الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

مِلْكِهِ، وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل وَأَمْكَنَ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، كَخِيَاطَةِ بَعْضِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ بَعْضِ حَائِطٍ، أَوْ تَعْلِيمِ بَعْضِ مَا جُوعِل عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ حِصَّةَ مَا عَمِل مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى.

وَإِنْ لَمْ يَقَعِ الْعَمَل مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِمَا مَرَّ، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَل كَإِنَاءٍ انْكَسَرَ، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ احْتَرَقَ بَعْدَ خِيَاطَةِ بَعْضِهِ أَوْ حَائِطٍ انْهَدَمَ بَعْدَ بِنَاءِ بَعْضِهِ، وَلَوْ بِلاَ تَفْرِيطٍ مِنَ الْعَامِل، أَوْ مُتَعَلِّمٍ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ تَعَلُّمِهِ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ.

٤١ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ بِإِتْمَامِهِ الْعَمَل ثَلاَثُ صُوَرٍ:

الأُْولَى - مَا إِذَا حَصَل الاِنْتِفَاعُ بِالْعَمَل السَّابِقِ - الَّذِي لَمْ يُتِمُّهُ الْعَامِل بِأَنِ اسْتَأْجَرَ الْجَاعِل عَامِلًا آخَرَ عَلَى إِتْمَامِهِ، أَوْ جَاعَلَهُ عَلَيْهِ، أَوْ أَتَمَّهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ خَدَمَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْعَامِل الأَْوَّل عَلَى عَمَلِهِ - حِينَئِذٍ - بِنِسْبَةِ مَا أَخَذَ الثَّانِي، سَوَاءٌ أَعَمِل الثَّانِي قَدْرَ عَمَل الأَْوَّل أَوْ أَقَل مِنْهُ، أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَجْعَل لِلأَْوَّل خَمْسَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَحْمِل لَهُ بَضَائِعَ مَثَلًا إِلَى مَكَانٍ مَعْلُومٍ فَحَمَلَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا، فَجَعَل الْجَاعِل لِعَامِلٍ غَيْرِهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى إِيصَالِهَا لِلْمَكَانِ الْمَعْلُومِ، فَإِنَّ الأَْوَّل يَأْخُذُ عَشَرَةً أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ عَمَلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِعَمَل الثَّانِي؛ لأَِنَّ

الثَّانِيَ لَمَّا جُوعِل مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عُلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ كُلَّهَا عِشْرُونَ.

وَلَوْ أَوْصَلَهَا الْجَاعِل بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ، فَإِنَّهُ يُعْطِي لِلْعَامِل الأَْوَّل بِنِسْبَةِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَوْ جَاعَل عَلَيْهَا صَاحِبَهَا. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ: لِلْعَامِل فِي كُل ذَلِكَ أُجْرَةُ مِثْل عَمَلِهِ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الْبَضَائِعِ قَدْ يَخَافُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَخَاصَّةً إِذَا كَانَتْ غَالِيَةً، وَشَأْنُ الشَّيْءِ الْغَالِي إِذَا كَانَ فِي مَكَانٍ مَخُوفٍ يَغْلِبُ ضَيَاعُهُ أَوْ هَلاَكُهُ فِيهِ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى نَقْلِهِ مِنْهُ بِالأُْجْرَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ الْمِثْل، فَلاَ يُقَاسُ عَلَى الاِسْتِئْجَارِ الأَْوَّل.

الثَّانِيَةُ - إِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ - حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ - مَمْلُوكٌ لِغَيْرِ مَنْ جَاعَل عَلَيْهِ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ، وَأَخَذَهُ مِنْ يَدِ الْعَامِل، فَإِنَّ الْجُعْل يَلْزَمُ الْجَاعِل حِينَئِذٍ وَإِنْ لَمْ يَتَسَلَّمِ الْمُجَاعَل عَلَيْهِ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّهُ وَرَّطَهُ فِي الْعَمَل وَلَوْلاَ ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِقَبْضِ الْعَامِل الْجُعْل، وَلاَ يَرْجِعُ الْجَاعِل بِالْجُعْل عَلَى الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَكُل هَذَا إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ وَمَمْلُوكٌ لِغَيْرِ الْجَاعِل بَعْدَ وُصُول الْعَامِل الْبَلَدَ وَقَبْل قَبْضِ الْجَاعِل لَهُ، أَمَّا لَوِ اسْتُحِقَّ مِنَ الْعَامِل وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ قَبْل وُصُولِهِ بَلَدَ الْجَاعِل، فَلاَ جُعْل لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الاِسْتِحْقَاقِ وَبَيْنَ الْمَوْتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ قَبْل ذَلِكَ (ف / ٣٩) أَنَّ الاِسْتِحْقَاقَ وَهُوَ

ظُهُورُ مِلْكِيَّتِهِ لِغَيْرِ الْجَاعِل يَكُونُ نَاشِئًا عَنِ اعْتِدَاءٍ مِنَ الْجَاعِل غَالِبًا، فَتَغَيَّرَ حُكْمُهُ لأَِجْل هَذَا.

الثَّالِثَةُ - إِذَا حَدَثَ لِلشَّيْءِ الْمُجَاعَل عَلَى تَحْصِيلَةِ حَادِثٌ أَدَّى إِلَى نُقْصَانِ قِيمَتِهِ بِحَيْثُ صَارَ لاَ يُسَاوِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، أَوْ جُعْل الْمِثْل، فَلِلْعَامِل جُعْلُهُ كَامِلًا، وَلاَ يُنْظَرُ لِهَذَا النُّقْصَانِ، وَسَوَاءٌ أَحَدَثَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهِ الْعَامِل، أَمْ بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَيْهِ وَقَبْل أَنْ يُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل.

تَعَذُّرُ التَّسْلِيمِ لِلْجَاعِل:

٤٢ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا أَتَى الْعَامِل بِالْمُتَعَاقَدِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدِ الْجَاعِل وَلاَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي تَسَلُّمِهِ سَلَّمَهُ لِلْحَاكِمِ، وَاسْتَحَقَّ الْجُعْل وَيَدْفَعُهُ الْحَاكِمُ لَهُ مِنْ مَال الْجَاعِل الْمُلْتَزِمِ بِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلاَّ بَقِيَ الْجُعْل دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَاعِل، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَاكِمٌ لِهَذَا الْمَكَانِ أَشْهَدَ عَلَى رَدِّهِ لَهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمَرْدُودُ، أَوْ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَيَجْرِي هَذَا الْحُكْمُ فِي تَلَفِ سَائِرِ مَحَال الأَْعْمَال (١) .

_________

(١) المهذب ١ / ٤١١، وتحفة المحتاج ٢ / ٣٧٠، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧٥، ١٧٦، والأنوار ١ / ٤١٩، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٩، ٣٥٠، وحاشية القليوبي على شرح المحلي ٣ / ١٣٣، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧٢ - ٧٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٤ - ٦٧، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٣، والحطاب والتاج والإكليل ٥ / ٤٥٣ - ٤٥٥، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه ٢ / ٤٢٠ - ٤٤٦، ٤٤٧، والمغني ٦ / ٢٥٣.

مُشَارَكَةُ الْعَامِل فِي الْعَمَل وَأَثَرُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل:

٤٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ الْتَزَمَ الْجَاعِل جُعْلًا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَل فَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:

أ - فَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ إِعَانَةَ الْعَامِل الْمُعَيَّنِ مَجَّانًا، أَوْ بِعِوَضٍ مِنَ الْعَامِل فَلاَ شَيْءَ لِلْمُعَاوِنِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَكُلُّهُ لِلْعَامِل الَّذِي عَيَّنَهُ الْجَاعِل؛ لأَِنَّ رَدَّ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ بِقَصْدِ الإِْعَانَةِ لِلْمُعَيَّنِ وَاقِعٌ عَنْهُ وَقَصْدُ الْجَاعِل الرَّدَّ مِمَّنِ الْتَزَمَ لَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ فَلاَ يُحْمَل تَعَاقُدُهُ عَلَى قَصْرِ الْعَمَل عَلَى الْمُخَاطَبِ وَحْدَهُ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

ب - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَاعِل، أَوِ الْعَمَل لِنَفْسِهِ، أَوْ قَصَدَ نَفْسَهُ وَالْجَاعِل مَعًا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ نِصْفُ الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ فِي الصُّوَرِ الأَْرْبَعِ عَمِل نِصْفَ الْعَمَل، وَلَمْ يَرْجِعْ لَهُ مِنْ عَمَل الْمُشَارِكِ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ أَصْلًا فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا.

ج - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِنَفْسِهِ وَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ، أَوْ قَصَدَ الْعَمَل لِلْعَامِل وَالْجَاعِل مَعًا، فَلِلْعَامِل الْمُعَيَّنِ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ الْجُعْل الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ وَرَجَعَ لَهُ نِصْفُ عَمَل الْمُشَارِكِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.

د - وَإِنْ قَصَدَ الْمُشَارِكُ الْعَمَل لِلْجَمِيعِ - أَيِ الْجَاعِل، وَالْعَامِل، وَنَفْسِهِ - فَلِلْعَامِل ثُلُثَا

الْجُعْل؛ لأَِنَّهُ عَمِل النِّصْفَ، وَرَجَعَ لَهُ مِنَ الْمُشَارِكِ ثُلُثُ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ سُدُسٌ يُضَمُّ إِلَى نِصْفِ الْعَامِل.

هـ - وَلَوْ أَعَانَ الْعَامِل اثْنَانِ وَلَمْ يَقْصِدَاهُ فَلَهُ ثُلُثُ الْجُعْل، أَوْ ثَلاَثَةٌ فَلَهُ الرُّبُعُ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَل لَهُ أَحَدُ الاِثْنَيْنِ، وَقَصَدَ الآْخَرُ الْجَاعِل فَلَهُ ثُلُثَاهُ وَهَكَذَا.

وَلاَ شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِأَيِّ حَالٍ فِي كُل مَا ذُكِرَ، لاَ مِنَ الْجُعْل وَلاَ مِنَ الْعَامِل؛ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى وَجُعْل الْمِثْل.

٤٤ - أَمَّا إِذَا أَذِنَ الْجَاعِل لاِثْنَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ فَأَكْثَرَ، أَوْ عَمَّمَ إِذْنَهُ وَإِعْلاَنَهُ لِكُل مَنْ يَعْمَل فَاشْتَرَكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي الْعَمَل مُنْذُ بِدَايَتِهِ وَتَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل تَامًّا، فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - وَإِنْ تَفَاوَتَ عَمَل كُلٍّ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُ ضَبْطُ الْعَمَل حَتَّى يُوَزَّعَ عَلَيْهِ الْجُعْل بِالنِّسْبَةِ.

وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ مُجْتَمِعِينَ كَرَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلًا، أَمَّا الأَْعْمَال الَّتِي يُمْكِنُ وُقُوعُ جَمِيعِهَا مِنْ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِثْل أَنْ يَقُول الْقَائِدُ: مَنْ دَخَل هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ دِينَارٌ، فَدَخَلَهُ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَارِبِينَ اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ دِينَارًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ

وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدٍ يُسَمَّى دَاخِلًا هُنَا.

إِذَا أَتَمَّ الْعَمَل وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْنِ الْمُعَيَّنَيْنِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ سِوَاهُ.

وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذَا.

٤٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ شَرَطَ الْجَاعِل لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ جُعْلًا مَجْهُولًا، كَثَوْبٍ مَثَلًا، وَشَرَطَ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرِينَ دِينَارًا عَلَى رَدِّ ضَالَّةٍ مَثَلًا، فَرَدُّوهَا جَمِيعًا مَعًا، فَلِلأَْوَّل ثُلُثُ أُجْرَةِ الْمِثْل، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنَ الآْخَرَيْنِ ثُلُثُ الدِّينَارِ الْمُسَمَّى لَهُ.

وَإِنْ قَال لِكُل وَاحِدٍ مِنْ ثَلاَثَةٍ رُدَّهَا وَلَكَ دِينَارٌ فَرَدَّهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَهُ مَا شَرَطَ لَهُ كَامِلًا - وَهُوَ الدِّينَارُ - وَإِنْ رَدَّهَا اثْنَانِ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا شَرَطَ لَهُ، وَإِنْ رَدَّهَا الثَّلاَثَةُ فَلِكُلٍّ ثُلُثُ مَا شَرَطَ لَهُ وَهَكَذَا - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ. وَإِنْ شَرَطَ لِوَاحِدٍ عَلَى رَدِّهَا دِينَارًا، وَشَرَطَ لآِخَرَ عَلَى رَدِّهَا دِينَارَيْنِ، فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، اسْتَحَقَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَرَجَّحَهُ مِنْهُمُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ.

٤٦ - وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الدِّينَارَيْنِ فَيَقْتَسِمَانِهِمَا بِنِسْبَةِ مَا سَمَّاهُ الْجَاعِل لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، إِذْ هُوَ غَايَةُ مَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الضَّالَّةِ، فَيَأْخُذُ الأَْوَّل ثُلُثَ الدِّينَارَيْنِ، وَيَأْخُذُ الآْخَرُ ثُلُثَيْهِمَا.

وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا: أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ النَّقْدِ وَالْعُرُوضِ (١)، فَلَوْ جَعَل الْجَاعِل لأَِحَدِهِمَا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى رَدِّهَا وَلِلآْخَرِ عَرَضًا فَاشْتَرَكَا فِي رَدِّهَا إِلَيْهِ، فَالرَّاجِحُ أَنْ يُقَوَّمَ الْعَرْضُ، فَإِنْ سَاوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ فَلِصَاحِبِ الْعَشَرَةِ ثُلُثَاهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُ الْعَرَضِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ ثُلُثَ الْعَشَرَةِ، أَوْ مَا يُقَابِل ذَلِكَ مِنَ الْعَرَضِ الَّذِي جُعِل لَهُ، وَيَجْرِي هَذَا أَيْضًا فِيمَا إِذَا جَعَل الْجَاعِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَرَضًا سَوَاءٌ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا أَمِ اتَّفَقَتْ.

٤٧ - وَإِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي رَدِّهَا وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ شَرَطَ لَهُ الْجَاعِل جُعْلًا، وَوَجَبَ لِلآْخَرِ جُعْلٌ مِثْلُهُ؛ لاِعْتِيَادِهِ طَلَبَ الضَّوَال، وَلَنْ يَسْمَعَ بِمُعَاقَدَةِ الْجَاعِل، فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي الأَْكْثَرِ مِنَ الْجُعْل الْمُشْتَرَطِ فِي الْعَقْدِ وَجُعْل الْمِثْل إِذَا اخْتَلَفَا قَدْرًا (٢) .

_________

(١) العروض بضم العين والراء جمع عرض بسكون الراء، المتاع، وكل شيء متمول سوى النقدين. وأما العرض بفتح الراء فيشمل المتاع والنقدين فكل عرض عرض لا عكس (لسان العرب) .

(٢) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٨، ٣٦٩، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣ / ٢٢٠، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٦، ٣٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٢، والمهذب ١ / ٤١٢، وأسنى المطالب ٢ / ٤٤١، ٤٤٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٧، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧٥، ٧٦، والمغني ٦ / ٢٥٢، وكشاف القناع ٢ / ٤١٨.

اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل فِي تَعَاقُدِ الْفُضُولِيِّ، وَالنَّائِبِ:

٤٨ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوِ الْتَزَمَ فُضُولِيٌّ - لَيْسَ مِنْ عَادَتِهِ - الاِسْتِهْزَاءُ وَالْخَلاَعَةُ وَتَوَافَرَتْ فِيهِ شَرَائِطُ الْمُلْتَزِمِ بِالْجُعْل الْمَذْكُورَةُ فِيمَا سَبَقَ جُعْلًا مُعَيَّنًا لِمَنْ يَعْثُرُ عَلَى مَال غَيْرِهِ الضَّائِعِ، أَوْ يَعْمَل لِغَيْرِهِ عَمَلًا تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهِ، كَأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّةَ فُلاَنٍ أَوْ آبِقَهُ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا، وَيَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ مَنْ سَمِعَ إِعْلاَنَهُ هَذَا وَأَتَمَّ الْعَمَل.

وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجُعْل بِقَوْلِهِ هَذَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فِيهِ بِكَلِمَةِ " عَلَيَّ " نَظَرًا إِلَى أَنَّ الْمُتَبَادَرَ وَالْمَفْهُومَ مِنْهُ ذَلِكَ.

وَالْتِزَامُ الْفُضُولِيِّ الْجُعْل فِي هَذَا الْعَقْدِ لَيْسَ كَالْتِزَامِهِ الثَّمَنَ فِي شِرَاءِ غَيْرِهِ، أَوِ الْتِزَامِهِ الْعِوَضَ عَلَى هِبَةِ غَيْرِهِ، لأَِنَّهُمَا عِوَضَا تَمْلِيكٍ فَلاَ يُتَصَوَّرُ وُجُوبُهُمَا عَلَى غَيْرِ مَنْ حَصَل لَهُ الْمِلْكُ، وَالْجُعْل لَيْسَ عِوَضَ تَمْلِيكٍ.

وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ بِالْجُعْل وَلِيًّا عَلَى صَاحِبِ الْعَمَل أَوْ وَكِيلَهُ.

فَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُ أَوْ وَكِيلَهُ وَالْتَزَمَ ذَلِكَ عَنْ مَحْجُورِهِ - الْمُوَلَّى عَلَيْهِ - أَوْ مُوَكِّلِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنَّ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ الْجُعْل فِي مَال الْمَالِكِ أَوْ صَاحِبِ الْعَمَل بِمُقْتَضَى الْتِزَامِ وَلِيِّهِ أَوْ وَكِيلِهِ.

٤٩ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ أَخْبَرَ شَخْصٌ عَنِ الْتِزَامِ الْمَالِكِ جُعْلًا عَلَى رَدِّ مَالِهِ الضَّائِعِ مَثَلًا بِأَنْ

قَال: قَال زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ كَذَا، فَإِنْ كَذَّبَهُ زَيْدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِل الرَّادُّ لَهَا شَيْئًا عَلَى " الْمُخْبِرِ " لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَلاَ عَلَى " زَيْدٍ " لِتَكْذِيبِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَبِمِثْل ذَلِكَ قَال الْحَنَابِلَةُ - وَلاَ تُقْبَل شَهَادَةُ الْمُخْبِرِ عَلَى " زَيْدٍ " بِأَنَّ قَوْلَهُ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَرْوِيجِ قَوْلِهِ.

وَأَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَى " زَيْدٍ " الْجُعْل الَّذِي سَمَّاهُ الْمُخْبِرُ فِي إِخْبَارِهِ عَنْهُ إِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِ الْعَامِل صِدْقُهُ - وَلَوْ كَانَ كَافِرًا أَوْ صَبِيًّا - لِتَرَجُّحِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِوُثُوقِهِ.

وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل عَلَيْهِ شَيْئًا، وَكَذَا لاَ يَسْتَحِقُّ عَلَى " زَيْدٍ " أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ صَدَّقَ الْمُخْبِرَ فِي إِخْبَارِهِ لِضَعْفِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِل بِخَبَرِ غَيْرِ الثِّقَةِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ غَيْرَ عَالِمٍ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَالْتِزَامِهِ (١) .

وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

تَغْيِيرُ الْجَاعِل الْجُعْل بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ أَوِ

التَّبْدِيل وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ:

٥٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْجَاعِل أَنْ يُغَيِّرَ فِي

_________

(١) تحفة المحتاج ٢ / ٣٦٦، ٣٦٧، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ٤٣٩، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧٢، ١٧٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤٢٩، ٤٣٠، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣ / ٢١٩، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤ / ٤٤٢، ٤٤٣، والخرشي وحاشية العدوي عليه ٧ / ٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٤١٨.

الْجُعْل الَّذِي شَرَطَهُ لِلْعَامِل - مُعَيَّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ - بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِتَغْيِيرِ جِنْسِهِ قَبْل فَرَاغِ الْعَامِل مِنَ الْعَمَل، سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْل شُرُوعِهِ فِي الْعَمَل أَمْ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِثْل أَنْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ عَشَرَةٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ عَكْسُهُ.

أَوْ يَقُول: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي فَلَهُ دِينَارٌ، ثُمَّ يَقُول بَعْدَ ذَلِكَ: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ عَكْسُهُ. فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِذَلِكَ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل اعْتُبِرَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ، وَيَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل الَّذِي اشْتُرِطَ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ أَقَل مِنَ الأَْوَّل أَمْ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ جِنْسِهِ أَمْ لاَ - وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الرَّاجِحِ.

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْعَامِل بِالإِْعْلاَنِ الأَْخِيرِ قَبْل الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل، وَعَمِل جَاهِلًا بِذَلِكَ حَتَّى أَتَمَّ الْعَمَل، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَإِنْ كَانَ الإِْعْلاَنُ الأَْخِيرُ - بِزِيَادَةِ الْجُعْل أَوْ نُقْصَانِهِ - بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَل وَقَبْل الْفَرَاغِ مِنْهُ، وَأَتَمَّ الْعَامِل الْعَمَل بَعْدَ أَنْ عَلِمَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمَ بِالإِْعْلاَنِ الأَْوَّل أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهُ أَيْضًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - أُجْرَةُ الْمِثْل لِجَمِيعِ الْعَمَل، لأَِنَّ الإِْعْلاَنَ الأَْخِيرَ فَسْخٌ لِلأَْوَّل، وَالْفَسْخُ مِنَ الْجَاعِل أَثْنَاءَ الْعَمَل يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْل كَمَا سَيَأْتِي.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ لَهُ الْجُعْل الْمُسَمَّى