الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٦

وَإِنَّمَا فُرِضَ لإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنِ الْعِبَادِ.

وَالْمَقْصُودُ أَنْ يَأْمَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. فَإِذَا اشْتَغَل الْكُل بِالْجِهَادِ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ دُنْيَاهُمْ.

وَقَدْ كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَارَةً يَخْرُجُ، وَتَارَةً يَبْعَثُ غَيْرَهُ، حَتَّى قَال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِمْ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْدُو فِي سَبِيل اللَّهِ (١) .

فَهَذَا يَدُل عَلَى أَنَّ الْقَاعِدِينَ غَيْرُ آثِمِينَ مَعَ جِهَادِ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ كُلًّا الْحُسْنَى، وَالْعَاصِي لاَ يُوعَدُ بِهَا، وَلاَ تَفَاضُل بَيْنَ مَأْجُورٍ وَمَأْزُورٍ (٢) .

وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إِلَى بَنِي لِحْيَانَ، وَقَال: لِيَخْرُجْ مِنْ كُل رَجُلَيْنِ رَجُلٌ، ثُمَّ قَال

_________

(١) حديث: " والذي نفسي بيده، لولا أن رجالا من المؤمنين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٦ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة. وانظر: المبسوط ١٠ / ٣، والدسوقي ٢ / ١٨٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٠، والمهذب ٢ / ٢٢٧، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٥، والمغني ٨ / ٣٤٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٢، ٣٣.

(٢) المهذب ٢ / ٢٢٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٤٥، والمغني ٨ / ٣٤٥، وكشاف القناع ٣ / ٣٢

لِلْقَاعِدِينَ: أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخَيْرٍ كَانَ لَهُ مِثْل نِصْفِ أَجْرِ الْخَارِجِ (١) .

وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ الْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الأَْعْيَانِ (٢) .: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيل اللَّهِ (٣)﴾ .

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٤)﴾ . وَقَوْل الرَّسُول ﷺ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ (٥) . وَأَنَّ الْقَاعِدِينَ الْمَوْعُودِينَ بِالْحُسْنَى كَانُوا حُرَّاسًا، أَيْ كَانُوا مِنْ هَذَيْنِ كَذَلِكَ (٦) .

مَتَى يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ؟

٩ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَصِيرُ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَالاَتِ الآْتِيَةِ:

_________

(١) حديث: " ليخرج من كل رجلين رجل. . . " صحيح مسلم ٢ / ١٠٠، وفي رواية " لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما ".

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٤٥ وما بعدها، والمغني ٨ / ٣٤٥ وما بعدها، وكشاف القناع ٢ / ٣٢ وما بعدها.

(٣) سورة التوبة / ٤١.

(٤) سورة التوبة / ٣٩.

(٥) حديث: " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥١٧ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٦) نهاية المحتاج ٨ / ٤٥ وما بعدها.

أ - إِذَا الْتَقَى الزَّحْفَانِ، وَتَقَابَل الصَّفَّانِ، حَرُمَ عَلَى مَنْ حَضَرَ الاِنْصِرَافُ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ . . . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١)﴾ .

ب - إِذَا هَجَمَ الْعَدُوُّ عَلَى قَوْمٍ بَغْتَةً، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ الدَّفْعُ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، أَوْ هَجَمَ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إِنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنِ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَحَل التَّعَيُّنِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إِنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمُ الْعَدُوُّ، وَإِلاَّ تَرَكُوا إِعَانَتَهُمْ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يُعْتَبَرُ مَنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنَ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا، وَمَنْ يَلِيهِمْ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْجَأْهُمُ الْعَدُوُّ فَلاَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ، يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُقِل مِنْهُمْ وَالْمُكْثِرُ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ النَّفِيرَ يَعُمُّ جَمِيعَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقِتَال حِينَ الْحَاجَةِ لِمَجِيءِ الْعَدُوِّ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ التَّخَلُّفُ إِلاَّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْمَكَانِ وَالأَْهْل وَالْمَال، وَمَنْ يَمْنَعُهُ الأَْمِيرُ

_________

(١) سورة الأنفال / ٤٥، ٤٦.

مِنَ الْخُرُوجِ، أَوْ مَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْخُرُوجِ أَوِ الْقِتَال (١) .

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ الأَْحْزَابِ فَقَال: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا (٢)﴾ .

ج - إِذَا اسْتَنْفَرَ الإِْمَامُ قَوْمًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ مَعَهُ إِلاَّ مَنْ لَهُ عُذْرٌ قَاطِعٌ؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيل لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيل اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَْرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآْخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣)﴾ .

وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا (٤) وَذَلِكَ لأَِنَّ أَمْرَ الْجِهَادِ مَوْكُولٌ إِلَى الإِْمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، وَيَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ طَاعَتُهُ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ (٥) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢١، وفتح القدير ٥ / ١٩٠، والدسوقي ٢ / ١٧٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٣، وروضة الطالبين ١ / ٢١٥، ومغني المحتاج ٤ / ٢١٩، والمغني ٨ / ٣٤٦، ٣٤٧، وكشاف القناع ٣ / ٣٧.

(٢) سورة الأحزاب / ١٣. وانظر: فتح القدير ٥ / ١٩١، والمغني ٨ / ٣٦٤.

(٣) سورة التوبة / ٣٨.

(٤) حديث: " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد نية ". تقدم تخريجه (ف / ١) . وانظر صحيح البخاري ٤ / ٦٦.

(٥) حاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢، والمغني ٨ / ٣٥٢، والمحلى ٧ / ٢٩١.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْجِهَادُ بِتَعْيِينِ الإِْمَامِ وَلَوْ لِصَبِيٍّ مُطِيقٍ لِلْقِتَال أَوِ امْرَأَةٍ، وَتَعْيِينُ الإِْمَامِ إِلْجَاؤُهُ إِلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ، كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ صَلاَحُ حَالِهِ، لاَ بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ، فَلاَ يُقَال: إِنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلإِْجْمَاعِ (١) .

حِكْمَةُ تَشْرِيعِ الْجِهَادِ:

١٠ - الْقَصْدُ مِنَ الْجِهَادِ دَعْوَةُ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الإِْسْلاَمِ، أَوِ الدُّخُول فِي ذِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَدَفْعِ الْجِزْيَةِ، وَجَرَيَانُ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ، وَبِذَلِكَ يَنْتَهِي تَعَرُّضُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَاعْتِدَاؤُهُمْ عَلَى بِلاَدِهِمْ، وَوُقُوفُهُمْ فِي طَرِيقِ نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، وَيَنْقَطِعُ دَابِرُ الْفَسَادِ، قَال تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (٢)﴾ .

وَقَال ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَل رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣)﴾ .

وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَسِيرَتُهُ، وَسِيرَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَتَخْيِيرِهِمْ بَيْنَ ثَلاَثَةِ أُمُورٍ مُرَتَّبَةٍ وَهِيَ:

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢.

(٢) سورة البقرة / ١٩٣.

(٣) سورة التوبة / ٣٣.

قَبُول الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ، أَوِ الْبَقَاءُ عَلَى دِينِهِمْ مَعَ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَعَقْدُ الذِّمَّةِ. فَإِنْ لَمْ يَقْبَلُوا، فَالْقِتَال.

وَلاَ يَنْطَبِقُ هَذَا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَيْ: (جِزْيَةٌ، وَأَهْل الذِّمَّةِ) .

الاِسْتِئْذَانُ فِي الْجِهَادِ:

أ - إِذْنُ الْوَالِدَيْنِ:

١١ - لاَ يَجُوزُ الْجِهَادُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، أَوْ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ الآْخَرُ كَافِرًا، إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَ، كَأَنْ يَنْزِل الْعَدُوُّ بِقَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفَرْضٌ عَلَى كُل مَنْ يُمْكِنُهُ إِعَانَتُهُمْ أَنْ يَقْصِدَهُمْ مُغِيثًا لَهُمْ، أَذِنَ الأَْبَوَانِ أَمْ لَمْ يَأْذَنَا، إِلاَّ أَنْ يَضِيعَا، أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَهُ، فَلاَ يَحِل لَهُ تَرْكُ مَنْ يَضِيعُ مِنْهُمَا؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ، فَقَال ﵊: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَال: نَعَمْ، قَال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ (١) . فَدَل عَلَى أَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجِهَادِ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِيهِ، وَبِرُّ

_________

(١) حديث: " أحي والداك؟ قال: نعم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٤٠ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٩٧٥ - ط الحلبي) .

الْوَالِدَيْنِ فَرْضٌ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنُوبُ عَنْهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ ﵁: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَغْزُوَ الرُّومَ، وَإِنَّ أَبَوَيَّ مَنَعَانِي، فَقَال: " أَطِعْ أَبَوَيْكَ فَإِنَّ الرُّومَ سَتَجِدُ مَنْ يَغْزُوهَا غَيْرَكَ ".

وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵄، وَبِهِ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ، وَسَائِرُ أَهْل الْعِلْمِ (١) .

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّ أَصْحَابَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانُوا يُجَاهِدُونَ، وَفِيهِمْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ كَافِرَانِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِمَا، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُوهُ رَئِيسُ الْمُشْرِكِينَ (٢) .

وَلأَِنَّ الْكَافِرَ مُتَّهَمٌ فِي الدِّينِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْجِهَادِ لِمَظِنَّتِهِ قَصْدَ تَوْهِينِ الإِْسْلاَمِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّهُ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنِ الأَْبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢٠، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، ١٧٦، والمهذب ٢ / ٢٢٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٧، والمغني ٨ / ٣٥٨، والمحلى ٧ / ٢٩٢.

(٢) فتح القدير ٥ / ١٩٤، وابن عابدين ٣ / ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٥، ١٧٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢٥٢، والمهذب ٢ / ٢٢٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٧، والمغني ٨ / ٣٥٩، وكشاف القناع ٣ / ٤٤.

أَوْ أَحَدِهِمَا إِذَا كَرِهَ خُرُوجَهُ مَخَافَةً وَمَشَقَّةً، وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِكَرَاهَةِ قِتَال أَهْل دِينِهِ فَلاَ يُطِيعُهُ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ. إِذْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا مُحْتَاجًا إِلَى خِدْمَتِهِ فُرِضَتْ عَلَيْهِ وَلَوْ كَافِرًا، وَلَيْسَ مِنَ الصَّوَابِ تَرْكُ فَرْضِ عَيْنٍ لِيُتَوَصَّل إِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ، وَبِهَذَا قَال الثَّوْرِيُّ لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ (١) .

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ وَلَهُ جَدٌّ أَوْ جَدَّةٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجَاهِدَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِمَا؛ لأَِنَّهُمَا كَأَبَوَيْنِ فِي الْبِرِّ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ جَدُّهُ لأَِبِيهِ وَجَدَّتُهُ لأُِمِّهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ أَبُو الأُْمِّ وَأُمُّ الأَْبِ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِخُرُوجِهِ؛ لِقِيَامِ أَبِي الأَْبِ وَأُمِّ الأُْمِّ مَقَامَ الأَْبِ وَالأُْمِّ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالآْخَرَانِ كَبَاقِي الأَْجَانِبِ إِلاَّ إِذَا عُدِمَ الأَْوَّلاَنِ (٢) .

وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ، أَوْ أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْجَدِّ مَعَ الأَْبِ، وَاسْتِئْذَانُ الْجَدَّةِ مَعَ الأُْمِّ، لأَِنَّ وُجُودَ الأَْبَوَيْنِ لاَ يُسْقِطُ بِرَّ الْجَدَّيْنِ، وَلاَ يُنْقِصُ شَفَقَتَهُمَا عَلَيْهِ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ قَوْلٌ لَدَى الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ؛ لأَِنَّ الأَْبَ وَالأُْمَّ يَحْجُبَانِ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ عَنِ الْوِلاَيَةِ وَالْحَضَانَةِ (٣) .

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٧٦، والمغني ٨ / ٣٥٩.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٠.

(٣) المهذب ٢ / ٢٢٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٧، وروضة الطالبين ١٠ / ٢١١، والمغني ٨ / ٣٥٩، وكشاف القناع ٣ / ٤٤.

وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِئْذَانُ الأَْبَوَيْنِ فِي الْجِهَادِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا، وَلَكِنْ إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَلاَ إِذْنَ لَهُمَا مِنْ غَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ فَرْضَ عَيْنٍ، وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ، وَلاَ طَاعَةَ لأَِحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

قَال الأَْوْزَاعِيُّ: لاَ طَاعَةَ لِلْوَالِدَيْنِ فِي تَرْكِ الْفَرَائِضِ، وَالْجُمَعِ، وَالْحَجِّ، وَالْقِتَال؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ الأَْبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلاَةِ (١) .

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْذْنِ:

١٢ - مَنْ خَرَجَ لِلْجِهَادِ بِإِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنِ الإِْذْنِ، أَوْ كَانَ الأَْبَوَانِ كَافِرَيْنِ، فَأَسْلَمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ وَلَمْ يَأْذَنَا، وَعَلِمَ الْمُجَاهِدُ الْحَال، يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ إِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِتَال، وَلَمْ يَحْضُرِ الْوَقْعَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ يَخَافَ انْكِسَارَ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، فَلاَ يَلْزَمُهُ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الاِنْصِرَافُ لِلْخَوْفِ، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي قَرْيَةٍ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى يَرْجِعَ الْجَيْشُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ الاِنْصِرَافُ.

وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْقِتَال، قَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: يَحْرُمُ الاِنْصِرَافُ، وَتَجِبُ

_________

(١) المراجع السابقة.

الْمُصَابَرَةُ؛ لِعُمُومِ الأَْمْرِ بِالثَّبَاتِ؛ وَلاِنْكِسَارِ الْقُلُوبِ بِانْصِرَافِهِ، وَالثَّانِي: لاَ يَحْرُمُ، بَل يَجِبُ الاِنْصِرَافُ، وَالثَّالِثُ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الاِنْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ. وَإِنْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِالْمُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْجِهَادِ، وَسَقَطَ الإِْذْنُ؛ لأَِنَّ تَرْكَ الْجِهَادِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، فَقُدِّمَ عَلَى حَقِّ الأَْبَوَيْنِ (١) .

وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَالِدَاهُ فِي الْغَزْوِ وَشَرَطَا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُقَاتِل، فَحَضَرَ الْقِتَال، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَال وَسَقَطَ شَرْطُهُمَا. وَبِذَلِكَ قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لأَِنَّهُ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فِي تَرْكِهِ طَاعَةٌ، وَلَوْ خَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِمَا فَحَضَرَ الْقِتَال، ثُمَّ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ (٢) .

ب - إِذْنُ الدَّائِنِ:

١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ لِلْجِهَادِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ الْمَدِينُ بِغَيْرِ إِذْنِ غَرِيمِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَفَاءٌ؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَرِيمِ وَهُوَ الْمُلاَزَمَةُ، فَلَوْ أَذِنَ لَهُ الدَّائِنُ، وَلَمْ يُبْرِئْهُ، فَالْمُسْتَحَبُّ الإِْقَامَةُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ

_________

(١) روضة الطالبين ١٠ / ٢١٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٥٨، والمهذب ٢ / ٢٢٩، والمغني ٨ / ٣٥٩، ٣٦٠.

(٢) المغني ٨ / ٣٥٩ وما بعدها.