الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥
الْحَنَابِلَةُ، إِلاَّ أَنَّهُمْ خَالَفُوا الشَّافِعِيَّةَ فِي أَنَّ لِلْعَامِل أَنْ يَرْجِعَ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ إِنْ كَانَ حَيًّا، أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ إِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ فِي الإِْنْقَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الاِسْتِئْذَانِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل يَسْتَحِقُّ جُعْلًا أَمْ لاَ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْمَال بِيَدِ الْعَامِل وَسَلَّمَهُ لِلْمَالِكِ أَمْ لاَ، حَتَّى لَوْ هَرَبَتِ الضَّالَّةُ مَثَلًا مِنْهُ، أَوْ مَاتَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَالِكِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا قَبْل هَرَبِهَا أَوْ مَوْتِهَا؛ لأَِنَّ الإِْنْفَاقَ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَحَثًّا عَلَى صِيَانَةِ الضَّالَّةِ لِمَالِكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَ الْعَامِل عَلَى الضَّالَّةِ بِإِذْنِ مَالِكِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَنْوِ الْعَامِل التَّبَرُّعَ بِالنَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ نَاوِيًا التَّبَرُّعَ بِهَا فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى الْمَالِكِ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلاَ يَجُوزُ لِلْعَامِل اسْتِخْدَامُ الضَّالَّةِ أَوِ الآْبِقِ بِنَفَقَتِهِ كَالْمَرْهُونِ (١) .
حَبْسُ الْمَال الْمَرْدُودِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ النَّفَقَةِ:
٣٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَحْبِسَ الْمَال الْمُتَعَاقَدَ عَلَى رَدِّهِ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْجَاعِل، أَوِ الْمَالِكِ، أَوِ الْقَاضِي، أَوْ
_________
(١) أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٢ / ٤٤٢، ٤٤٣، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٣ / ٢٢٢، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٣ / ١٧٦، ومنح الجليل ٤ / ١١، والخرشي العدوي عليه ٧ / ٧٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٧، وكشاف القناع وشرح المنتهى بهامشه ٢ / ٤٢٠، ٤٤٧.
بِالإِْشْهَادِ، أَوْ لِتَعَذُّرِ الإِْذْنِ مِنْهُمْ، (١) وَلَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَمَّا الْحَبْسُ عَنِ الْجَاعِل لاِسْتِيفَاءِ الْجُعْل فَسَيَأْتِي.
اسْتِحْقَاقُ الْجُعْل وَشَرَائِطُهُ:
الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِجُعْلٍ:
٣١ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل الْجُعْل إِلاَّ إِذَا كَانَ هُنَاكَ إِذْنٌ بِالْعَمَل مُشْتَمِلٌ عَلَى جُعْلٍ يُقَابِل ذَلِكَ الْعَمَل، فَإِنْ أَذِنَ الْجَاعِل لِلْعَامِل وَشَرَطَ لَهُ الْجُعْل اسْتَحَقَّ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى لأَِنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَنْفَعَةً بِعِوَضٍ فَاسْتَحَقَّ الْعِوَضَ كَالأَْجِيرِ، أَمَّا إِذَا عَمِل الْعَامِل عَمَلًا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، كَأَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً فَرَدَّهَا إِلَى صَاحِبِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجُعْل، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ أَوِ الضَّوَال بِعِوَضٍ؛ لِعَدَمِ الاِلْتِزَامِ لَهُ بِشَيْءٍ فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا.
وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ إِلاَّ فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى مِنْهُمَا - مَا إِذَا كَانَ الْمَرْدُودُ عَبْدًا آبِقًا، وَكَانَ الْمُرَادُ لَهُ غَيْرَ السُّلْطَانِ وَمَنْ يُنِيبُهُ، فَإِنَّ الْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَحِقُّ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ جُعْلًا لِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِذْنٌ وَلاَ جُعْلٌ وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ فِي رَدِّ الآْبِقِ كَمَا سَيَأْتِي
_________
(١) نفس المراجع السابقة للشافعية.
وَيَسْتَحِقُّهُ الْعَامِل سَوَاءٌ أَكَانَ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الإِْبَاقِ بِعِوَضٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. وَسَوَاءٌ أَكَانَ الرَّدُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ - كَزَوْجٍ لِلْعَبْدِ أَوْ ذِي رَحِمٍ يَعُولُهُ الْمَالِكُ - أَمْ لاَ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ عَلَى حِفْظِهِ وَصِيَانَتِهِ عَمَّا يَخَافُ مِنْهُ مِنْ لَحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَالسَّعْيِ فِي الأَْرْضِ بِالْفَسَادِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالأَْمْوَال، أَمَّا إِنْ رَدَّهُ السُّلْطَانُ أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ فِي رَدِّهِ؛ لأَِنَّهُ مُنَصَّبٌ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَيَأْخُذُ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَال لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِيَةُ - مَا إِذَا كَانَ الْعَمَل فِيهِ إِنْقَاذُ وَتَخْلِيصُ مَال الْغَيْرِ مِمَّا يَظُنُّ هَلاَكَهُ لَوْ تُرِكَ، فَإِنَّ لِلْعَامِل فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ وَلَوْ بِدُونِ إِذْنٍ وَلاَ جُعْلٍ مِنَ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ لِلْحَثِّ وَالتَّرْغِيبِ فِي إِنْقَاذِ الأَْمْوَال مِنَ الْهَلاَكِ (١) .
٣٢ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِطَلَبِ الضَّوَال وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، وَرَدِّهَا بِعِوَضٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ جُعْل مِثْلِهِ، وَلاَ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا - كَمَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَاحِبُ الضَّالَّةِ يَتَوَلَّى الإِْتْيَانَ بِهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَدَمِهِ أَمْ لاَ. . . وَلِصَاحِبِ الضَّالَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَتُهَا تُسَاوِي جُعْل الْمِثْل أَمْ أَقَل أَمْ أَكْثَرَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ الْعَامِل أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى هَذَا، وَيَتَمَسَّكَ بِجُعْل الْمِثْل، وَإِنْ
_________
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٠٦ ط بيروت.
لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلاَ جُعْل لَهُ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ (ف ٢٧ - ٢٨) .
الإِْذْنُ فِي الْعَمَل بِدُونِ جُعْلٍ:
٣٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ عَمِل شَخْصٌ بِإِذْنِ شَخْصٍ آخَرَ أَوْ إِعْلاَنِهِ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْرُطَ فِيهِ جُعْلًا لَهُ فَلاَ شَيْءَ لَهُ وَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَل؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا عَلَى عَمَلِهِ.
وَبِمِثْل هَذَا قَال الْمَالِكِيَّةُ - إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعْتَادًا وَمَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ فِي الْفِقْرَةِ السَّابِقَةِ وَبِمِثْلِهِ أَيْضًا قَال الْحَنَابِلَةُ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَامِل مُعَدًّا لأَِخْذِ الأُْجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَدًّا لِذَلِكَ كَالْمَلاَّحِ وَالْخَيَّاطِ، وَالدَّلاَّل، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَرْصُدُ نَفْسَهُ لِلتَّكَسُّبِ بِالْعَمَل، وَأَذِنَ لَهُ صَاحِبُ الْمَال فِي الْعَمَل، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل، لِدَلاَلَةِ الْعُرْفِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا يُسْتَثْنَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ أَيْضًا: الْحَالَتَانِ الْمُفَصَّلَتَانِ فِيمَا سَبَقَ (ف / ٣١) .
سَمَاعُ الإِْذْنِ بِالْعَمَل وَالْعِلْمُ بِهِ:
٣٤ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل أَنْ يَسْمَعَ إِذْنَ الْجَاعِل فِي ذَلِكَ أَوْ يَعْلَمَ بِهِ، فَلَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ مَثَلًا مَنْ سَمِعَ الإِْذْنَ قَبْل الْعَمَل اسْتَحَقَّ الْجُعْل الْمُسَمَّى عَلَى الْجَاعِل؛ لأَِنَّهُ الْمُلْتَزِمُ لَهُ، سَوَاءٌ سَمِعَهُ مُبَاشَرَةً أَوْ بِوَاسِطَةِ
إِفَادَتِهِ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُخَصِّصِ الْجَاعِل إِذْنَهُ بِالسَّامِعِينَ لَهُ فَقَطْ، فَإِنْ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ بِأَنْ قَال: مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ سَامِعِي نِدَائِي هَذَا فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهَا مَنْ عَلِمَ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَإِنْ عَمِل طَامِعًا فِي الْجُعْل، وَكَذَلِكَ لاَ شَيْءَ لِلْعَامِل لَوْ عَمِل بَعْدَ الإِْذْنِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْعَامِل مُخَصَّصًا أَوْ قَاصِدًا الْعِوَضَ أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلَوْ قَال الْجَاعِل: مَنْ رَدَّهَا فَلَهُ كَذَا، أَوْ إِنْ رَدَّهَا خَالِدٌ فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهَا مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِْذْنُ الْعَامُّ، أَوْ رَدَّهَا خَالِدٌ بِدُونِ أَنْ يَبْلُغَهُ ذَلِكَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنَ الْجُعْل وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّ مِثْل هَذَا الْعَمَل لاَ يَضِيعُ هَدَرًا، لأَِنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل بِالإِْذْنِ وَالْجُعْل فِي أَثْنَاءِ الْعَمَل فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْجُعْل بِنِسْبَةِ مَا أَتَمَّهُ مِنَ الْعَمَل بَعْدَ الْعِلْمِ بِالإِْذْنِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا عَنِ الْعَمَل الْحَاصِل قَبْل عِلْمِهِ لأَِنَّهُ لاَ اعْتِبَارَ لِلْعَمَل الْحَادِثِ قَبْل الإِْذْنِ فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا بِهِ، وَبِمِثْل هَذَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَا عَدَا الْحَالَتَيْنِ السَّابِقَ ذِكْرُهُمَا (ف / ٣١) .
وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ هَذَا فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ إِذْنَ الْجَاعِل لاَ مُبَاشَرَةً وَلاَ بِوَاسِطَةٍ فَقَالُوا: يَسْتَحِقُّ جُعْل الْمِثْل عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ صَاحِبُ الْمَال أَصْلًا (ف / ٣٢) .
إِلاَّ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا هُنَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الضَّالَّةِ
مَثَلًا فِي تَرْكِهَا لِلْعَامِل، فَقَال الأَُجْهُورِيُّ: لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لِلْعَامِل هُنَا أَيْضًا عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ جُعْل الْمِثْل، وَقَال الرَّمَاصِيُّ: لَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا لِلْعَامِل هُنَا جُعْل مِثْلِهِ، إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الأَْعْمَال بِعِوَضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَلَهُ النَّفَقَةُ. (١)
تَحْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ:
٣٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل إِنْ رَدَّ زَيْدٌ دَابَّتِي الضَّالَّةَ فَلَهُ كَذَا، فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَلَوْ رَدَّهَا عَمْرٌو مَثَلًا لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ عِوَضًا فَوَقَعَ عَمَلُهُ تَبَرُّعًا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَسْتَحِقُّ عَمْرٌو جُعْل الْمِثْل إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَدَاءِ مِثْل هَذَا الْعَمَل بِعِوَضٍ، وَإِلاَّ فَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ ذِكْرُهُ (٢) . (ف ٢٨ وَ٢٩) .
_________
(١) المهذب ١ / ٤١١، وأسنى المطالب ٢ / ٤٣٩، ٤٤٠، وتحفة المحتاج ٢ / ٣٦٦، والأنوار ١ / ٤١٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤١، ٣٤٤، والخرشي ٧ / ٧٤ - ٧٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ٤ / ٦٦، ٦٧، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٥٧، وكشاف القناع وشرح المنتهى ٢ / ٤١٧، ٤١٩، ٤٤٣، ٤٤٦.
(٢) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤١، وأسنى المطالب ٢ / ٤٣٩، ٤٤٠، وكشاف القناع ٢ / ٤١٧، والمغني ٦ / ٣٥٢، وشرائع الإسلام ٢ / ١١٧، وللمالكية المراجع المذكورة بالفقرتين المنوه عنهما.
تَخْصِيصُ الإِْذْنِ وَالْجُعْل بِمَكَانٍ مُعَيَّنٍ:
٣٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: لَوْ قَال الْجَاعِل مَنْ رَدَّ ضَالَّتِي مِنْ بَغْدَادَ مَثَلًا فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ يُنْظَرُ: فَإِنْ رَدَّهَا الْعَامِل مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فِعْلًا، لَكِنْ مِنْ أَبْعَدَ مِنَ الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ فِي الْعَقْدِ فَلاَ زِيَادَةَ لَهُ عَلَى الْجُعْل الْمُسَمَّى، لِتَبَرُّعِهِ بِالْمَسَافَةِ الزَّائِدَةِ، وَلَوْ رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ فَلَهُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ الْجُعْل إِنْ تَسَاوَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً، لأَِنَّ كُل الْجُعْل فِي مُقَابَلَةِ كُل الْعَمَل، فَبَعْضُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ فَإِنْ تَفَاوَتَتِ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَصُعُوبَةً بِأَنْ كَانَ النِّصْفُ الَّذِي أَتَى بِهِ مَثَلًا لَهُ مِنَ الأُْجْرَةِ ضِعْفَ النِّصْفِ الآْخَرِ عُمِل بِذَلِكَ فِي الْجُعْل فَيَسْتَحِقُّ ثُلُثَيِ الْجُعْل.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ: إِذَا رَدَّهَا مِنْ مَسَافَةٍ مِثْل مَسَافَةِ بَغْدَادَ وَلَوْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل الْمُسَمَّى - عَشْرَةَ دَنَانِيرَ - لأَِنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الْمَكَانِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الإِْرْشَادُ إِلَى مَوْضِعٍ أَوْ مَظِنَّةٍ وَنَحْوِهِ، لاَ أَنَّ الرَّدَّ مِنْهُ شَرْطٌ فِي أَصْل الاِسْتِحْقَاقِ، إِذْ لَوْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ ذَلِكَ لَكَانَ إِذَا رَدَّهَا مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لأَِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ مِنْهُ.
وَقِيل: لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مُطْلَقًا، لأَِنَّ الْجَاعِل لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الرَّدِّ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ الأُْخْرَى، وَبِمِثْل هَذَا الْقَوْل الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال الْحَنَابِلَةُ.
٣٧ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْجُعْل
فِي الدَّابَّةِ الضَّالَّةِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَالِمًا بِمَكَانِهَا؛ لأَِنَّ مَنْ عَلِمَ مَكَانَهَا غَارَ وَخَادَعَ لِصَاحِبِهِ وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ، فَإِنْ عَلِمَ الْجَاعِل مَكَانَهَا وَجَهِلَهُ الْعَامِل، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْجَاعِل الأَْكْثَرُ مِنَ الْجُعْل الْمُسَمَّى، وَأُجْرَةِ الْمِثْل لِلْعَامِل، وَإِنْ عَلِمَ الْعَامِل فَقَطْ فَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ شَيْءَ لَهُ، وَيَكُونُ آثِمًا ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ إِنْ تَلِفَتْ؛ لأَِنَّ الإِْتْيَانَ بِهَا لِصَاحِبِهَا صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِ حَيْثُ عَلِمَ مَكَانَهَا دُونَ صَاحِبِهَا.
وَإِنْ عَلِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَكَانَهَا فَالرَّاجِحُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِل جُعْل مِثْلِهِ، نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِل بِالنِّدَاءِ وَهُوَ الإِْيجَابُ (١) .
الدَّلاَلَةُ عَلَى الْمَال الضَّائِعِ، وَالإِْخْبَارُ عَنْهُ:
٣٨ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ جَعَل شَخْصٌ لِمَنْ دَلَّهُ عَلَى مَالِهِ الضَّائِعِ جُعْلًا، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ مَنْ لَيْسَ الْمَال فِي يَدِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْل، لأَِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ تَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْبَحْثِ عَنْهُ، ثُمَّ دَلاَلَةُ الْجَاعِل عَلَيْهِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ الْمُتْعِبُ حَادِثًا بَعْدَ إِعْلاَنِ الْجَاعِل لاَ قَبْلَهُ؛ لأَِنَّهُ لاَ عِبْرَةَ بِالْعَمَل الْحَادِثِ قَبْلَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْل. وَكَذَلِكَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٤ / ٣٤٥، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣١، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٢ / ٢٥٧، والخرشي وحاشية العدوي ٧ / ٧٠، ٧١، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن ٢ / ١٦٣، والمغني ٢ / ٣٥٣، وكشاف القناع ٢ / ٤١٨.
لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مَنْ كَانَ الْمَال الضَّائِعُ فِي يَدِهِ، وَدَل صَاحِبَهُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا فَلاَ يَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ لَوْ جَعَل جُعْلًا لِمَنْ أَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ كَدَوَاءٍ يَنْفَعُهُ مَثَلًا فَأَخْبَرَهُ شَخْصٌ بِهِ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلٍ، أَمَّا إِنْ تَعِبَ الْمُخْبِرُ وَصَدَقَ فِي إِخْبَارِهِ، وَكَانَ لِلْجَاعِل الْمُسْتَخْبِرُ غَرَضٌ وَمَنْفَعَةٌ فِي الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْجُعْل.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ الدَّال أَوِ الْمُخْبِرُ مَكَانَ الْمَال الضَّائِعِ، أَوِ الأَْمْرِ الْمَطْلُوبِ الإِْخْبَارُ عَنْهُ قَبْل إِعْلاَنِ الْجَاعِل أَوْ تَعَاقُدِهِ مَعَهُ فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْل إِنْ عَلِمَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّعَاقُدِ، سَوَاءٌ أَكَانَ هُنَاكَ تَعَبٌ أَوْ مَشَقَّةٌ فِي سَبِيل عِلْمِهِ بِذَلِكَ أَمْ لاَ، كَأَنْ عَلِمَ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ، وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إِنْ عَلِمَ قَبْل التَّعَاقُدِ (١) .
الْفَرَاغُ مِنَ الْعَمَل وَالتَّسْلِيمُ لِلْجَاعِل:
٣٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِالْجِعَالَةِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لاِسْتِحْقَاقِ الْعَامِل الْجُعْل الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَنْ يُتِمَّ الْعَمَل الْمُجَاعَل عَلَيْهِ، وَيَفْرُغَ مِنْهُ وَيُسَلِّمَهُ لِلْجَاعِل فَلاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ ذَلِكَ، فَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الآْبِقُ أَوِ الدَّابَّةُ
_________
(١) أسنى المطالب ٢ / ٤٤٠، ٤٤١، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٤٤، والحطاب ٥ / ٤٥٥، ومنح الجليل ٤ / ١٠، وحاشية العدوي على الخرشي ٧ / ٧١، وكشاف القناع ٢ / ٤١٧.
الضَّالَّةُ، أَوْ تَلِفَ الْمَال الْمَرْدُودُ، أَوْ غُصِبَ مِنْ يَدِ الْعَامِل فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ وَلَوْ بِقُرْبِ دَارِ الْجَاعِل، أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِل فَرَجَعَ لِلْجَاعِل بِنَفْسِهِ، أَوْ هَرَبَ الْمَرْدُودُ وَلَوْ مِنْ دَارِ الْجَاعِل قَبْل تَسْلِيمِهِ لَهُ، فَلاَ شَيْءَ لِلْعَامِل فِي كُل هَذَا، لِتَعَلُّقِ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْجُعْل بِالرَّدِّ، وَتَسْلِيمِ الْمَرْدُودِ لِلْجَاعِل، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ ذَلِكَ.
إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: إِنْ أَفْلَتَ الْحَيَوَانُ الْمَرْدُودُ مِنْ يَدِ الْعَامِل وَهَرَبَ قَبْل تَسْلِيمِهِ لِلْجَاعِل، فَإِنْ جَاءَ بِهِ - مِنْ غَيْرِ تَعَاقُدِ - عَامِلٍ آخَرَ مِنْ عَادَتِهِ رَدُّ الضَّوَال وَالإِْبَاقِ بِعِوَضٍ، فَلاَ شَيْءَ لِلأَْوَّل وَكُل الْجُعْل لِلثَّانِي إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنِ الْجَاعِل، أَوْ مِنْ مَكَانِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ الْعَامِل الأَْوَّل، أَمَّا إِنْ جَاءَ بِهِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنَ الْجَاعِل، أَوْ قَبْل أَنْ يَصِل إِلَى مَكَانِ الأَْوَّل، فَلِكُلٍّ مِنَ الْعَامِلَيْنِ - الأَْوَّل وَالثَّانِي - بِنِسْبَةِ عَمَلِهِ مِنَ الْجُعْل مَنْظُورًا فِي ذَلِكَ لِسُهُولَةِ الطَّرِيقِ وَصُعُوبَتِهَا لاَ لِمُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ؛ لأَِنَّ الثَّانِيَ انْتَفَعَ بِعَمَل الأَْوَّل حِينَئِذٍ.
٤٠ - وَكَمَا لاَ يَسْتَحِقُّ الْعَامِل شَيْئًا إِنْ لَمْ يَقَعْ عَمَلُهُ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل، فَكَذَلِكَ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِعَمَلِهِ أَثَرٌ عَلَى الْمَحَل، أَوْ لَمْ يُمْكِنِ الإِْتْمَامُ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ - يُرَاجَعُ فِي مُطَوَّلاَتِهِمْ - حَاصِلُهُ أَنَّهُ إِنْ تَلِفَ مَعْمُول الْعَامِل قَبْل تَمَامِ عَمَلِهِ، فَإِنْ وَقَعَ مُسَلَّمًا لِلْجَاعِل بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ، أَوْ فِي