الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦
﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١) .
وَلِلْعُلَمَاءِ أَقْوَالٌ فِي نَسْخِ هَذِهِ الآْيَةِ، مِنْهَا: أَنَّ الْحَبْسَ نُسِخَ فِي الزِّنَى فَقَطْ بِالْجَلْدِ وَالرَّجْمِ وَبَقِيَ مَشْرُوعًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. (٢)
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٣) . وَبِقَوْلِهِ أَيْضًا: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٤) فَفِي هَذِهِ الآْيَةِ إِرْشَادٌ إِلَى حَبْسِ مَنْ تَوَجَّبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ. (٥)
وَالآْيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ لِعَمَل أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ بِهَا فِي الْكُوفَةِ زَمَنَ إِمَارَتِهِ (٦) وَفِي الْحَبْسِ جَاءَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٧) . وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّ الْحَصْرَ هُوَ الْحَبْسُ، وَالآْيَةُ لَيْسَتْ
_________
(١) سورة النساء / ١٥، وانظر التراتيب الإدارية للكتاني ١ / ٢٩٦، والاختيارات للبعلي ص ٢٩٥.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ١ / ٣٥٧، والمبسوط للسرخسي ٢٠ / ٨٨، وأحكام القرآن للجصاص ٢ / ١٠٦، والكشاف للزمخشري ١ / ٣٨٦، والاختيارات للبعلي ص ٢٩٥.
(٣) الدر المختار للحصكفي ٥ / ٣٧٦، وفتح القدير ٥ / ٤٧١.
(٤) سورة المائدة / ١٠٦.
(٥) أحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٧١٦، والطرق الحكيمة ص ١٩٠.
(٦) تفسير الخازن ٢ / ٧١، والطرق الحكيمة ص ١٨٦.
(٧) سورة التوبة / ٥.
مَنْسُوخَةً، وَإِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الأَْسْرِ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ. (١) بَل إِنَّ الأَْسِيرَ يُسَمَّى مَسْجُونًا.
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (٢) وَهِيَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَفِيهَا الأَْمْرُ بِتَقْيِيدِ الأَْسِيرِ، (٣) وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مَحْبُوسٌ وَمَسْجُونٌ.
٩ - وَمِمَّا يَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ فِي السُّنَّةِ حَدِيثُ: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٤) وَيُقْصَدُ بِحِل الْعِرْضِ: إِغْلاَظُ الْقَوْل وَالشِّكَايَةُ، وَبِالْعُقُوبَةِ: الْحَبْسُ. وَهَذَا قَوْل جَمَاعَةٍ مِنْ فُقَهَاءِ السَّلَفِ مِنْهُمْ: سُفْيَانُ وَوَكِيعٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. (٥)
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُل الرَّجُل، وَقَتَلَهُ الآْخَرُ، فَيُقْتَل الَّذِي قَتَل
_________
(١) الأحكام لابن العربي ٢ / ٨٩٠، وتفسير الطبري ١٠ / ٧٨، والكشاف ٢ / ٢٨، وبدائع الصنائع ٧ / ١١٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٧٢.
(٢) سورة محمد / ٤.
(٣) الأحكام لابن العربي ٤ / ١٦٨٩، وتفسير ابن كثير ٤ / ١٧٣.
(٤) حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١١ - ط الحلبي) من حديث عمرو بن الشريد، وحسنه ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٢ - ط السلفية) . واللي: المماطلة.
(٥) فتح الباري ٥ / ٦٢، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٥، وتفسير القرطبي ٢ / ٣٦٠، ونيل الأوطار ٨ / ٣١٦، وسبل السلام ٣ / ٥٥، وجامع الأصول ٤ / ٤٥٥.
وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ (١) . وَبِنَحْوِهِ قَضَى عَلِيٌّ ﵁ حِينَ أَمَرَ بِقَتْل الْقَاتِل وَحَبْسِ الْمُمْسِكِ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ. (٢) وَيُعْرَفُ هَذَا بِالْقَتْل صَبْرًا أَيِ الْحَبْسِ حَتَّى الْمَوْتِ، وَبِهِ عَمِل النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَمَرَ بِقَتْل الْقَاتِل وَصَبْرِ الصَّابِرِ. (٣)
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهَمَةٍ (٤)، وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْحَبْسِ وَلَوْ بِتُهْمَةٍ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ أَحَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ غِفَارٍ اتُّهِمَا بِسَرِقَةِ بَعِيرَيْنِ، وَقَال لِلآْخَرِ: اذْهَبْ فَالْتَمِسْ، فَذَهَبَ وَعَادَ بِهِمَا (٥) .
_________
(١) حديث: " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر. . . " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٤٠ - ط دار المحاسن) والبيهقي (٨ / ٥٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر. وقال البيهقي: " هذا غير محفوظ، وقد قيل عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن المسيب عن رسول الله ﷺ "، وهي الرواية المذكورة تلوها في هذا البحث.
(٢) المصنف لعبد الرزاق ٩ / ٤٨٠، والطرق الحكمية ص ٥١، والمحلى لابن حزم ١٠ / ٥١٢.
(٣) حديث: " أمر بقتل القاتل وصبر الصابر " أخرجه الدارقطني (٣ / ١٤٠ - ط دار المحاسن) والبيهقي (٨ / ٥٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث إسماعيل بن أمية مرسلا.
(٤) حديث: " حبس رجلا في تهمة " أخرجه أبو داود (٤ / ٤٧ - تحيقق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٨ - ط الحلبي) من حديث معاوية بن حيدة القشيري، وحسنه الترمذي.
(٥) حديث: " اذهب فالتمس، فذهب وعاد بهما " أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١٠ / ٢١٦ - ٢١٧ - ط المجلس العلمي بالهند) من حديث عراك بن مالك مرسلا. وإسناده ضعيف لإرساله.
١٠ - وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ، وَقَدْ حَبَسَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْخُلَفَاءُ وَالْقُضَاةُ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي جَمِيعِ الأَْعْصَارِ وَالأَْمْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا. (١)
١١ - وَتَدْعُو الْحَاجَةُ - عَقْلًا - إِلَى إِقْرَارِ الْحَبْسِ، لِلْكَشْفِ عَنِ الْمُتَّهَمِ، وَلِكَفِّ أَهْل الْجَرَائِمِ الْمُنْتَهِكِينَ لِلْمَحَارِمِ، الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا وَيَعْتَادُونَ ذَلِكَ، أَوْ يُعْرَفُ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَرْتَكِبُوا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ وَالْقِصَاصَ. (٢)
أَنْوَاعُ الْحَبْسِ:
١٢ - يَنْقَسِمُ الْحَبْسُ بِحَسَبِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَا كَانَ بِقَصْدِ الْعُقُوبَةِ، وَإِلَى مَا كَانَ بِقَصْدِ الاِسْتِيثَاقِ (٣) .
_________
(١) المبسوط ٢٠ / ٨٨ - ٩١، وزاد المعاد ٢ / ٧٤، وفتح الباري ٥ / ٧٦، ٧ / ٤١٤، ونيل الأوطار ٨ / ٢١٢، ٨ / ٣١٦، والتراتيب الإدارية ١ / ٢٩٤، والأقضية لابن فرج ص ١١، وفتح القدير ٥ / ٤٧١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٧، والبحر الزخار ٥ / ١٣٨.
(٢) الطرق الحكيمة ص ١٠١ - ١٠٤، ونيل الأوطار ٨ / ٣١٦، وتفسير القرطبي ٦ / ٣٥٢.
(٣) تبصرة الحكام ١ / ٤٠٧، والفروق للكرابيسي ١ / ٢٨٦، وبدائع الصنائع ٧ / ٦٥.
الْحَبْسُ بِقَصْدِ الْعُقُوبَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَمُوجِبَاتُهُ:
١٣ - الْحَبْسُ بِقَصْدِ الْعُقُوبَةِ يَكُونُ فِي الأَْفْعَال وَالْجَرَائِمِ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا الْحُدُودُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِيهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ كَانَ فِيهَا حَقُّ الآْدَمِيِّ، وَالأَْصْل فِي هَذَا أَنَّ الْحَبْسَ فَرْعٌ مِنَ التَّعْزِيرِ. وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ الشَّافِعِيُّ بِضْعَ قَوَاعِدَ يُشْرَعُ فِيهَا الْحَبْسُ، مِنْهَا خَمْسٌ يُشْرَعُ فِيهَا الْحَبْسُ تَعْزِيرًا وَهِيَ: حَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ دَفْعِ الْحَقِّ إِلْجَاءً إِلَيْهِ، وَحَبْسُ الْجَانِي رَدْعًا عَنِ الْمَعَاصِي، وَحَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنَ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي لاَ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَبْسِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ حَتَّى يَخْتَارَ إِحْدَاهُمَا، وَحَبْسِ مَنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِهِ، وَحَبْسِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لاَ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ (١) .
جَمْعُ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا مَعَ عُقُوبَاتٍ أُخْرَى:
١٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ جَمْعِ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا مَعَ غَيْرِهِ مِنْ عُقُوبَاتٍ. وَذَكَرُوا أَمْثِلَةً لِجَمْعِهِ مَعَ الْحَدِّ مِنْ مِثْل: جَلْدِ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةً حَدًّا وَحَبْسِهِ سَنَةً تَعْزِيرًا لِلْمَصْلَحَةِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: حَبْسُهُ سَنَةً مَنْفِيًّا (٢) .
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦، والسياسية الشرعية لابن تيمية ص ١١١ - ١١٣، وجواهر الإكليل للآبي ٢ / ٢٩٦، والفروق ٤ / ٧٩، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٤ / ٣٠٦.
(٢) الدر المختار وحاشيته ٤ / ١٤، وشرح المحلي على المنهاج ٤ / ١٨١ - ٢٠٥، وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٤ / ٣٠٦، والاختيار ٤ / ٩٢، وغاية المنتهى للكرمي ٣ / ٣١٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٦٠، ونيل الأوطار ٧ / ٩٥.
١٥ - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَبْسِ وَالْقِصَاصِ: حَبْسُ مَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ جِرَاحَةً لاَ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالأَْرْشِ (التَّعْوِيضُ) بَدَلًا مِنْهُ (١) .
١٦ - وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَبْسِ وَالْكَفَّارَةِ: حَبْسُ الْقَاضِي مَنْ ظَاهَرَ زَوْجَتَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ عَنْ ظِهَارِهِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنِ الزَّوْجَةِ. وَحَبْسُ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْكَفَّارَاتِ عَامَّةً حَتَّى يُؤَدِّيَهَا فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
١٧ - وَقَرَّرَ الْفُقَهَاءُ مَشْرُوعِيَّةَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ، وَمِنْ ذَلِكَ: تَقْيِيدُ السُّفَهَاءِ وَالْمُفْسِدِينَ فِي سُجُونِهِمْ. وَحَبْسُ مَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ وَضَرْبُهُ فِي سِجْنِهِ حَتَّى يُرَاجِعَ زَوْجَتَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَضَرْبُ الْمَحْبُوسِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ. وَحَلْقُ رَأْسِ شَاهِدِ الزُّورِ وَحَبْسُهُ. وَحَبْسُ الْقَاتِل عَمْدًا - إِذَا عُفِيَ عَنْهُ - مَعَ جَلْدِهِ مِائَةً. وَقَدْ فَوَّضَ الشَّرْعُ الْحَاكِمَ فِي جَمْعِ الْحَبْسِ مَعَ عُقُوبَاتٍ أُخْرَى؛ لأَِنَّ أَحْوَال النَّاسِ فِي الاِنْزِجَارِ مُخْتَلِفَةٌ (٣) .
_________
(١) الخراج ص ١٦٣، وأحكام القرآن لابن العربي ٢ / ٦٢٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣ / ٤٦٩، والأشباه للسيوطي ص ٤٩١.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٢، ٦٦ و٥ / ٣٧٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٥، ٣٦٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٢٥، وفيض الإله للبقاعي ٢ / ٣٢٥، وفتح القدير ٤ / ٢١٢، والإنصاف ١٠ / ٢٤٨ و١٢ / ١٠٧، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٢، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٠١ - ٣٠٤، وبداية المجتهد ٢ / ٤٠٤.
مُدَّةُ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا:
١٨ - لِمُدَّةِ الْحَبْسِ بِقَصْدِ التَّعْزِيرِ حَدٌّ أَدْنَى وَحَدٌّ أَعْلَى بِحَسَبِ حَال الْجَانِي وَجَرِيرَتِهِ:
أ - أَقَل الْمُدَّةِ:
١٩ - فِي كَلاَمِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ أَقَل مُدَّةِ الْحَبْسِ يَحْصُل حَتَّى بِالْحَبْسِ عَنْ حُضُورِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ. وَقَال آخَرُونَ: أَقَل مُدَّةِ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا يَوْمٌ وَاحِدٌ (١) . وَيُقْصَدُ بِهِ تَعْوِيقُ الْمَحْبُوسِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ لِيَضْجَرَ وَيَنْزَجِرَ؛ لأَِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَتَأَثَّرُ بِحَبْسِ يَوْمٍ فَيَغْتَمُّ (٢) .
ب - أَكْثَرُ الْمُدَّةِ:
٢٠ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) لَمْ يُقَدِّرُوا حَدًّا أَعْلَى لِلْحَبْسِ بِقَصْدِ التَّعْزِيرِ، وَفَوَّضُوا ذَلِكَ إِلَى الْقَاضِي، فَيَحْكُمُ بِمَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا لِحَال الْجَانِي؛ لأَِنَّ التَّعْزِيرَ - وَالْحَبْسُ فَرْعٌ مِنْهُ - مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي اسْتِدَامَةُ حَبْسِ مَنْ تَكَرَّرَتْ جَرَائِمُهُ وَأَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الْخَطِيرَةِ.
_________
(١) إعانة الطالبين للبكري ٤ / ١٦٩، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٢٩، ومعالم القربة لابن الأخوة ص ١٩١.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٨٤، والمعيار للونشريسي ٢ / ٤٠٦ - ٤٠٧.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا لِلزُّبَيْرِيِّ، وَقَدَّرَ أَكْثَرَ الْحَبْسِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَالْقَوْل الثَّانِي، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ: سَنَةٌ؛ تَشْبِيهًا لِلْحَبْسِ بِالنَّفْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِّ. وَالْقَوْل الثَّالِثُ لإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَافَقَ فِيهِ الْجُمْهُورَ فِي عَدَمِ تَحْدِيدِ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الْعَمَل بِمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْحَامِل عَلَى ذَلِكَ الْمَصْلَحَةُ لاَ التَّشَهِّي وَالاِنْتِقَامُ (١) .
التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَبْسِ الْقَصِيرِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيل:
٢١ - مَيَّزَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْحَبْسِ الْقَصِيرِ وَالْحَبْسِ الطَّوِيل، فَسَمَّوْا مَا كَانَ أَقَل مِنْ سَنَةٍ قَصِيرًا، وَمَا كَانَ سَنَةً فَأَكْثَرَ طَوِيلًا. وَقَضَوْا عَلَى أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ غَيْرِ الْخَطِيرَةِ بِالْحَبْسِ الْقَصِيرِ كَحَبْسِ شَاتِمِ جِيرَانِهِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَحَبْسِ تَارِكِ الصِّيَامِ مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضَانَ (٢) . وَقَضَوْا عَلَى أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ الْخَطِيرَةِ وَمُعْتَادِي الإِْجْرَامِ بِالْحَبْسِ الطَّوِيل (٣) . مِنْ مِثْل: حَبْسِ الزَّانِي الْبِكْرِ سَنَةً
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٨١ و٥ / ٣٨٩، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧ و٧٦، وتبصرة الحكام ٢ / ١٤٨ و٣٣٠، والإنصاف ١١ / ٢١٧، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٦٤ - ١٦٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٦٥، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٢، وغياث الأمم لإمام الحرمين ص ٢٢٦، ومعيد النعم للسبكي ص ٢٣.
(٢) تبصر الحكام ١ / ٢٦٦، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، وتبصرة الحكام، ومعيد النعم ص ٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٥٩.
بَعْدَ حَدِّهِ. وَكَذَا مَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ جِرَاحَةً لاَ يُسْتَطَاعُ فِي مِثْلِهَا قِصَاصٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ وَيُطَال حَبْسُهُ. وَقَدْ سَجَنَ عُثْمَانُ ﵁ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ التَّمِيمِيَّ حَتَّى مَاتَ فِي مَحْبِسِهِ وَكَانَ مِنْ شِرَارِ اللُّصُوصِ (١) .
إِبْهَامُ مُدَّةِ الْحَبْسِ:
٢٢ - الأَْصْل أَنْ تُحَدَّدَ مُدَّةُ الْحَبْسِ عِنْدَ الْحُكْمِ. وَإِلَى جَانِبِ ذَلِكَ أَجَازَ الْفُقَهَاءُ إِبْهَامَ الْمُدَّةِ وَعَدَمَ تَعْرِيفِ الْمَحْبُوسِ بِهَا، وَتَعْلِيقَ انْتِهَائِهَا عَلَى تَوْبَتِهِ وَصَلاَحِهِ، وَذَلِكَ مِنْ مِثْل: حَبْسِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ حَتَّى يَتُوبَ. وَحَبْسِ الْمُسْلِمِ الَّذِي يَتَجَسَّسُ لِلْعَدُوِّ. وَحَبْسِ الْمُخَنَّثِ وَالْمُرَابِي. وَحَبْسُ الْبُغَاةِ حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُمْ.
وَمَنْ لَمْ يَنْزَجِرْ بِحَدِّ الْخَمْرِ فَلِلْوَالِي حَبْسُهُ حَتَّى يَتُوبَ (٢) .
الْحَبْسُ الْمُؤَبَّدُ:
٢٣ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ وَقَائِعَ وَنُصُوصًا تَدُل عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحَبْسِ الْمُؤَبَّدِ، مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁
_________
(١) الدر المختار وحاشيته ٤ / ١٤، وحاشية القليوبي ٤ / ١٨١، والخراج لأبي يوسف ص ١٦٣، وتبصرة الحكام ٢ / ٣١٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، والخراج ص ٢٣٢، ٢٥٠، وبدائع الصنائع ٧ / ١٤٠، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٩٩، والقوانين لابن جزي ص ٢٣٨، والإنصاف ١٠ / ١٥٨.
حَبَسَ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ حَتَّى مَاتَ فِي سِجْنِهِ (١) . وَأَنَّ عَلِيًّا قَضَى بِحَبْسِ مَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لِيَقْتُلَهُ آخَرُ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى الْمَوْتِ (٢) .
وَكَذَا يُحْبَسُ مَدَى الْحَيَاةِ مَنْ يَعْمَل عَمَل قَوْمِ لُوطٍ (٣) . وَالدَّاعِي إِلَى الْبِدْعَةِ (٤) . وَمُزَيِّفُ النُّقُودِ (٥) . وَمَنْ تَكَرَّرَتْ جَرَائِمُهُ (٦) . وَالْعَائِدُ إِلَى السَّرِقَةِ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ حَدِّهِ فِي الْمَرَّةِ الأُْولَى وَالثَّانِيَةِ (٧) . وَمَنْ يُكْثِرُ إِيذَاءَ النَّاسِ (٨) . وَالْمُتَمَرِّدُ الْعَاتِي (٩) . وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ (١٠) .
أَسْبَابُ سُقُوطِ الْحَبْسِ تَعْزِيرًا وَقَطْعُ مُدَّتِهِ:
٢٤ - سُقُوطُ الْحَبْسِ يُقْصَدُ بِهِ تَوْقِيفُ تَنْفِيذِهِ بَعْدَ النُّطْقِ بِهِ، سَوَاءٌ أُبْدِئَ بِتَنْفِيذِ بَعْضِهِ أَمْ لَمْ يُبْدَأْ.
وَأَسْبَابُ سُقُوطِ الْحَبْسِ هِيَ:
_________
(١) تبصرة الحكام ٢ / ٣١٧.
(٢) الطرق الحكمية ص ٥١، والمحلى لابن حزم ١٠ / ٥١٢.
(٣) الاختيار ٤ / ٩١، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٧، والسياسة الشرعية ص ١٠٤.
(٤) الإنصاف ١٠ / ٢٤٩، والطرق الحكمية ص ١٠٥.
(٥) المعيار ٢ / ٤١٤، والفتاوى الأسعدية ١ / ١٥٧ - ١٥٨.
(٦) تبصرة الحكام ٢ / ١٦٤، وحاشية الجمل ٥ / ١٦٥، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٦٧، والإنصاف ١٠ / ١٥٨.
(٧) الاختيار ٤ / ١١٠، والإنصاف ١٠ / ٢٨٦، وذهب المالكية إلى حبسه بعد الرابعة كما في حاشية الدسوقي ٤ / ٣٣٣.
(٨) حاشية القليوبي ٤ / ٢٠٥.
(٩) جواهر الإكليل ٢ / ٢٧٦.
(١٠) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٣.