الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥ الصفحة 13

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٥

ثُيُوبَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الثُّيُوبَةُ مَصْدَرٌ صِنَاعِيٌّ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ، وَيُقَال لِلإِْنْسَانِ إِذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبٌ، وَإِطْلاَقُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَكْثَرُ؛ لأَِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهَا بِوَجْهٍ غَيْرِ الأَْوَّل.

وَوَرَدَ فِي الْخَبَرِ: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِكَلِمَةِ الثُّيُوبَةِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَرِيبٌ مِنَ الثُّيُوبَةِ (الإِْحْصَانُ) لأَِنَّهُ حُصُول الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْبَكَارَةُ:

٢ - الْبَكَارَةُ هِيَ: عُذْرَةُ الْمَرْأَةِ، وَمَوْلُودٌ بِكْرٌ إِذَا

_________

(١) حديث: " البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت.

(٢) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير مادة: (ثوب) .

كَانَ أَوَّل وَلَدِ أَبَوَيْهِ (١) فَالْبَكَارَةُ بِالْمَعْنَى الأَْوَّل ضِدُّ الثُّيُوبَةِ لاَ يَجْتَمِعَانِ وَلاَ يَرْتَفِعَانِ.

ب - الإِْحْصَانُ:

٣ - مِنْ مَعَانِي الإِْحْصَانِ: التَّزَوُّجُ، وَهُوَ شَرْعًا النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الْمُقْتَرِنُ بِالدُّخُول مَعَ الْبُلُوغِ وَالإِْسْلاَمِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثُّيُوبَةِ وَالإِْحْصَانِ أَنَّ الثُّيُوبَةَ قَدْ تَكُونُ بِالْوَطْءِ بِالزَّوَاجِ وَقَدْ تَكُونُ بِغَيْرِهِ.

تَحَقُّقُ الثُّيُوبَةِ:

٤ - يَخْتَلِفُ الْمُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِ بَحْثِهَا.

فَبِالنِّسْبَةِ لاِشْتِرَاطِ الْبَكَارَةِ فِي الزَّوَاجِ، وَفِي رَدِّ الأَْمَةِ الْمَبِيعَةِ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ إِذَا ظَهَرَتْ ثَيِّبًا. وَكَذَلِكَ فِي الْوَكَالَةِ بِالتَّزْوِيجِ، وَالْوَصِيَّةِ لِلْبِكْرِ أَوِ الثَّيِّبِ.

يُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ زَوَال الْعُذْرَةِ مُطْلَقًا بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَيُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ فِي اسْتِئْمَارِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ زَوَال الْعُذْرَةِ بِالْجِمَاعِ فَقَطْ، وَيُرَادُ بِالثُّيُوبِةِ فِي الرَّجْمِ بِالزِّنَا لِلرَّجُل أَوِ الْمَرْأَةِ سَبْقُ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ بِشُرُوطِهِ. . وَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيل ذَلِكَ إِلَى مَوَاطِنِهَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَمُصْطَلَحَاتِ: (نِكَاحٌ، وَوَصِيَّةٌ، وَزِنًا (٢» .

_________

(١) المصباح المنير مادة: (بكر) .

(٢) الاختيار لتلعيل المختار ٤ / ٨٨ ط دار المعرفة. ومواهب الجليل ٣ / ٤٩١ ط دار الفكر، والأشباه والنظائر للسيوطي ٥٣٤ ط مصطفى الحلبي.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٥ - يَظْهَرُ أَثَرُ الثُّيُوبَةِ فِي الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ فِي النِّكَاحِ.

أَمَّا الْكَبِيرَةُ فَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلاَّ بِإِذْنِهَا فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تُنْكَحُ الأَْيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مِنَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ (٢) .

وَبِقَوْلِهِ ﷺ: الأَْيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا (٣) وَقَال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لِلأَْبِ تَزْوِيجُ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ وَإِنْ كَرِهَتْ (٤) .

وَأَمَّا الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ

_________

(١) حديث: " لا تنكح الأيم حتى تستأمر. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٩١ ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٣٧ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.

(٢) حديث: " ليس للولي من الثيب أمر. . . ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٧٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٣ / ٢٣٩ ط دار المحاسن) وأعله الدارقطني بمخالفة أحد رواته متنا، وإسنادا لمن اشترك معه في الرواية عن شيخه صالح بن كيسان فاللفظ الصحيح له هو ما أخرجه مسلم: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن من نفسها وإذنها صماتها " صحيح مسلم (٢ / ١٠٣٧ ط الحلبي) .

(٣) حديث: " الأيم أحق بنفسها من وليها. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.

(٤) ابن عابدين ٢ / ٢٩٦، والفتاوى الهندية ١ / ٢٨٩، ومواهب الجليل ٣ / ٤٢٧، والقوانين الفقهية ٢٠٣، والقليوبي ٣ / ٢٢٣، وروضة الطالبين ٧ / ٥٤، والمغني ٦ / ٤٩١، ٤٩٢، ٤٩٣.

وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّ لِلأَْبِ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ وَلاَ يَسْتَأْمِرَهَا، لأَِنَّهَا صَغِيرَةٌ فَجَازَ إِجْبَارُهَا كَالْبِكْرِ وَالصَّبِيِّ (١) .

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا لِعُمُومِ الأَْخْبَارِ الْمُسْتَلْزِمَةِ اسْتِئْمَارَهَا، وَعِبَارَتُهَا فِي الأَْمْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ لِصِغَرِهَا، وَلأَِنَّ الإِْجْبَارَ يَخْتَلِفُ بِالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ لاَ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَهَذِهِ ثَيِّبٌ، وَلأَِنَّ فِي تَأْخِيرِهَا فَائِدَةً، وَهِيَ أَنْ تَبْلُغَ فَتَخْتَارَ لِنَفْسِهَا (٢) .

٦ - وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي أَنَّ إِذْنَ الثَّيِّبِ النُّطْقُ مِنَ النَّاطِقَةِ، وَالإِْشَارَةُ أَوِ الْكِتَابَةُ مِنْ غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ ﵊: الثَّيِّبُ تُشَاوَرُ (٣) وَلأَِنَّ النُّطْقَ لاَ يُعْتَبَرُ عَيْبًا مِنْهَا.

وَالثَّيِّبُ الْمُعْتَبَرُ نُطْقُهَا هِيَ الْمَوْطُوءَةُ فِي الْقُبُل إِذَا كَانَ الْوَطْءُ حَلاَلًا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ مَا حُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) الهداية ١ / ١٩٧ ط مصطفى الحلبي، والفتاوى الهندية ١ / ٢٨٩، ٢٩٠، والقوانين الفقهية ٢٠٤، والقليوبي ٣ / ٣٢٣، والمغني ٦ / ٤٩٣.

(٣) حديث: " الثيب تشاور. . . " ذكره صاحب الهداية من الحنفية وقال الزيلعي: (غريب بهذا اللفظ، وتقدم معناه قريبا) نصب الراية (٣ / ١٩٥ ط المجلس العلمي) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ فِي الثُّيُوبَةِ بَيْنَ الْوَطْءِ الْحَلاَل وَالْحَرَامِ إِذَا كَانَ فِي الْقُبُل، وَأَمَّا إِنْ ذَهَبَتْ عُذْرَتُهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الأَْبْكَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ.

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ لِزَوَال الْعُذْرَةِ (١) .

٧ - وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَحْكَامِ الثُّيُوبَةِ فِي النِّكَاحِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْعُيُوبِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْفَسْخِ، فَرَأَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ بَكَارَةَ الزَّوْجَةِ فَتَبَيَّنَتْ ثَيِّبًا فَلَهُ الْفَسْخُ (٢)، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ بَكَارَةٍ، كَمَا تَكَلَّمُوا عَنْهَا فِي بَابِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْبَيْتُوتَةِ إذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبًا وَعِنْدَهُ غَيْرُهَا، فَإِنَّهُ يَبِيتُ عِنْدَهَا ثَلاَثًا ثُمَّ يَقْسِمُ، وَفِي الشَّهَادَةِ لإِثْبَاتِ الثُّيُوبَةِ حَيْثُ تُقْبَل شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (قَسْمٌ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) .

_________

(١) الهداية ١ / ١٩٧، والفتاوى الهندية ١ / ٢٨٩، ٢٩٠، ومواهب الجليل ٣ / ٤٢٧، والقوانين الفقهية ٢٠٣، والقليوبي ٣ / ٢٢٣، وروضة الطالبين ٧ / ٥٤، والمغني ٦ / ٤٩٢.

(٢) فتح القدير ٤ / ١٢٢ ط دار إحياء التراث العربي، والاختيار لتعليل المختار ٤ / ١١٦، ومواهب الجليل ٣ / ٤٩١، وجواهر الإكليل ١ / ٣٠٠، ٣٠١ ط مصطفى البابي الحلبي، وروضة الطالبين ٧ / ٣٥٥، ونهاية المحتاج ٨ / ٣١٢ ط مصطفى البابي الحلبي.

جَائِحَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْجَائِحَةُ فِي اللُّغَةِ الشِّدَّةُ، تَجْتَاحُ الْمَال مِنْ سَنَةٍ أَوْ فِتْنَةٍ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْجَوْحِ بِمَعْنَى الاِسْتِئْصَال وَالْهَلاَكِ، يُقَال: جَاحَتْهُمُ الْجَائِحَةُ وَاجْتَاحَتْهُمْ، وَجَاحَ اللَّهُ مَالَهُ وَأَجَاحَهُ بِمَعْنًى، أَيْ أَهْلَكَهُ بِالْجَائِحَةِ.

وَتَكُونُ بِالْبَرْدِ يَقَعُ مِنَ السَّمَاءِ إِذَا عَظُمَ حَجْمُهُ فَكَثُرَ ضَرَرُهُ،

وَتَكُونُ بِالْبَرْدِ أَوْ الْحَرِّ الْمُفْرِطَيْنِ حَتَّى يَفْسُدَ الثَّمَرُ (١) .

وَالْجَائِحَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا قَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَتَبِعَهُ أَكْثَرُهُمْ: كُل شَيْءٍ لاَ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ لَوْ عُلِمَ بِهِ، كَسَمَاوِيٍّ، كَالْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَمِثْل ذَلِكَ رِيحُ السَّمُومِ، وَالثَّلْجُ، وَالْمَطَرُ، وَالْجَرَادُ، وَالْفِئْرَانُ وَالْغُبَارُ، وَالنَّارُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ غَيْرِ سَمَاوِيٍّ وَجَيْشٍ، وَأَمَّا فِعْل السَّارِقِ فَفِيهِ خِلاَفٌ عِنْدَهُمْ مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ، أَمَّا إِذَا عُلِمَ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ جَائِحَةً عَلَى قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ وَيَكُونُ جَائِحَةً عِنْدَ غَيْرِهِمْ.

_________

(١) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: (جوح) .

وَعَرَّفَهَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهَا كُل مَا أَذْهَبَ الثَّمَرَةَ أَوْ بَعْضَهَا بِغَيْرِ جِنَايَةِ آدَمِيٍّ، كَرِيحٍ وَمَطَرٍ وَثَلْجٍ، وَبَرْدٍ، وَجَلِيدٍ، وَصَاعِقَةٍ، وَحَرٍّ، وَعَطَشٍ وَنَحْوِهَا (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الآْفَةُ:

٢ - وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عَرَضٌ يُفْسِدُ مَا يُصِيبُهُ، وَهِيَ الْعَاهَةُ، وَالْجَمْعُ آفَاتٌ (٢) .

وَالآْفَةُ أَعَمُّ مِنَ الْجَائِحَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا قَدْ تُتْلِفُ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ أَوْ لاَ تُتْلِفُهُ، وَالْجَائِحَةُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَرَضٍ، أَوْ حَرٍّ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ الآْفَةَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَيُقَيِّدُونَهَا فِي الْغَالِبِ بِكَوْنِهَا سَمَاوِيَّةً أَيْ إِنَّهَا لاَ صُنْعَ فِيهَا لآِدَمِيٍّ، وَالآْفَةُ قَدْ تَكُونُ عَامَّةً كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطَيْنِ، وَتَكُونُ خَاصَّةً كَالْجُنُونِ (٣) .

_________

(١) الدسوقي ٣ / ١٨٥ ط دار الفكر، وجواهر الإكليل ٢ / ٦٣ ط دار المعرفة، كفاية الطالب مع حاشية العدوي ٢ / ١٧٣ ط الحلبي، المنتقى ٤ / ٢٣٢، ٢٣٣ ط، الأولى، الأم للشافعي ٣ / ٥٨ ط، دار المعرفة، مطالب أولي النهى ٣ / ٢٠٠، ٢٠٣ ط، المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٣ / ٢٨٥ نشر مكتبة النصر، الإنصاف ٥ / ٧٦ - ٧٧ ط التراث مصورة عن طبعة السنة المحمدية بالقاهرة.

(٢) المصباح واللسان والقاموس مادة: (أوف) .

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٧ ط، بولاق، حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٤ / ٤٢ ط، بولاق، كفاية الطالب مع حاشية العدوي ٢ / ١٧٣ ط، الحلبي، حاشية القليوبي ٢ / ٢١١ ط الحلبي، المغني مع الشرح ٤ / ٢١٦ ط، والمنار، التقرير والتحبير ٢ / ١٧٢ ط الأميرية، والتلويح ٢ / ١٦٧ ط صبيح، وكشف الأسرار للبزدوي ٤ / ٢٦٣ ونيل الأوطار ٥ / ٢٨٠ - ٢٨١ ط مكتبة الجيل، ومصطلح آفة.

ب - التَّلَفُ:

٣ - التَّلَفُ الْهَلاَكُ. يُقَال: تَلِفَ الشَّيْءُ تَلَفًا إِذَا هَلَكَ فَهُوَ تَالِفٌ وَأَتْلَفْتُهُ، وَرَجُلٌ مُتْلِفٌ لِمَالِهِ وَمِتْلاَفٌ لِلْمُبَالَغَةِ (١) . فَالْجَائِحَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ.

أَنْوَاعُ الْجَائِحَةِ وَأَحْكَامُهَا:

٤ - الْجَائِحَةُ نَوْعَانِ:

أ - جَائِحَةٌ لاَ دَخْل لآِدَمِيٍّ فِيهَا.

ب - وَجَائِحَةٌ مِنْ قِبَل الآْدَمِيِّ كَفِعْل السُّلْطَانِ وَالْجَيْشِ، وَالسَّارِقِ، عَلَى قَوْل مَنْ جَعَل فِعْل الآْدَمِيِّ جَائِحَةً.

أَمَّا الْقِسْمُ الأَْوَّل: فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي كَوْنِهِ جَائِحَةً وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:

جَائِحَةٌ مِنْ قِبَل الْمَاءِ، وَجَائِحَةٌ مِنْ قِبَل غَيْرِ الْمَاءِ. فَأَمَّا الْجَائِحَةُ مِنْ قِبَل الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ قِبَل الْعَطَشِ فَقَدْ قَال مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ: يُوضَعُ قَلِيل ذَلِكَ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ شِرْبَ مَطَرٍ أَمْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ قَال ابْنُ الْقَاسِمِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَنْفَعَةٌ مِنْ شُرُوطِ تَمَامِهَا السَّقْيُ، فَوَجَبَ أَنْ يُوضَعَ عَنِ الْمُشْتَرِي قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا لِمَنْفَعَةِ

_________

(١) المصباح مادة: (تلف) .

الأَْرْضِ الْمُكْتَرَاةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَوَائِحِ أَنَّ سَائِرَ الْجَوَائِحِ لاَ تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا، وَهَذِهِ تَنْفَكُّ الثَّمَرَةُ مِنْ يَسِيرِهَا، فَالْمُشْتَرِي دَاخِلٌ عَلَى السَّلاَمَةِ مِنْهَا، وَلَمْ يَدْخُل عَلَى سَلاَمَتِهَا مِنْ يَسِيرِ الْعَفَنِ وَالأَْكْل، وَأَمَّا الْجَائِحَةُ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْعَفَنِ فَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ سَائِرِ الْعَفَنِ يَضَعُ كَثِيرَهُ دُونَ قَلِيلِهِ.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْجَائِحَةُ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الآْدَمِيِّينَ كَالسَّرِقَةِ، فَفِيهَا الْخِلاَفُ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ جَائِحَةً، لِقَوْلِهِ ﷺ فِيمَا رَوَى أَنَسٌ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ (١) وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ جَائِحَةً لِدُخُولِهِ فِي حَدِّ الْجَائِحَةِ عِنْدَهُمْ (٢) .

مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْجَائِحَةِ مِنْ آثَارٍ:

أ - أَثَرُ الْجَائِحَةِ فِي الزَّكَاةِ:

٥ - جَاءَ فِي الْمُغْنِي: إِذَا خُرِصَ التَّمْرُ وَتُرِكَ فِي رُءُوسِ النَّخْل فَعَلَيْهِمْ حِفْظُهُ، فَإِنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَذَهَبَتِ الثَّمَرَةُ سَقَطَ عَنْهُمُ الْخَرْصُ، وَلَمْ يُؤْخَذُوا بِهِ، وَلاَ نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلاَفًا. قَال ابْنُ

_________

(١) حديث: " إذا منع الله الثمرة ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٩٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٩٠ - ط الحلبي) من حديث أنس، واللفظ للبخاري.

(٢) المنتقى ٤ / ٢٣٣ ط الأولى، والمهذب ١ / ٢٨٧ - ٢٨٨ ط الحلبي، ونيل الأوطار ٥ / ٢٨١ ط الجيل.

الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْخَارِصَ إِذَا خَرَصَ الثَّمَرَةَ ثُمَّ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ إِذَا كَانَ قَبْل الْجِذَاذِ؛ وَلأَِنَّهُ قَبْل الْجِذَاذِ فِي حُكْمِ مَا لاَ تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَتَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ رَجَعَ بِهَا عَلَى الْبَائِعِ (١) .

ثُمَّ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ يُعَبِّرُونَ عَنِ الْجَائِحَةِ بِالآْفَةِ أَوِ التَّلَفِ أَوِ الْهَلاَكِ عَدَدًا مِنَ الصُّوَرِ فِي هَلاَكِ الْمَال الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَهَلاَكِ النِّصَابِ، أَوْ بَعْضِهِ، وَهَلاَكِ سَائِمَةِ الْبَدَل بَعْدَ الْحَوْل، وَهَلاَكِ الْعَفْوِ، وَبَقَاءِ النِّصَابِ، وَهَلاَكِ الْبَدَل إِنِ اسْتَبْدَلَهُ بَعْدَ الْحَوْل. وَاشْتَرَطُوا فِي الْمَال الَّذِي تَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِهَلاَكِهِ أَنْ يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل فَيَهْلَكَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوِ اسْتِهْلاَكٍ قَبْل أَدَاءِ الزَّكَاةِ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمْ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ تَحْقِيقًا لِلتَّيْسِيرِ فَيَسْقُطُ بِهَلاَكِ مَحَلِّهِ.

وَهَذَا هُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لأَِنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمَال يَسْقُطُ بِهَلاَكِهِ، فَتَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ كَحَقِّ الْمُضَارِبِ.

وَعَلَى هَذَا فَإِذَا أَصَابَتِ الثِّمَارَ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ بَعْدَ الْخَرْصِ، أَوْ سُرِقَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ أَوِ الْجَرِينِ، فَإِنْ تَلِفَتْ كُلُّهَا بِغَيْرِ تَعَدٍّ أَوْ تَقْصِيرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ بِاتِّفَاقِ الشَّافِعِيَّةِ لِفَوَاتِ الإِْمْكَانِ. فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابًا زَكَّاهُ، وَعَلَى الْقَدِيمِ لاَ يَسْقُطُ

_________

(١) المغني ٢ / ٧٠٣.