الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

هُوَ سَبَبُ التَّخْفِيفِ، فَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ مَيْسُورًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْفِيفِ فِيهِ مَوْضِعٌ.

وَمِنْ فُرُوعِهَا: إِذَا كَانَ مَقْطُوعَ بَعْضِ الأَْطْرَافِ غَسَل الْبَاقِيَ جَزْمًا. وَالْقَادِرُ عَلَى سَتْرِ بَعْضِ عَوْرَتِهِ دُونَ بَعْضٍ سَتَرَ الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ. وَالْقَادِرُ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ دُونَ بَعْضٍ يَأْتِي بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ. وَمَنْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِي لِكُل طَهَارَتِهِ اسْتَعْمَلَهُ. وَمَنْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ فِي الْفِطْرَةِ أَخْرَجَهُ.

وَهِيَ قَاعِدَةٌ غَالِبِيَّةٌ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهَا فُرُوعٌ مِنْهَا: وَاجِدُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ لاَ يُعْتِقُهَا، بَل يَنْتَقِل إِلَى الْبَدَل. وَمِنْهَا: الْقَادِرُ عَلَى صَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ دُونَ كُلِّهِ لاَ يَلْزَمُهُ إِمْسَاكُهُ، وَإِذَا وَجَدَ الشَّفِيعُ بَعْضَ الثَّمَنِ لاَ يَأْخُذُ قِسْطَهُ مِنَ الشِّقْصِ (١) .

تَعَارُضُ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَالنَّصِّ:

٤٣ - ذَكَرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي أَشْبَاهِهِ.

وَنَقَل عَنِ السَّرَخْسِيِّ قَوْلَهُ: " إِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْبَلْوَى فِي مَوْضِعٍ لاَ نَصَّ فِيهِ بِخِلاَفِهِ، فَأَمَّا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَلاَ يُعْتَدُّ بِهِ ". ثُمَّ قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: وَلِذَا قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ بِحُرْمَةِ رَعْيِ حَشِيشِ الْحَرَمِ وَقَطْعِهِ إِلاَّ الإِْذْخِرَ.

وَمِنْ فُرُوعِهَا أَيْضًا قَوْل ابْنِ نُجَيْمٍ: قَال

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص١٥٩، ١٦٠.

أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الأَْرْوَاثِ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّوْثَةِ: < إِنَّهَا رِكْسٌ > (١) أَيْ نَجَسٌ، وَلاَ اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ (٢) .

وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُتَّفَقًا عَلَيْهَا؛ وَلِذَا خَالَفَ فِي الْفَرْعِ الأَْوَّل أَبُو يُوسُفَ، فَأَجَازَ رَعْيَ حَشِيشِ الْحَرَمِ؛ لِلْحَرَجِ فِي الاِمْتِنَاعِ مِنْهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ رَعْيُهُ؛ لأَِنَّ الْهَدْيَ كَانَتْ تَدْخُل الْحَرَمَ فَتَكْثُرُ فِيهِ، فَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ كَانَتْ تُسَدُّ أَفْوَاهُهَا؛ وَلأَِنَّ بِهِمْ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ، أَشْبَهَ قَطْعَ الإِْذْخِرِ (٣) .

أَنْوَاعُ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ:

٤٤ - أَوْرَدَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّخْفِيفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الشَّرِيعَةِ سِتَّةَ أَنْوَاعٍ (٤): ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ: فَالسِّتَّةُ هِيَ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: تَخْفِيفُ الإِْسْقَاطِ، فَيَسْقُطُ الْفِعْل عَنِ الْمُكَلَّفِ، كَإِسْقَاطِ الْجُمُعَةِ عَنْ أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ، وَالْحَجِّ عَنْ غَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ، وَالْجِهَادِ عَنِ الأَْعْمَى وَالأَْعْرَجِ وَمَقْطُوعِ الْيَدِ، وَكَإِسْقَاطِ الصَّلاَةِ عَنِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ.

_________

(١) حديث: " هذا ركس. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٥٦ - ط السلفية) .

(٢) الأشباه بحاشية الحموي ١ / ١١٧.

(٣) المغني ٣ / ٣٥١.

(٤) قواعد الأحكام ٢ / ٦.

النَّوْعُ الثَّانِي: تَخْفِيفُ تَنْقِيصٍ، كَقَصْرِ الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ وَالاِكْتِفَاءِ بِرَكْعَتَيْنِ لِدَفْعِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ، وَتَنْقِيصِ مَا عَجَزَ عَنْهُ الْمَرِيضُ مِنْ أَفْعَال الصَّلَوَاتِ عَنِ الْحَدِّ الأَْدْنَى الْمُجْزِئِ لِغَيْرِ الْمَرِيضِ، كَتَنْقِيصِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إِلَى الْحَدِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ.

النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَخْفِيفُ إِبْدَالٍ، كَإِجَازَةِ الشَّارِعِ لِلْمَرِيضِ إِبْدَال الْغُسْل وَالْوُضُوءِ بِالتَّيَمُّمِ، وَإِبْدَال الْقِيَامِ فِي الصَّلاَةِ بِالْقُعُودِ، أَوِ الاِضْطِجَاعِ، وَإِبْدَال الصِّيَامِ لِلشَّيْخِ الْفَانِي بِالإِْطْعَامِ، وَإِبْدَال بَعْضِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ بِالْكَفَّارَاتِ عِنْدَ قِيَامِ الأَْعْذَارِ.

النَّوْعُ الرَّابِعُ: تَخْفِيفُ تَقْدِيمٍ، كَإِجَازَةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي الصَّلاَةِ لِلْمُسَافِرِ وَالْحَاجِّ، وَإِجَازَةِ تَعْجِيل تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَنِ الْحَوْل لِدَاعٍ، وَتَقْدِيمِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ قَبْل يَوْمِ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ، وَأَجَازَ الْبَعْضُ تَقْدِيمَهَا لأَِكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.

النَّوْعُ الْخَامِسُ: تَخْفِيفُ تَأْخِيرٍ، كَإِجَازَةِ الْجَمْعِ تَأْخِيرًا لِوُجُودِ عُذْرٍ يَجْعَل أَدَاءَهُ فِي وَقْتِهِ شَاقًّا عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَتَأْخِيرِ صِيَامِ رَمَضَانَ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَقَدْ خُفِّفَ عَنْهُمَا بِالْفِطْرِ، مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلصَّوْمِ، الْمُحَرِّمِ لِلْفِطْرِ، وَتَأْخِيرِ الصَّلاَةِ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالنَّاسِي.

النَّوْعُ السَّادِسُ: تَخْفِيفُ تَرْخِيصٍ، وَهُوَ مَا اُسْتُبِيحَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ، كَإِبَاحَةِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لِمَنْ أُكْرِهَ

بِإِجْرَاءِ قَوْل الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ، وَأَكْل الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِخَوْفِ الْهَلاَكِ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ لإِزَالَةِ الْغُصَّةِ. وَإِجَازَةِ الصَّلاَةِ لِلْمُسْتَجْمِرِ مَعَ بَقِيَّةِ النَّجْوِ (١) .

قَال السُّيُوطِيّ: وَأَضَافَ الْعَلاَئِيُّ سَابِعًا، وَهُوَ تَخْفِيفُ التَّغْيِيرِ، كَتَغْيِيرِ نَظْمِ الصَّلاَةِ فِي الْخَوْفِ (٢) .

٤٥ - وَلَمَّا كَانَ التَّخْفِيفُ وَارِدًا فِي الْعِبَادَاتِ بِأَنْوَاعِهَا، وَالْمُعَامَلاَتِ، وَالْحُدُودِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْفِقْهِ، فَمِنَ الصَّعْبِ جَمْعُ هَذِهِ الأُْمُورِ الْمُخَفَّفَةِ كُلِّهَا مِنْ أَبْوَابِهَا الْمُخْتَلِفَةِ. فَنُورِدُ أَمْثِلَةً مِنْهَا.

التَّخْفِيفُ فِي النَّجَاسَاتِ:

٤٦ - أَوْجَبَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي الثَّوْبِ، وَالْبَدَنِ، وَالْبُقْعَةِ، عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاَةِ، وَأَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ طَاهِرًا. وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَلَكِنْ بَعْضُ صُوَرِ النَّجَاسَاتِ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ هَذَا الأَْصْل لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهَا، وَصُعُوبَةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا، وَالتَّخْفِيفُ وَارِدٌ عَلَى مَا يُصِيبُ الإِْنْسَانَ

_________

(١) انظر قواعد الأحكام لابن عبد السلام ٢ / ٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٢، وفتح الغفار لابن نجيم ٢ / ٧٠.

(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٨٢، وشرح أشباه ابن نجيم ١ / ١١٧.

مِنْهَا، بِحَيْثُ لَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ غَسْلَهَا، لَوَقَعَ النَّاسُ فِي حَرَجٍ وَضِيقٍ (١) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (نَجَاسَةٌ وَطَهَارَةٌ) . التَّخْفِيفُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ:

٤٧ - سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنِ النَّظَرِ بِمَا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَاجِبٌ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ بِشَرْطِيَّتِهِ.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ سَتْرَهَا لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَقِيل: إِنَّهَا شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ.

وَقَال التَّمِيمِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ بَدَتْ عَوْرَتُهُ وَقْتًا، وَاسْتَتَرَتْ وَقْتًا، فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ (٢) .

وَالْعُرْيَانُ الَّذِي لاَ يَجِدُ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، خُفِّفَ عَنْهُ، فَإِذَا وَجَدَ جِلْدًا طَاهِرًا، أَوْ وَرَقًا يُمْكِنُهُ خَصْفُهُ عَلَيْهِ، أَوْ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْبِطَهُ فَيَسْتَتِرَ بِهِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَصَحَّتِ الصَّلاَةُ بِمَا ذُكِرَ، فَإِذَا وَجَدَ ثَوْبًا نَجَسًا جَازَ لَهُ الصَّلاَةُ فِيهِ، وَلاَ يُصَلِّي عُرْيَانًا، عَلَى خِلاَفٍ فِي ذَلِكَ (٣) .

فَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِلاَّ مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ، سَتَرَ

_________

(١) القليوبي على شرح المنهاج ١ / ٦٨، القاهرة، عيسى الحلبي.

(٢) فتح القدير ١ / ٢٦٠، وبداية المجتهد ١ / ٩٩، والمجموع ٣ / ١٧٥ والمغني ١ / ٥٧٧ - ٥٨٠، ونيل الأوطار ٢ / ٧٣.

(٣) المغني ١ / ٥٩٣، ٥٩٤.

السَّوْأَتَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا أَفْحَشُ، وَسَتْرُهُمَا آكَدُ. فَإِنْ كَانَ لاَ يَكْفِي إِلاَّ أَحَدَهُمَا سَتَرَ أَيَّهمَا شَاءَ - عَلَى خِلاَفٍ فِي أَيِّهِمَا أَوْلَى بِالسَّتْرِ. وَالْعُرْيُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، غَيْرُ مَانِعٍ لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَالاِنْفِرَادُ حَال الْعُرْيِ أَفْضَل مِنَ الْجَمَاعَةِ.

وَإِنْ انْكَشَفَ مِنَ الْمَرْأَةِ أَقَل مِنْ رُبُعِ شَعْرِهَا أَوْ رُبُعِ فَخِذِهَا، أَوْ رُبُعِ بَطْنِهَا، لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهَا، تَخْفِيفًا عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ (١) .

وَانْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (عَوْرَةٌ) .

التَّيْسِيرُ فِي الْمُعَامَلاَتِ:

٤٨ - لِلْمُعَامَلاَتِ نَصِيبٌ مِنَ التَّخْفِيفِ كَمَا لِلْعِبَادَاتِ وَالْحُدُودِ.

فَقَدْ خَفَّفَتِ الشَّرِيعَةُ وَيَسَّرَتِ الْمُعَامَلاَتِ، فَشَرَعَتْ: خِيَارَ الْمَجْلِسِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ.

وَشَرَعَتْ خِيَارَ الشَّرْطِ لِلْمُشْتَرِي دَفْعًا لِلنَّدَمِ.

وَشَرَعَتِ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ دَفْعًا لِمَا يَلْحَقُ الْمُشْتَرِيَ مِنَ الضَّرَرِ، إِذَا بَانَ بِالشَّيْءِ الْمُشْتَرَى عَيْبٌ، وَلَمْ يَرْضَ عَنْهُ الْمُشْتَرِي.

وَكَذَا خَفَّفَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ، فَلَمْ تُلْزِمْ بِهَا أَحَدَ طَرَفَي الْعَقْدِ؛ إِذْ أَنَّ لُزُومَهَا شَاقٌّ، فَتَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ تَعَاطِيهَا (٢) .

_________

(١) المجموع ٣ / ١٨٧، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٩٥، ٥٩٦، ٦٠١، ٦٠٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٢١.

(٢) المغني ٣ / ٥٦٣، ٥٨٦ - ٥٩٢.

التَّيْسِيرُ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ:

٤٩ - يُنْدَبُ تَلْقِينُ مَنْ أَقَرَّ بِمُوجِبِ الْحَدِّ الرُّجُوعَ عَنْهُ، إِمَّا بِالتَّعْرِيضِ، وَإِمَّا بِأَوْضَحَ مِنْهُ؛ لِيُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ (١)، وَذَلِكَ مِثْل مَا فَعَل النَّبِيُّ ﷺ مَعَ مَاعِزٍ حَيْثُ قَال لَهُ: لَعَلَّك قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (٢) .

وَقَدْ جَعَل اللَّهُ ﷾ التَّوْبَةَ وَالتَّكْفِيرَ عَنِ الذُّنُوبِ رَفْعًا لِلضِّيقِ وَالْحَرَجِ، وَمَاحِيًا لِلشُّعُورِ بِالذَّنْبِ وَالْخَطِيئَةِ.

وَمِنْ دَرْءِ الْحُدُودِ بِالشُّبْهَةِ أَنَّ مَنْ زُفَّتْ إِلَيْهِ غَيْرُ زَوْجَتِهِ فَوَطِئَهَا ظَنًّا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكُونُ آثِمًا؛ لِثُبُوتِ عُذْرِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَهُوَ هُنَا مَهْرُ الْمِثْل.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (حُدُودٌ) .

تَخْفِيفُ الدِّيَةِ:

٥٠ - الْجَانِي الْمُخْطِئُ خَفَّفَ عَنْهُ الشَّارِعُ بِإِيجَابِ الدِّيَةِ بَدَل الْقِصَاصِ، ثُمَّ جَعَلَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَعَاقِلَةُ الْجَانِي ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى: ذُكُورُ عَصَبَتِهِ نَسَبًا، كَالآْبَاءِ، وَالأَْبْنَاءِ، وَالإِْخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَبَنُوهُمْ، وَالأَْعْمَامُ، وَالْمُعْتِقُ.

وَذَلِكَ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ

_________

(١) جامع الأصول لابن الأثير ٣ / ٥٩٧، ٥٩٨.

(٢) حديث: " لعلك قبلت. . . . " أخرجه البخاري (١٢ / ١٣٥ ط السلفية) وأبو داود (٤ / ٥٧٩ - ٥٨٠ ط عزت عبيد الدعاس) .

جَدِّهِ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى أَنْ يَعْقِل عَنِ الْمَرْأَةِ عَصَبَتُهَا مَنْ كَانُوا، وَلاَ يَرِثُونَ مِنْهَا إِلاَّ مَا فَضَل عَنْ وِرْثِهَا (١) .

وَكَمَا خُفِّفَ عَنِ الْجَانِي بِتَحْمِيل الدِّيَةِ الْعَاقِلَةَ، خُفِّفَ عَنِ الْعَاقِلَةِ، فَجَعَل الشَّارِعُ دِيَةَ شَبَهِ الْعَمْدِ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلاَثِ سِنِينَ - تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ - فِي آخِرِ كُل سَنَةٍ ثُلُثُهَا، إِنْ كَانَ الْوَاجِبُ دِيَةً كَامِلَةً، كَدِيَةِ النَّفْسِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي قَوْل عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَلاَ مُخَالِفَ لَهُمَا.

وَخُفِّفَ أَيْضًا عَنِ الْعَاقِلَةِ: فَمَنْ مَاتَ مِنْهَا قَبْل الْحَوْل أَوِ افْتَقَرَ أَوْ جُنَّ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (٢) .

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دِيَةٌ) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ:

أَوَّلًا: تَيْسِيرُ الْمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعِبَادَاتِ:

٥١ - أَرْشَد النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أَنْ يَأْخُذَ الإِْنْسَانُ نَفْسَهُ فِي النَّوَافِل وَمَا فِيهِ تَخْيِيرٌ مِنَ الْفَرَائِضِ،

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٣٧٧، والمغني ٧ / ٢٦٧، ٧٧٦، وكشاف القناع ٦ / ٥٩ - ٦٣ وحديث " قضى أن يعقل. . . . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٦٩١ - ٦٩٤ ط عزت عبيد الدعاس) والنسائي (٨ / ٤٣ ط مكتب المطبوعات الإسلامية) وابن ماجه (٢ / ٨٤٤ ط عيسى الحلبي) وأحمد (١٢ / ٤٣ ط دار المعارف) وقال أحمد شاكر إسناده صحيح) .

(٢) المغني ٧ / ٢٦٧ - ٢٧١، وكشاف القناع ٦ / ٦٤.

كَالصِّيَامِ فِي السَّفَرِ، بِالْمَيْسُورِ، فَقَال: عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنَ الأَْعْمَال فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا (١) وَقَال: إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِل فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلاَ تُبَغِّضُوا إِلَى أَنْفُسِكُمْ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى (٢) وَقَال: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لاَ يُدْخِل أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: وَلاَ أَنَا، إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ (٣) . وَنَهَى عَنِ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ. وَقَال: لاَ تُشَدِّدُوا فَيُشَدِّدِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ ﴿رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ (٤) .

_________

(١) حديث: " عليكم ما تطيقون من الأعمال فإن الله لا يمل حتى تملوا ". أخرجه البخاري (٣ / ٣٦ ط. السلفية) .

(٢) حديث: " إن هذا الدين. . . . ". سبق تخريجه، هامش ٦٠.

(٣) حديث: " سددوا وقاربوا وابشروا، فإنه لا يدخل أحدًا الجنة عمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٢٩٤ ط - السلفية)، ومسلم (٤ / ٢١٧٠، ٢١٧١ ط. عيسى الحلبي) .

(٤) سورة الحديد / ٢٧ وحديث: " نهى عن الوصال في الصوم لما فيه من المشقة، وقال: " لا تشددوا فيشدد الله. . . . . . ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٠٩ ط عزت عبيد الدعاس) . وفي سنده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العجار قال الحافظ في التقريب (مقبول) تقريب التهذيب ص٢٣٨ ط. دار الرشيد) .

وَلَيْسَ مَعْنَى الْيُسْرِ فِي هَذَا الْبَابِ تَرْكُ الْعَمَل وَالتَّكَاسُل عَنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ عِبَادَهُ الْمُتَّقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْل ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْل مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَْسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١) وَلَكِنِ الْمَعْنَى أَنْ لاَ يَحْمِل نَفْسَهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهَا، بَل يَتَعَبَّدُ مَا شَاءَ مَا دَامَ نَشِيطًا لِذَلِكَ، فَإِنْ نَشَأَتْ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ أَرَاحَ نَفْسَهُ، فَفِي الْحَدِيثِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَل الْمَسْجِدَ، وَحَبْلٌ مَرْبُوطٌ بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ، فَقَال: مَا هَذَا؟ قَالُوا: حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، تُصَلِّي فَإِذَا كَسِلَتْ أَوْ فَتَرَتْ أَمْسَكَتْ بِهِ. فَقَال ﷺ: حُلُّوهُ؛ لِيُصَل أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا كَسِل أَوْ فَتَرَ قَعَدَ (٢) .

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّل عَلَيْهِ. فَسَأَل عَنْهُ فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَال: لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ (٣) فُسِّرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدُ إِلَى مِثْل هَذِهِ الْحَال وَلَمْ يُفْطِرْ. وَأَرْشَدَ ﷺ إِلَى أَنَّ تَحْصِيل أَجْرِ النَّوَافِل بِفِعْل الْقَلِيل مِنْهَا مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنْهَا وَالدَّوَامِ عَلَيْهِ

_________

(١) سورة الذاريات / ١٧ - ١٩.

(٢) حديث: " حلوه، ليصل أحدكم نشاطه. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٣٦ ط السلفية) .

(٣) حديث: " ليس من البر الصوم في السفر ". أخرجه البخاري (٤ / ١٨٣ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧٨٦ ط عيسى الحلبي) .