الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

وَذَلِكَ لأَِنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ لِلْفُقَرَاءِ فَلاَ يُنَاسِبُ ذَلِكَ الإِْجْحَافَ بِمَال الأَْغْنِيَاءِ. وَلاَ يَأْخُذُ مِنْ أَرْدَئِهَا بَل يَأْخُذُ الْوَسَطَ.

وَيُسْتَحَبُّ لِلْجَابِي إِذَا قَبَضَ الصَّدَقَةَ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُزَكِّي (١)، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَل عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (٢) وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى قَال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل فُلاَنٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَةٍ فَقَال: اللَّهُمَّ صَل عَلَى آل أَبِي أَوْفَى (٣) وَلاَ يَجِبُ الدُّعَاءُ. قَال ابْنُ حَجَرٍ: لأَِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ السُّعَاةَ؛ وَلأَِنَّ سَائِرَ مَا يَأْخُذُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالدُّيُونِ وَغَيْرِهِمَا لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الدُّعَاءُ، فَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَأَمَّا الآْيَةُ فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ خَاصًّا بِهِ لِكَوْنِ صَلاَتِهِ سَكَنًا بِخِلاَفِ غَيْرِهِ.

وَمِنَ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُول: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ، وَجَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْطِي أَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ

_________

(١) روضة الطالبين ٢ / ٢١٠ ط المكتب الإسلامي، والكافي ١ / ٣٢٩ ط المكتب الإسلامي، وفتح الباري ٣ / ٣٦٠ ط الرياض.

(٢) سورة التوبة / ١٠٣.

(٣) حديث: " كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صلى على آل فلان ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦١ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧٥٦ - ط الحلبي) .

اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلاَ تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا (١) .

وَنُقِل وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ دُعَاءَ قَابِضِ الصَّدَقَةِ لِدَافِعِهَا وَاجِبٌ عَمَلًا بِظَاهِرِ الآْيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَل عَلَيْهِمْ﴾ (٢) .

رَابِعًا - جِبَايَةُ الْفَيْءِ:

١٦ - الْفَيْءُ مِنْ مَوَارِدِ بَيْتِ الْمَال، وَهُوَ الْمَال الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلاَ إِيجَافِ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ.

وَيَشْمَل الْفَيْءُ عَدَدًا مِنَ الأَْمْوَال مِنْهَا مَا هَرَبَ عَنْهُ الْكُفَّارُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَمِنْهَا الْجِزْيَةُ، وَالْخَرَاجُ، وَالْعُشُورُ. (٣)

أ - جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ:

١٧ - الْجِزْيَةُ لُغَةً: اسْمٌ لِلْمَال الْمَأْخُوذِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ (٤) .

وَاصْطِلاَحًا عِبَارَةٌ عَنْ وَظِيفَةٍ أَوْ مَالٍ يُؤْخَذُ مِنَ الْكَافِرِ فِي كُل عَامٍ مُقَابِل إِقَامَتِهِ فِي دِيَارِ الإِْسْلاَمِ (٥) .

_________

(١) نيل الأوطار ٤ / ٢١٧ - ٢١٨ ط الجيل، وفتح الباري ٣ / ٣٦١ - ٣٦٢.

(٢) سورة التوبة / ١٠٣.

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٥٤، والفتاوى الهندية ٢ / ٢٠٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، وكشاف القناع ٣ / ١٠٠، ط النصر، والمغني ٦ ط الرياض.

(٤) لسان العرب والمصباح المنير وأساس البلاغة.

(٥) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٤٤، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٦، وكفاية الأخيار ٢ / ١٣٣، والمغني ٨ / ٤٩٥ ط الرياض.

أَمَّا الإِْنَابَةُ فِي أَدَائِهَا وَمِقْدَارُهَا وَمَتَى تَجِبُ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ مُصْطَلَحِ: (جِزْيَةٌ) .

١٨ - وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ جِبَايَتِهَا فَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمُ الْخُرَاسَانِيُّونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ صُوَرًا لِكَيْفِيَّةِ الصَّغَارِ مِنْهَا: الْوَارِدُ فِي الآْيَةِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ وَهُوَ قَائِمٌ، وَيَكُونُ الْقَابِضُ قَاعِدًا، وَتَكُونُ يَدُ الْقَابِضِ أَعْلَى مِنْ يَدِ الذِّمِّيِّ، وَيَقُول لَهُ الْقَابِضُ أَعْطِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ (١) .

وَقَال النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ: إِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْسِيرُ الصَّغَارِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِ الإِْسْلاَمِ وَجَرَيَانِهَا عَلَيْهِمْ، وَنَقَل عَمِيرَةُ الْبُرُلُّسِيُّ نَحْوَهُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ فَقَدْ قَال: إِنْ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ أَخَذَهَا بِأَحْمَالٍ وَلَمْ يُضَرَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَنَلْهُ بِقَوْلٍ قَبِيحٍ. قَالُوا: وَأَشَدُّ الصَّغَارِ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمَا لاَ يَعْتَقِدُهُ وَيُضْطَرَّ إِلَى احْتِمَالِهِ.

وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ مِنْ أَنَّ أَهْل الذِّمَّةِ لاَ يُعَذَّبُونَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ (٢) .

فَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَال: مَرَّ هِشَامُ بْنُ

_________

(١) الاختيار ٤ / ١٣٩ ط المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٧، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٩، والمغني ٨ / ٥٣٧.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٢٧٠ - ٢٧١، والاختيار ٤ / ١٣٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٧، والدسوقي ابن عابدين ٣ / ٢٧٠ - ٢٧١، والاختيار ٤ / ١٣٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٧، والدسوقي ٢ / ٢٠٢، والخرشي ٣ / ١٤٥، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٣٢ - ٢٣٣، وروضة الطالبين ١٠ / ٣١٥ - ٣١٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٨٩، وكشاف القناع ٣ / ١٢٣، والمغني ٨ / ٥٣٧.

حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَْنْبَاطِ بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فَقَال: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالُوا: حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ، فَقَال هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا (١) .

وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَالٍ كَثِيرٍ، قَال أَبُو عُبَيْدٍ: أَحْسَبُهُ الْجِزْيَةَ فَقَال: إِنِّي لأَظُنُّكُمْ قَدْ أَهْلَكْتُمُ النَّاسَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذْنَا إِلاَّ عَفْوًا صَفْوًا قَال: بِلاَ سَوْطٍ وَلاَ نَوْطٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَل ذَلِكَ عَلَى يَدِيَّ وَلاَ فِي سُلْطَانِي (٢) .

ب - جِبَايَةُ الْخَرَاجِ:

١٩ - الْخَرَاجُ فِي اللُّغَةِ: اسْمٌ لِلْكِرَاءِ وَالْغَلَّةِ وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٣) وَهُوَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مَا وُضِعَ عَلَى رِقَابِ الأَْرْضِ مِنْ حُقُوقٍ تُؤَدَّى عَنْهَا لِبَيْتِ الْمَال. وَالأَْرْضُ الْمُخْتَصَّةُ بِوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا هِيَ الَّتِي صُولِحَ عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَرْضِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ وَلَنَا عَلَيْهَا الْخَرَاجُ. وَكَذَلِكَ الأَْرْضُ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً عِنْدَ

_________

(١) حديث: " إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠١٨ - ط الحلبي) .

(٢) الأموال للقاسم بن سلام ص ٤٣. ط التجارية.

(٣) حديث: " الخراج بالضمان ". أخرجه أبو داود (٣ / ٧٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ١٥ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

مَنْ يَقُول بِوَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا (١) .

فَأَمَّا مِقْدَارُ الْخَرَاجِ الْمَأْخُوذِ فَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَرَاجٌ) .

ج - جِبَايَةُ عُشُورِ أَهْل الذِّمَّةِ:

٢٠ - الْعُشْرُ ضَرِيبَةٌ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ عَنْ أَمْوَالِهِمْ الَّتِي يَتَرَدَّدُونَ بِهَا مُتَاجِرِينَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ يَدْخُلُونَ بِهَا مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، أَوْ يَنْتَقِلُونَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، تُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً مَا لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الإِْسْلاَمِ ثُمَّ يَعُودُوا إِلَيْهَا مِثْلُهَا عُشُورُ أَهْل الْحَرْبِ مِنَ التُّجَّارِ كَذَلِكَ إِذَا دَخَلُوا بِتِجَارَتِهِمْ إِلَيْنَا مُسْتَأْمِنِينَ (٢) .

مَا يُشْتَرَطُ فِي جَابِي الْخَرَاجِ:

٢١ - يُرْسِل الإِْمَامُ بَعْضَ أَهْل الْخِبْرَةِ لِيُقَدِّرَ مَا يُوضَعُ عَلَى الأَْرَضِينَ الْخَرَاجِيَّةِ مِنَ الْخَرَاجِ فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ وَعُلِمَ يُرْسِل الإِْمَامُ مَنْ يَجْبِي الْخَرَاجَ فِي مَوْعِدِهِ حَسَبَ التَّقْدِيرِ السَّابِقِ، وَيُشْتَرَطُ فِي مَنْ يَقُومُ بِجِبَايَةِ عُمُومِ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ أَمْوَال الْفَيْءِ مِنْ خَرَاجٍ وَغَيْرِهِ، الإِْسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالأَْمَانَةُ، وَالاِضْطِلاَعُ بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ

_________

(١) المصباح مادة: (خرج)، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٤٦ - ١٤٨ ط المكتبة العلمية.

(٢) الموسوعة الفقهية ٨ / ٢٤٦ ف ٩.

يَكُونَ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا؛ لأَِنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ مَا اسْتَقَرَّ بِوَضْعِ غَيْرِهِ (١) .

فَإِنْ كَانَتْ وِلاَيَتُهُ عَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ أَمْوَال الْفَيْءِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا وَلِيَهُ مِنْهَا، وَحِينَئِذٍ لاَ يَخْلُو حَالُهُ عَنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ لاَ يَسْتَغْنِيَ فِيهِ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فِيهِ عَنْ الاِسْتِنَابَةِ اعْتُبِرَ فِيهِ الإِْسْلاَمُ وَالْحُرِّيَّةُ مَعَ اضْطِلاَعِهِ بِشُرُوطِ مَا وَلِيَ مِنْ مِسَاحَةٍ أَوْ حِسَابٍ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا وَلاَ عَبْدًا لأَِنَّ فِيهَا وِلاَيَةً، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْ الاِسْتِنَابَةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لأَِنَّهُ كَالرَّسُول الْمَأْمُورِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ ذِمِّيًّا فَيُنْظَرُ فِيمَا رُدَّ إِلَيْهِ مِنْ مَال الْفَيْءِ، فَإِنْ كَانَتْ مُعَامَلَتُهُ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَالْخَرَاجِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رِقَابِ الأَْرَضِينَ إِذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ فَفِي جَوَازِ كَوْنِهِ ذِمِّيًّا وَجْهَانِ. هَذَا وَإِذَا بَطَلَتْ وِلاَيَةُ الْعَامِل فَقَبَضَ مَال الْفَيْءِ مَعَ فَسَادِ وِلاَيَتِهِ بَرِئَ الدَّافِعُ مِمَّا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَنْهَهُ عَنِ الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ الْقَابِضَ مِنْهُ مَأْذُونٌ لَهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ وِلاَيَتُهُ وَجَرَى فِي الْقَبْضِ مَجْرَى الرَّسُول، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلاَيَتِهِ وَفَسَادِهَا أَنَّ لَهُ الإِْجْبَارَ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلاَيَةِ وَلَهُ الإِْجْبَارَ مَعَ فَسَادِهَا، فَإِنْ نُهِيَ عَنِ الْقَبْضِ مَعَ فَسَادِ وِلاَيَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقَبْضُ وَلاَ الإِْجْبَارُ وَلَمْ يَبْرَأَ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٠ ط العلمية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢ / ١٥٧ ط مصطفى الحلبي.

إِذَا عَلِمَ بِنَهْيِهِ. وَفِي بَرَاءَتِهِ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّهْيِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى عَزْل الْوَكِيل إِذَا تَصَرَّفَ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالْعَزْل (١) .

هَذَا وَيُعَيِّنُ الْجَابِي شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ لِجِبَايَةِ تِلْكَ الأَْمْوَال، وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ مُقَابِل عَمَلِهِ فَهُوَ كَمَا ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ كِفَايَةُ سَنَةٍ وَيُقَدِّمُهُ الإِْمَامُ عَلَى غَيْرِهِ عِنْدَ الْقِسْمَةِ بَعْدَ آل النَّبِيِّ ﷺ (٢) .

مُحَاسَبَةُ الإِْمَامِ لِلْجُبَاةِ:

٢٢ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ مُحَاسَبَةُ الْجُبَاةِ تَأَسِّيًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ لأَِنَّهُ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَل رَجُلًا مِنَ الأَْسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ (٣) وَهُوَ أَصْلٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْجُبَاةِ.

وَيَجِبُ عَلَى الْجُبَاةِ أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ مَعَ الإِْمَامِ فَلاَ يُخْفُوا شَيْئًا مِنَ الْمَال الَّذِي جَمَعُوهُ لأَِنَّهُ مِنَ الأَْمَانَةِ (٤) . وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول وَتَخُونُوا

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٠ - ١٣١ ط العلمية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ١٢٥ وما قبلها ط الحلبي.

(٢) الخرشي ٣ / ١٢٩ ط. بولاق، والدسوقي ٢ / ١٩٠ ط الفكر، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٠ ط. المعرفة.

(٣) حديث: " استعمل رجلا من الأسد على صدقات بني سليم ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦٥ - ٣٦٦ ط السلفية) .

(٤) فتح الباري ٣ / ٣٦٥ - ٣٦٦ ط. الرياض.

أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) .

وَقَدْ تَوَعَّدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ أَبِي عَمِيرَةَ الْكِنْدِيِّ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَال: فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ أَسْوَدُ مِنَ الأَْنْصَارِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَال يَا رَسُول اللَّهِ: اقْبَل عَنِّي عَمَلَكَ قَال: وَمَا لَكَ؟ قَال: سَمِعْتُكَ تَقُول كَذَا وَكَذَا قَال: وَأَنَا أَقُول الآْنَ، مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَجِئْ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَمَا أُوتِيَ مِنْهُ أَخَذَ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى (٢) .

وَلَيْسَ لِلْجُبَاةِ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّ بَعْضَهُ أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ، وَمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْعَمَل يُرَدُّ إِلَى بَيْتِ الْمَال لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْبَل ذَلِكَ مِنِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ قَدِمَ بَعْدَ أَنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي، بَل قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَال: مَا بَال عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُول: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي أَفَلاَ قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَنَال أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ

_________

(١) سورة الأنفال / ٢٧.

(٢) حديث: " من استعملناه منكم على عمل فكتمنا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٤٦٥ ط. الحلبي) .

الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ (١) ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ (٢) ".

_________

(١) تيعر: تصيح بفتح العين وكسرها واليعار صوت الشاة.

(٢) حديث: " ما بال عامل أبعثه فيقول. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٣ / ١٦٤ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٤٦٣ ط. الحلبي) من حديث أبي حميد الساعدي.

جَبٌّ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْجَبُّ لُغَةً الْقَطْعُ، وَمِنْهُ الْمَجْبُوبُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتُؤْصِل ذَكَرُهُ وَخُصْيَاهُ.

وَالْجَبُّ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: قَطْعُ الذَّكَرِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِحَيْثُ لاَ يَبْقَى مِنْهُ مَا يَتَأَتَّى بِهِ الْوَطْءُ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعُنَّةُ:

٢ - الْعُنَّةُ عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى إِتْيَانِ النِّسَاءِ مَعَ وُجُودِ الآْلَةِ (٢) .

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ عَدَمَ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْجَبِّ يَكُونُ لِقَطْعِ الْمَذَاكِيرِ. وَالْعَجْزُ عَنْ إِتْيَانِ الزَّوْجَةِ فِي الْعُنَّةِ يَكُونُ لِدَاءٍ يَمْنَعُ مِنْ الاِنْتِشَارِ (٣) .

_________

(١) النهاية لابن الأثير، وتهذيب الأسماء واللغات، والمغرب مادة: (جب)، وكشاف القناع ٥ / ١٠٥، وفتح القدير ٤ / ١٢٨، والقليوبي ٣ / ٢٦١، وكفاية الطالب الرباني ٢ / ٨٥، ونشر دار المعرفة.

(٢) فتح القدير ٤ / ١٢٨ نشر دار إحياء التراث العربي.

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٣٠٣ ط مصطفى الحلبي.