحِجْرِ إِذَا أَرَدْتِ دُخُول الْبَيْتِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الْبَيْتِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ اقْتَصَرُوا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْبَيْتِ (٣) .

اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ:

٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ: فَقَال الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:

يَجُوزُ اسْتِقْبَال الْحِجْرِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي خَارِجَ الْحِجْرِ سَوَاءٌ، أَكَانَتِ الصَّلاَةُ فَرْضًا أَمْ نَفْلًا: لِحَدِيثِ: الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ (٤) .

_________

(١) المصادر السابقة.

(٢) حديث: " هو من البيت " أخرجه البخاري ومسلم ضمن الحديث المتقدم.

(٣) حديث: " صلى في الحجر. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٢٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ٢١٦ - ط الحلبي) وقال: " حسن صحيح ".

(٤) حديث: " الحجر من البيت " سبق تخريجه (ف ٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي فِي دَاخِلِهِ فَلاَ يَصِحُّ الْفَرْضُ، كَصَلاَتِهِ فِي دَاخِل الْبَيْتِ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ: لاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِاسْتِقْبَال الْحِجْرِ، فَرْضًا كَانَتْ أَمْ نَفْلًا، لأَِنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْبَيْتِ مَظْنُونٌ لِثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الآْحَادِ، وَوُجُوبُ التَّوَجُّهِ إِلَى الْبَيْتِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (٢)﴾ وَلاَ يَجُوزُ تَرْكُ الْعَمَل بِنَصِّ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (٣) . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عِيَاضٌ وَالْقَرَافِيُّ وَابْنُ جَمَاعَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ (٤) .

وَالتَّفْصِيل فِي (طَوَافٌ، وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ) .

الطَّوَافُ مِنْ دَاخِل الْحِجْرِ:

٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الطَّوَافُ مِنْ دَاخِل الْحِجْرِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ الطَّوَافِ أَنْ يَكُونَ مِنْ خَارِجِ الْحِجْرِ.

وَقَال مَنْ يَرَى أَنَّ جَمِيعَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ أَنَّ مَنْ طَافَ دَاخِل الْحِجْرِ لَمْ يَطُفْ جَمِيعَ الْبَيْتِ،

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٢٢٨، وشرح الزرقاني ١ / ١٩١، ومطالب أولي النهى ١ / ٣٧٥.

(٢) سورة البقرة / ١٤٤.

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ١٣١، ابن عابدين ١ / ٢٨٦، والمجموع ٣ / ١٩٣، والإقناع لحل ألفاظ أبي شجاع ١ / ١٠١.

(٤) شرح الزرقاني ٢ / ١٩١.

وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِقَوْل الْحَقِّ ﵎: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (١)﴾ .

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْحِجْرِ، فَقَال: هُوَ مِنَ الْبَيْتِ (٢) .

وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ: طَافَ خَارِجَ الْحِجْرِ (٣)، وَقَدْ قَال: لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (٤)

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُهُ خَارِجَ السِّتَّةِ الأَْذْرُعِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْبَيْتِ. وَعِنْدَ هَؤُلاَءِ لاَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ جَمِيعِهِ وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ (٥) . (ر: طَوَافٌ) .

_________

(١) سورة الحج / ٢٩.

(٢) حديث: " هو من البيت " سبق تخريجه (ف ٢) .

(٣) حديث: " طاف خارج الحجر " ورد من حديث عبد الله بن عباس قال: الحجر من البيت، لأن رسول الله ﷺ طاف بالبيت من ورائه. قال الله تعالى: (وليطوفوا بالبيت العتيق) . أخرجه الحاكم (١ / ٤٦٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وصححه.

(٤) حديث: " ولتأخذوا عني مناسككم " أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - ط الحلبي) .

(٥) روضة الطالبين ٣ / ٨٠، والمغني ٣ / ٣٨٢ - ٣٨٣، وبدائع الصنائع ٢ / ١٣١، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٦٣.

الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْحَجَرُ الأَْسْوَدُ كُتْلَةٌ مِنَ الْحَجَرِ ضَارِبٌ إِلَى السَّوَادِ شِبْهُ بَيْضَاوِيٍّ فِي شَكْلِهِ، يَقَعُ فِي أَصْل بِنَاءِ الْكَعْبَةِ فِي الرُّكْنِ الْجَنُوبِيِّ الشَّرْقِيِّ مِنْهَا، يَسْتَلِمُهُ الطَّائِفُونَ عِنْدَ طَوَافِهِمْ (١)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ لِلطَّائِفِ لِمَنْ يَقْدِرُ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَل ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ فَقَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ (٢) .» وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: قَبَّل عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَجَرَ ثُمَّ قَال: أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٣) . وَرُوِيَ أَنَّ

_________

(١) المعجم الوسيط، وتاج العروس، وكشاف اصطلاحات الفنون مادة: (حجر) .

(٢) حديث ابن عمر: " رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٥ - ط السلفية) .

(٣) حديث عمر: " أم والله لقد علمت أنك حجر. . . " أخرجه مسلم ٢ / ٩٢٥ - ط الحلبي.