الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

أَفْضَل مِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ حِينًا وَالتَّرَاخِي حِينًا آخَرَ، فَقَال: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (١) .

ثَانِيًا: تَيْسِيرُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا:

٥٢ - لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ أَنَّ التَّضْيِيقَ عَلَيْهَا مِنَ الزُّهْدِ، أَوْ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، بَل إِذَا أَخَذَ الْمَال مِنْ حِلِّهِ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَلاَل، فِي مَأْكَلٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَسْكَنٍ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَمَا يُؤْجَرُ إِنْ زَادَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ وَالتَّرَفِ.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، وَفِي الْحَدِيثِ: ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلأَِهْلِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ ذِي قَرَابَتِك

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٣٦، ١٣٧ وحديث " أحب الأعمال. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣١٥ ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٥٤١ ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة.

(٢) سورة الأعراف / ٣٢.

شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا (١) .

وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَال، وَقَدْ قَال سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ لأَِبِي الدَّرْدَاءِ ﵄: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلأَِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَخْبَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: صَدَقَ سَلْمَانُ (٢) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ فِقْهِ الرَّجُل رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ. (٣)

مَشَقَّةُ الْوَرَعِ وَاجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ:

٥٣ - مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَى نَفْسِهِ تَوَرُّعًا وَاتِّقَاءً لِلشُّبُهَاتِ وَالْتِزَامًا لِجَانِبِ التَّقْوَى، قَال الشَّاطِبِيُّ: (وَلاَ كَلاَمَ فِي أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ إِشْكَال فِي أَنَّ الْتِزَامَ جَانِبِ التَّقْوَى شَدِيدٌ (٤» وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْحَلاَل بَيِّنٌ

_________

(١) حديث: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ". أخرجه مسلم (٢ / ٢٩٢ - ٢٩٣ ط عيسى الحلبي) .

(٢) حديث: صدق سلمان ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٣٤ ط السلفية) .

(٣) حديث: " من فقه الرجل رفقه في معيشته ". أخرجه أحمد (٥ / ١٩٤ ط المكتب الإسلامي) وابن عدي في الكامل (٣ / ١١٩٧ ط دار الفكر وضعفه. وقال الهيثمي: وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، (مجمع الزوائد ٤ / ٧٤ ط دار الكتاب العربي)، وضعفه المناوي في فيض القدير (٦ / ١٦ ط المكتبة التجارية) .

(٤) الموافقات ١ / ١٠٦، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم ١ / ١٨٣.

وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ (١) وَقَوْلُهُ: دَعْ مَا يَرِيبُك إِلَى مَا لاَ يَرِيبُك (٢) فَالْوَرَعُ بِتَرْكِ الشُّبُهَاتِ مَطْلُوبٌ شَرْعًا، لَكِنْ مَا دَامَ خَارِجَ دَائِرَةِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ، فَإِنْ كَانَ فِي التَّوَرُّعِ حَرَجٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَمَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ سَقَطَ، كَمَا يَسْقُطُ الْحَرَامُ لِلضَّرُورَةِ.

غَيْرَ أَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي بَيَانُهُ أَنَّ مَا يَكُونُ فِيهِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِغَالِبِ النَّاسِ قَدْ يَكُونُ مُعْتَادًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَمِنْ هُنَا تَمَيَّزَ أَهْل شِدَّةِ الْوَرَعِ مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ مَا كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ (٣) .

ثَالِثًا: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى غَيْرِهِ:

٥٤ - الْمُؤْمِنُ مُطَالَبٌ شَرْعًا بِالتَّيْسِيرِ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلاَقَةٌ وَمُعَامَلَةٌ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ التَّيْسِيرُ، وَلاَ يُخَالِفُ حُكْمًا شَرْعِيًّا.

_________

(١) حديث: " إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٢٦ ط. السلفية)، ومسلم (٣ / ١٢١٩ - ١٢٢٠ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم.

(٢» حديث: " دع ما يريبك إلى ما لا يربيك ". أخرجه أحمد (١ / ٢٠٠ ط. المكتب الإسلامي)، والترمذي (٤ / ٢٥١٨ ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح.

(٣) جامع العلوم والحكم ص٦٨، ٦٩، ١٠٤.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيل وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) وَمِنَ الإِْحْسَانِ الْمَأْمُورِ بِهِ التَّيْسِيرُ فِيمَا يُمْكِنُ التَّيْسِيرُ فِيهِ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ (٢) .

وَقَدْ نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الرِّفْقِ فِي تَنَاوُل الأُْمُورِ وَمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَال: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِأَهْل بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَل عَلَيْهِمِ الرِّفْقَ (٣) وَقَال: إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ (٤) وَقَال: مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ

_________

(١) سورة النساء / ٢٦.

(٢) حديث: من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه. . . . . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤ ط. عيسى الحلبي) .

(٣) حديث: " إذا أراد الله بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق. . . . . " أخرجه أحمد (٦ / ٧١ط. المكتب الإسلامي) قال الهيثمي: " ورجال أحمد رجال الصحيح " (مجمع الزوائد ٨ / ١٩ ط دار الكتاب العربي) وصححه أيضًا المناوي (فيض القدير ١ / ٢٦٣ ط المكتبة التجارية) .

(٤) حديث: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ". أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠٣ - ٢٠٠٣ط عيسى الحلبي) .

يُحْرَمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ (١) .

وَيَظْهَرُ هَذَا الأَْصْل فِي أَبْوَابٍ مِنَ الْفِقْهِ مِنْهَا مَا يَلِي:

تَخْفِيفُ الإِْمَامِ فِي الصَّلاَةِ:

٥٥ - أَوْرَدَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ التَّخْفِيفَ فِي بَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ؛ مُرَاعَاةً لأَِحْوَال النَّاسِ، وَتَيْسِيرًا لَهُمْ، فَقَدْ أَمَرَ ﷺ الأَْئِمَّةَ بِالتَّخْفِيفِ فِي الصَّلاَةِ وَعَدَمِ تَطْوِيل قِرَاءَتِهَا، وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ، وَذَلِكَ لاِخْتِلاَفِ أَحْوَال الْمَأْمُومِينَ؛ لأَِنَّ فِيهِمِ الضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، وَالْعَاجِزَ (٢) .

فَلاَ يُطَوِّل الإِْمَامُ الصَّلاَةَ لِئَلاَّ يَشُقَّ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالسَّقِيمَ، وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ، فَلْيُطَوِّل مَا شَاءَ (٣) . وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَال: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْل فُلاَنٍ، مِمَّا يُطِيل بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدُّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَال: إِنَّ مِنْكُمْ

_________

(١) حديث: " من يحرم الرفق يحرم الخير كله " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠٣ عيسى الحلبي) .

(٢) تحفة الأحوذي ٢ / ٣٧.

(٣) حديث: " إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٩٩ ط. السلفية) .

مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ. (١)

وَسَبَبُهُ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، كَانَ يُصَلِّي بِأَهْل قُبَاءٍ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةً طَوِيلَةً، فَدَخَل مَعَهُ غُلاَمٌ مِنَ الأَْنْصَارِ فِي الصَّلاَةِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ اسْتَفْتَحَهَا، انْفَلَتَ مِنْ صَلاَتِهِ، فَغَضِبَ أُبَيٌّ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَشْكُو الْغُلاَمَ، وَأَتَى الْغُلاَمُ يَشْكُو أُبَيًّا فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَال: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ (٢) وَنَحْوُهُ حَدِيثُ مُعَاذٍ الْمَعْرُوفُ.

وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَال، فَيَأْتِي بِالْوَاجِبَاتِ، وَالسُّنَنِ، وَلاَ يَقْتَصِرُ عَلَى الأَْقَل وَلاَ يَسْتَوْفِي الأَْكْمَل. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُونَ مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِتَطْوِيلِهِ الصَّلاَةَ جَازَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَل تَطْوِيل النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ مَا أُثِرَ عَنْهُ (٣) .

_________

(١) حديث: " إن منكم منفرين، فأيكم ما صلى بالناس. . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٩٧، ١٩٨ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٤٠ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

(٢) حديث: " إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١٩٧ - ١٩٨ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٤٠ ط. عيسى الحلبي) من حديث أبي مسعود الأنصاري.

(٣) حديث: " تطويل النبي ﷺ في بعض ما أثر عنه. . . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٤٦ ط. السلفية) .

وَيُشْرَعُ لَهُ أَيْضًا التَّخْفِيفُ لِنَازِلَةٍ تَسْتَدْعِي ذَلِكَ؛ لِمَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلاَةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّل فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمِّهِ (١) .

وَالتَّخْفِيفُ لِلأَْئِمَّةِ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (٢) . وَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ) .

وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يُرَاعِيَ عَدَمَ التَّطْوِيل فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ إِنَّ طُول صَلاَةِ الرَّجُل وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ (٣) .

تَيْسِيرُ الإِْمَامِ، وَالْوُلاَةِ، وَالْعُمَّال، عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:

٥٦ - يَنْبَغِي لِمَنْ وَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ بِحَيْثُ يَنْفُذُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ وَيَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ أَنْ لاَ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُكَلِّفُهُمْ مَشَقَّةً تَغْلِبُهُمْ، وَذَلِكَ

_________

(١) حديث: " إني لأقوم في الصلاة. . . . . " أخرجه البخاري (٢ / ٢٠١ ط. السلفية)، ومسلم (١ / ٣٤٣ ط. عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري هو عنده من حديث أبي قتادة، وعند مسلم من حديث أنس.

(٢) نيل الأوطار ٣ / ١٣٧.

(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٠٨ وحديث: " إن طول صلاة الرجل. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٥٩٤ ط. عيسى الحلبي) .

لِيُمْكِنَهُمْ طَاعَتُهُ وَمُوَاصَلَةُ الاِمْتِثَال لَهُ؛ وَلِئَلاَّ يَخْرُجُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَيُضْطَرُّ هُوَ إِلَى اسْتِخْدَامِ الْعُقُوبَةِ. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ (١) .

وَإِذَا كَانَ فِي مَنْ تَحْتَ يَدِهِ الضَّعِيفُ وَالصَّغِيرُ وَالْمَرْأَةُ خَصَّهُمْ بِمَزِيدٍ مِنَ الرِّفْقِ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَسِيرٍ لَهُ، فَحَدَا الْحَادِي، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: يَا أَنْجَشَةُ وَيْحَكَ بِالْقَوَارِيرِ (٢) يَعْنِي النِّسَاءَ.

وَعَلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ أَنْ يَرْفُقَ بِمَنْ مَعَهُ فِي الْمَسِيرِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الأَْمِيرِ فِي الْمَسِيرِ سَبْعَةُ حُقُوقٍ: أَوَّلُهَا: الرِّفْقُ بِهِمْ فِي الْمَسِيرِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَضْعَفُهُمْ، وَتُحْفَظُ بِهِ قُوَّةُ أَقْوَاهُمْ، وَلاَ يُجِدُّ السَّيْرَ فَيُهْلِكَ الضَّعِيفَ، وَيَسْتَفْرِغُ جَلَدَ الْقَوِيِّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْمُضْعَفُ أَمِيرُ الرَّكْبِ (٣) يُرِيدُ أَنَّ مَنْ

_________

(١) حديث: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم، فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به ". أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥٨ ط. عيسى الحلبي) .

(٢) حديث: " يا أنجشة ويحك بالقوارير. . . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٩٣ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٨١١ - ١٨١٢ ط عيسى الحلبي) .

(٣)

) حديث: " المضعف أمير الركب ". لم نعثر عليه بهذا اللفظ ولكن ورد بلفظ (اقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على آذانه أجرًا) . أخرجه أبو داود (١ / ٣٦٣ ط عزت عبيد الدعاس) وله شاهد عند الترمذي (١ / ٤٠٩ - ٤١٠ ط عيسى الحلبي) وقال: حسن صحيح. وأخرجه الحاكم (١ / ٢٠١ ط دار الكتاب العربي) . وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ.

وَذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ فِي أَمِيرِ الْحَجِّ (١) .

تَيْسِيرُ الْمُعَلِّمِينَ، وَالدُّعَاةِ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:

٥٧ - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَوَلَّى التَّعْلِيمَ أَوِ الدَّعْوَةَ أَنْ يَرْفُقَ بِمَنْ مَعَهُ، وَيَأْخُذَهُمْ بِاللِّينِ لاَ بِالْعُنْفِ.

وَلاَ يَأْتِيَ بِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الْحَقِّ، بَل يَنْتَقِل بِهِمْ مِمَّا يَعْرِفُونَ إِلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَ، بِلُطْفٍ وَيُسْرٍ، وَلاَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. قَال النَّوَوِيُّ: " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاذِلًا وُسْعَهُ فِي تَفْهِيمِهِمْ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ إِلَى أَذْهَانِهِمْ، حَرِيصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَيُفْهِمُ كُل وَاحِدٍ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ، فَلاَ يُعْطِيهِ مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ، وَلاَ يَقْصُرُ بِهِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ بِلاَ مَشَقَّةٍ، وَيُخَاطِبُ كُل وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ دَرَجَتِهِ، وَبِحَسَبِ فَهْمِهِ وَهِمَّتِهِ ".

وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْل مُوسَى لِلْخَضِرِ:

﴿هَل أَتَّبِعُك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (٢) ثُمَّ قَال: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ

_________

(١) الأحكام السلطانية ص٣٥، ١٠٨.

(٢) سورة الكهف / ٦٦.

وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ (١) وَقَدْ أَرْسَل النَّبِيُّ ﷺ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ فِيمَا أَوْصَاهُمَا بِهِ أَنْ قَال: بَشِّرَا وَيَسِّرَا وَعَلِّمَا وَلاَ تُنَفِّرَا (٢) وَقَال أَنَسٌ: قَال النَّبِيُّ ﷺ: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (٣) .

التَّيْسِيرُ فِي الْفُتْيَا:

٥٨ - عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَال السَّائِلِينَ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّحَرُّجُ وَالتَّشَدُّدُ، وَأَنْ يُحَمِّل نَفْسَهُ مَا يُرْهِقُهَا، يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْجِيَةُ، وَالتَّرْغِيبُ، وَالتَّرْخِيصُ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِيهِ سِعَةٌ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْقَلِيل مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانَ خَالِصًا صَوَابًا. وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّهَاوُنُ، وَالتَّسَاهُل، وَالاِنْحِلاَل مِنَ الدِّينِ يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْهِيبُ، وَالتَّخْوِيفُ، وَالزَّجْرُ، فِعْل الطَّبِيبِ بِمَنِ انْحَرَفَتْ بِهِ الْعِلَّةُ عَنْ حَال الاِسْتِوَاءِ (٤) . وَكُل ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَدِّل الْمُفْتِي حُكْمًا شَرْعِيًّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَل تَكُونُ فُتْيَاهُ طِبْقًا لِمُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأُصُول الْفُتْيَا، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ

_________

(١) سورة الكهف / ٧٣.

(٢) حديث: " بشرا ويسرا ولا تنفرا. . . . . " أخرجه البيهقي (٨ / ٢٩٤ ط دار المعرفة) وأصله في الصحيحين.

(٣) حديث: " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٥٢٤ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٥٩ ط عيسى الحلبي) .

(٤) الموافقات للشاطبي ٢ / ١٦٦ - ١٦٨.