الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

الْبَدْءَ بِالأَْوْجَبِ أَوْلَى، فَإِنْ خَرَجَ فَلاَ بَأْسَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفِيل إِذَا كَانَ بِأَمْرِ الدَّائِنِ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الاِسْتِئْذَانِ، الْكَفِيل بِالْمَال وَالْكَفِيل بِالنَّفْسِ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا فَلَهُ الْخُرُوجُ بِلاَ إِذْنٍ إِنْ عَلِمَ بِرُجُوعِهِ قَبْل حُلُولِهِ؛ لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْمُطَالَبَةِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، لَكِنَّ الأَْفْضَل الإِْقَامَةُ لِقَضَائِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُشْتَرَطُ الإِْذْنُ فِي الدَّيْنِ الْحَال إِذَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ، أَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَلاَ يَحِل فِي غَيْبَتِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِ الدَّائِنِ، فَإِنْ حَل فِي غَيْبَتِهِ، وَعِنْدَهُ مَا يُوَفِّي مِنْهُ، وَكُل مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ فِي الدَّيْنِ إِذَا كَانَ حَالًّا إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْسِرًا، أَيْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ فِي قَوْلٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا إِذْ لاَ مُطَالَبَةَ فِي الْحَال.

وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْمَنْعُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِالدَّيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَهُ الْمَنْعُ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، وَقِيل: يَجُوزُ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢١.

(٢) حاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢.

لِلدَّائِنِ أَنْ يَمْنَعَ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِل قَبْل رُجُوعِهِ (١) .

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَمْ مُؤَجَّلًا بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ إِلاَّ أَنْ يَتْرُكَ وَفَاءً، أَوْ يُقِيمَ بِهِ كَفِيلًا أَوْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيل اللَّهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قَال: نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلاَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيل ﵇ قَال لِي ذَلِكَ (٢) .

وَلأَِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدَ جَابِرٍ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، بَل مَدَحَهُ، وَقَال: مَا زَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ (٣) . وَقَال لاِبْنِهِ جَابِرٍ: أَفَلاَ أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ، إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا (٤)

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢١٠ - ٢١١، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٦، ٥٧.

(٢) حديث: " أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٠١ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة.

(٣) حديث: " ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٣ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩١٨ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.

(٤) حديث: " أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك ". أخرجه الترمذي (٥ / ٢٣٠ - ط الحلبي) وقال: " هذا حديث حسن غريب ".

وَلأَِنَّ الْجِهَادَ تُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ الَّتِي تَفُوتُ بِهَا النَّفْسُ، فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا (١) .

وَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ الْجِهَادُ فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ إِذْنَ لِغَرِيمِهِ؛ لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ مُقَدَّمًا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْل مِنَ الْمُبَارَزَةِ، وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّل الْمُقَاتِلَةِ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِتَفْوِيتِ الْحَقِّ، بَل يَقِفُ وَسَطَ الصَّفِّ أَوْ حَاشِيَتِهِ حِفْظًا لِلدَّيْنِ (٢) .

ج - إِذْنُ الإِْمَامِ:

١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ الْغَزْوُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ أَوِ الأَْمِيرِ الْمُوَلَّى مِنْ قِبَلِهِ؛ لأَِنَّ الْغَزْوَ عَلَى حَسَبِ حَال الْحَاجَةِ، وَالإِْمَامُ أَوِ الأَْمِيرُ أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَلاَ يَحْرُمُ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ التَّغْرِيرِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّغْرِيرُ بِالنَّفْسِ يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ.

وَلأَِنَّ أَمْرَ الْحَرْبِ مَوْكُولٌ إِلَى الأَْمِيرِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، وَمَكَامِنِ الْعَدُوِّ وَكَيْدِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إِلَى رَأْيِهِ؛ لأَِنَّهُ أَحْوَطُ

_________

(١) المغني ٨ / ٣٥٩، ٣٦٠، وكشاف القناع ٣ / ٤٤، ٤٥.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٢١٤، والمغني ٨ / ٣٦٠، وكشاف القناع ٣ / ٤٥.

لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا لَمْ تَجُزِ الْمُبَارَزَةُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَالْغَزْوُ أَوْلَى، إِلاَّ أَنْ يَفْجَأَهُمْ عَدُوٌّ يَخَافُونَ تَمَكُّنَهُ، فَلاَ يُمْكِنُهُمُ الاِسْتِئْذَانُ، فَيَسْقُطُ الإِْذْنُ بِاقْتِضَاءِ قِتَالِهِمْ، وَالْخُرُوجُ إِلَيْهِمْ لِحُصُول الْفَسَادِ بِتَرْكِهِمُ انْتِظَارًا لِلإِْذْنِ.

وَدَلِيل ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَغَارَ الْكُفَّارُ عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ صَادَفَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَتَبِعَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَمَدَحَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَْكْوَعِ، وَأَعْطَاهُ سَهْمَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ (١) .

الْجِهَادُ مَعَ الأَْئِمَّةِ:

١٥ - صَرَّحَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهُ يُغْزَى مَعَ أَمِيرِ جَيْشٍ وَلَوْ كَانَ جَائِرًا ارْتِكَابًا لأَِخَفِّ الضَّرَرَيْنِ؛ وَلأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ مَعَهُ سَوْفَ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ الْجِهَادِ، وَظُهُورِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِئْصَالِهِمْ وَظُهُورِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَنُصْرَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ. وَكَذَا مَعَ ظَالِمٍ فِي أَحْكَامِهِ، أَوْ فَاسِقٍ بِجَارِحَةٍ، لاَ مَعَ غَادِرٍ يَنْقُضُ الْعَهْدَ (٢)

_________

(١) المهذب ٢ / ٢٢٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٠، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٣٨، والمغني ٨ / ٣٦٤. وحديث " خير رجالتنا سلمة بن الأكوع. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٣٩ ط الحلبي) من حديث سلمة بن الأكوع.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٢٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٤، والمغني ٨ / ٣٥٠.

شُرُوطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ:

أ - الإِْسْلاَمُ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْجِهَادِ: الإِْسْلاَمَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ سَائِرِ الْفُرُوعِ؛ وَلأَِنَّ الْكَافِرَ غَيْرُ مَأْمُونٍ فِي الْجِهَادِ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهُ الإِْمَامُ بِالْخُرُوجِ مَعَ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقَال لَهُ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَال: لاَ، قَال: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ (١) .

وَلأَِنَّ مَا يُخَافُ مِنَ الضَّرَرِ بِحُضُورِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُرْجَى مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ مَكْرُهُ وَغَائِلَتُهُ؛ لِخُبْثِ طَوِيَّتِهِ، وَالْحَرْبُ تَقْتَضِي الْمُنَاصَحَةَ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا.

ب - الْعَقْل:

١٧ - الْمَجْنُونُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، وَلاَ يَتَأَتَّى مِنْهُ.

ج - الْبُلُوغُ:

١٨ - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الصَّبِيِّ غَيْرِ الْبَالِغِ ضَعِيفِ الْبِنْيَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُكَلَّفٍ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: عُرِضْتُ عَلَى

_________

(١) حديث: " فارجع فلن أستعين بمشرك. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٠ - ط الحلبي) من حديث عائشة.

رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فَلَمْ يُجِزْنِي فِي الْمُقَاتِلَةِ (١) .

وَقَدْ رَدَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَالْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَعَرَّابَةَ بْنَ أَوْسٍ، فَجَعَلَهُمْ حَرَسًا لِلذَّرَارِيِّ وَالنِّسَاءِ (٢)، وَلأَِنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ فَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالْحَجِّ.

د - الذُّكُورَةُ:

١٩ - تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ، هَل عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ فَقَال: جِهَادٌ لاَ قِتَال فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (٣) .

_________

(١) حديث ابن عمر: " عرضت على رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٧٦ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٤٩٠ - ط الحلبي) . وانظر: فتح القدير ٥ / ١٩٣ وما بعدها، وابن عابدين ٣ / ٢٢١، ٢٢٢، والمدونة ٣ / ٥ وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥ والمهذب ٢ / ٢٣٠، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٢ وروضة الطالبين ١٠ / ٢٠٩، ٢١٠، والمغني ٨ / ٣٤٧، وكشاف القناع ٣ / ٦٢.

(٢) حديث: " وقد رد رسول الله ﷺ يوم بدر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٢٩٠ - ط السلفية) .

(٣) حديث: " جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة ". أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٦٨ - ط الحلبي) وصححه ابن خزيمة (٤ / ٣٥٩ - ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة.

وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْجِهَادُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي الأَْحْوَال الثَّلاَثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.

أَمَّا إِخْرَاجُ النِّسَاءِ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ فَيُكْرَهُ فِي سَرِيَّةٍ لاَ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ لِلضَّيَاعِ، وَيَمْنَعُهُنَّ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ لِلاِفْتِتَانِ بِهِنَّ، وَلَسْنَ مِنْ أَهْل الْقِتَال لاِسْتِيلاَءِ الْخَوَرِ وَالْجُبْنِ عَلَيْهِنَّ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ ظَفَرُ الْعَدُوِّ بِهِنَّ، فَيَسْتَحِلُّونَ مِنْهُنَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِاسْتِثْنَاءِ امْرَأَةِ الأَْمِيرِ لِحَاجَتِهِ، أَوِ امْرَأَةٍ طَاعِنَةٍ فِي السِّنِّ لِمَصْلَحَةٍ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُؤْذَنُ لِمِثْلِهِمَا؛ لِمَا رَوَتْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمَهُمُ الْمَاءَ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ (١) .

وَلَكِنْ لاَ بَأْسَ بِإِخْرَاجِ النِّسَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانُوا عَسْكَرًا عَظِيمًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ السَّلاَمَةُ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقَّقِ.

وَلاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا، فَلاَ يَجِبُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهِ (٢) .

_________

(١) حديث الربيع بنت معوذ: " كنا نغزو مع رسول الله ﷺ. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٨٠ - ط السلفية) . وانظر المغني ٨ / ٣٦٥، ٣٦٦.

(٢) المرجع السابق.

هـ - الْقُدْرَةُ عَلَى مُؤْنَةِ الْجِهَادِ:

٢٠ - يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْجِهَادِ الْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيل السِّلاَحِ.

وَكَذَلِكَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَا يُنْفِقُ فِي طَرِيقِهِ فَاضِلًا عَنْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ، لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ (١)﴾ .

فَإِنْ كَانَ الْقِتَال عَلَى بَابِ الْبَلَدِ أَوْ حَوَالَيْهِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةِ الطَّرِيقِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلاَةُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَسِيلَةٍ تَنْقُلُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٢)﴾ .

وَإِنْ بَذَل لَهُ الإِْمَامُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَسِيلَةِ نَقْلٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَل وَيُجَاهِدَ؛ لأَِنَّ مَا يُعْطِيهِ الإِْمَامُ حَقٌّ لَهُ، وَإِنْ بَذَل لَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ (٣) .

و السَّلاَمَةُ مِنَ الضَّرَرِ:

٢١ - لاَ يَجِبُ الْجِهَادُ عَلَى الْعَاجِزِ غَيْرِ

_________

(١) سورة التوبة / ٩١.

(٢) سورة التوبة / ٩٢.

(٣) ابن عابدين ٣ / ٢٢٠، ٢٢١ وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٢١٠ والمغني ٨ / ٣٤٨.

الْمُسْتَطِيعِ؛ لأَِنَّ الْعَجْزَ يَنْفِي الْوُجُوبَ، وَالْمُسْتَطِيعُ هُوَ الصَّحِيحُ فِي بَدَنِهِ مِنَ الْمَرَضِ.

وَمِنْ ثَمَّ فَلاَ يَخْرُجُ الْمَرِيضُ الدَّنَفُ الَّذِي يَمْنَعُهُ مَرَضُهُ مِنَ الرُّكُوبِ أَوِ الْقِتَال، بِأَنْ تَحْصُل لَهُ مَشَقَّةٌ لاَ تُحْتَمَل عَادَةً.

وَلاَ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَرَضِ إِنْ كَانَ يَسِيرًا لاَ يَمْنَعُهُ، كَوَجَعِ ضِرْسٍ، وَصُدَاعٍ خَفِيفٍ، وَنَحْوِهِمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُمَا الْجِهَادُ (١) .

وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْخُرُوجِ دُونَ الْقِتَال فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ إِرْهَابًا (٢) .

وَكَالْمَرِيضِ مَنْ لَهُ مَرِيضٌ لاَ مُتَعَهِّدَ لَهُ غَيْرُهُ (٣) .

وَلاَ يَخْرُجُ الأَْعْمَى، وَلاَ الأَْعْرَجُ، وَلاَ الْمُقْعَدُ، وَلاَ الأَْقْطَعُ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْذَارَ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ (٤)﴾ .

وَقَال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ (٥)﴾ .

_________

(١) حاشية رد المحتار ٣ / ٢٢١ ونهاية المحتاج ٨ / ٥٥، والمغني ٨ / ٣٤٨ وكشاف القناع ٣ / ٣٦.

(٢) رد المحتار ٣ / ٢٢١، وفتح القدير ٥ / ١٩٣.

(٣) نهاية المحتاج ٨ / ٥٥.

(٤) سورة الفتح / ١٧.

(٥) سورة التوبة / ٩٢.

فَأَمَّا الأَْعْمَى فَمَعْرُوفٌ أَنَّهُ لاَ يَصْلُحُ لِلْقِتَال فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، وَكَالأَْعْمَى ذُو رَمَدٍ، وَضَعِيفُ بَصَرٍ لاَ يُمْكِنُهُ اتِّقَاءُ السِّلاَحِ، فَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الشَّخْصَ وَمَا يَتَّقِيهِ مِنَ السِّلاَحِ وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْقِتَال.

وَيَجِبُ عَلَى الأَْعْوَرِ وَالأَْعْشَى، وَهُوَ الَّذِي يُبْصِرُ فِي النَّهَارِ دُونَ اللَّيْل؛ لأَِنَّهُ كَالْبَصِيرِ فِي الْقِتَال (١) .

وَأَمَّا الْعَرَجُ فَالْمَقْصُودُ بِهِ الْعَرَجُ الْفَاحِشُ الَّذِي يَمْنَعُ الْمَشْيَ الْجَيِّدَ وَالرُّكُوبَ كَالزَّمَانَةِ وَنَحْوِهَا، وَهُوَ عَرَجٌ بَيِّنٌ، وَلَوْ كَانَ فِي رِجْلٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا كَانَ يَسِيرًا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ شِدَّةُ الْعَدُوِّ، فَلاَ يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَ الْجِهَادِ، لأَِنَّهُ مُمْكِنٌ فَشَابَهَ الأَْعْوَرَ.

وَمِثْل الأَْعْرَجِ الأَْقْطَعُ وَالأَْشَل وَلَوْ لِمُعْظَمِ أَصَابِعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، إِذْ لاَ بَطْشَ لَهُمَا وَلاَ نِكَايَةَ، وَمِثْلُهُمَا فَاقِدُ الأَْنَامِل.

وَلاَ تَأْثِيرَ لِقَطْعِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إِذَا أَمْكَنَ مَعَهُ الْمَشْيُ مِنْ غَيْرِ عَرَجٍ بَيِّنٍ (٢) .

مَنْ يَمْنَعُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْخُرُوجِ فِي الْجِهَادِ:

٢٢ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ

_________

(١) نهاية المحتاج ٨ / ٥٥ ط مصطفى البابي الحلبي، والمهذب ٢ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٦.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٥٥، والمهذب ٢ / ٢٢٨.