الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
وَلِحَدِيثِ سَهْل بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلاَمٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الأَْشْيَاخُ، فَقَال لِلْغُلاَمِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلاَءِ؟ فَقَال الْغُلاَمُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. فَتَلَّهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ (١) .
وَهَذَا الْغُلاَمُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄. (٢)
النَّوْمُ:
١٥ - يُسْتَحَبُّ النَّوْمُ عَلَى الشِّقِّ الأَْيْمَنِ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ. آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ (٣) .
_________
(١) حديث سهل بن سعد: " أتأذن لي أن أعطي هؤلاء " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٨٦ - ط السلفية) .
(٢) دليل الفالحين شرح رياض الصالحين ٣ / ٢٤٩، وسبل السلام ٣ / ٢٥١.
(٣) حديث البراء كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١١٥ - ط السلفية) .
وَعَنْهُ ﵁ قَال: قَال لِي رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلاَةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَْيْمَنِ وَقُل: وَذَكَرَ نَحْوَهُ: وَفِيهِ: وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُول (١) .
وَهُنَاكَ أُمُورٌ يُسَنُّ فِعْلُهَا بِالْيَمِينِ دُونَ الْيَسَارِ إِلاَّ لِلضَّرُورَةِ، مِنْهَا: اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ، وَالْمُصَافَحَةُ، وَالأَْكْل وَالشُّرْبُ وَتَفْصِيل كُل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ. (٢)
_________
(١) حديث البراء: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضؤك " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ١٠٩ - ط السلفية) .
(٢) القوانين الفقهية ص٤٤٢، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٠.
تَيْسِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّيْسِيرُ لُغَةً مَصْدَرُ يَسَّرَ، يُقَال: يَسَّرَ الأَْمْرَ إِذَا سَهَّلَهُ وَلَمْ يُعَسِّرْهُ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ نَفْسِهِ فِيهِ. وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَل مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١) أَيْ سَهَّلْنَاهُ وَجَعَلْنَا الاِتِّعَاظَ بِهِ مَيْسُورًا.
وَفِي الْحَدِيثِ يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (٢) وَهُوَ مِنَ الْيُسْرِ، وَالْيُسْرُ فِي اللُّغَةِ اللِّينُ وَالاِنْقِيَادُ، وَيُقَال: يَاسَرَ فُلاَنٌ فُلاَنًا إِذَا لاَيَنَهُ، وَتَيَسَّرَتِ الْبِلاَدُ إِذَا أَخْصَبَتْ، وَالْيُسْرُ وَالْمَيْسَرَةُ الْغِنَى، وَكَذَلِكَ الْيَسَارُ (٣)، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤) .
وَمِنْ مَعَانِي التَّيْسِيرِ فِي اللُّغَةِ التَّهْيِئَةُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (٥) أَيْ نُهَيِّئُهُ
_________
(١) سورة القمر / ٥٤.
(٢) حديث: " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تفرقوا " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٦٣ - ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٣٥٩ - ط عيسى الحلبي) .
(٣) لسان العرب.
(٤) سورة البقرة / ٢٨٠.
(٥) سورة الليل / ٧.
لِلْعَوْدِ إِلَى الْعَمَل الصَّالِحِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَيَسَّرُوا لِلْقِتَال (١) أَيْ تَهَيَّئُوا لَهُ وَتَأَهَّبُوا.
وَمَعْنَى التَّيْسِيرِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ مُوَافِقٌ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّخْفِيفُ:
٢ - التَّخْفِيفُ لُغَةً ضِدُّ التَّثْقِيل، سَوَاءٌ أَكَانَ حِسِّيًّا أَمْ مَعْنَوِيًّا، وَالْخِفَّةُ ضِدُّ الثِّقَل، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ (٢) أَيْ: قَلَّتْ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ حَتَّى رَجَحَتْ عَلَيْهَا سَيِّئَاتُهُ. وَالْخِفَّةُ خِفَّةُ الْوَزْنِ وَخِفَّةُ الْحَال. (٣)
وَالتَّكْلِيفُ الْخَفِيفُ هُوَ الَّذِي يَسْهُل أَدَاؤُهُ، وَالثَّقِيل هُوَ الَّذِي يَشُقُّ أَدَاؤُهُ، كَالْجِهَادِ.
وَالتَّخْفِيفُ فِي الاِصْطِلاَحِ رَفْعُ مَشَقَّةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَسْخٍ، أَوْ تَسْهِيلٍ، أَوْ إِزَالَةِ بَعْضِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (٤) أَيْ إِنْ كَانَ فِيهِ فِي الأَْصْل حَرَجٌ أَوْ مَشَقَّةٌ.
فَالتَّخْفِيفُ أَخَصُّ مِنَ التَّيْسِيرِ إِذْ هُوَ تَيْسِيرُ مَا كَانَ فِيهِ عُسْرٌ فِي الأَْصْل، وَلاَ يَدْخُل فِيهِ مَا كَانَ فِي الأَْصْل مُيَسَّرًا.
_________
(١) حديث: " تيسروا للقتال " أخرجه مسلم (١ / ١٢٥ - ط. عيسى الحلبي) .
(٢) سورة القارعة / ٨.
(٣) لسان العرب.
(٤) زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٢ / ٦٠ عند قوله تعالى (يريد الله أن يخفف عنكم)، بيروت، المكتب الإسلامي ١٣٨٤ هـ.
ب - التَّرْخِيصُ:
٣ - التَّرْخِيصُ لُغَةً التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيل. وَالاِسْمُ الرُّخْصَةُ. وَيُقَال: رَخَّصَ لَهُ فِي الأَْمْرِ، وَأَرْخَصَ لَهُ فِيهِ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: وَأَرْخَصَ فِي السَّلَمِ (١) أَيْ أَذِنَ فِيهِ. وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الرَّخَاصَةِ، وَهِيَ فِي النَّبَاتِ هَشَاشَتُهُ وَلِينُهُ، وَفِي الْمَرْأَةِ نُعُومَةُ بَشَرَتِهَا وَلُيُونَتُهَا. وَمِنْهُ الرُّخْصُ لاِنْخِفَاضِ السِّعْرِ، ضِدُّ الْغَلاَءِ؛ لِمَا فِي الرُّخْصِ مِنَ السُّهُولَةِ، وَفِي الْغَلاَءِ مِنَ الشِّدَّةِ.
وَالتَّرْخِيصُ فِي الاِصْطِلاَحِ أَنْ يَجْعَل فِي الأَْمْرَ سُهُولَةً. وَالرُّخْصَةُ تُسْتَعْمَل بِاصْطِلاَحَيْنِ:
الأَْوَّل: الْحُكْمِ النَّازِل بِالْيُسْرِ بَعْدَ الْعُسْرِ لِعُذْرٍ مِنَ الأَْعْذَارِ.
وَالثَّانِي: وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الأَْوَّل: مَا اُسْتُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. فَالإِْذْنُ فِي السَّلَمِ مَعَ انْعِدَامِ الْمَبِيعِ رُخْصَةٌ مِنْ بَيْعِ الْمَعْدُومِ عَلَى التَّعْرِيفِ الأَْوَّل،
_________
(١) حديث: " وأرخص في السلم " قال الزيلعي حديث النهي عن بيع ما ليس عند الإنسان أخرجه أصحاب السنن. قال رسول الله ﷺ، " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. . . " وأما الرخصة في السلم، فأخرج الأئمة الستة في كتبهم. . . عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ والناس يستلفون في الثمر السنتين والثلاث، فقال: من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ". نصب الراية (٤ / ٤٥ - ٤٦ط المجلس الأعلى) .
وَلَيْسَ رُخْصَةً عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا. وَكَذَا مَا نُسِخَ عَنَّا مِنَ الآْصَارِ وَالأَْغْلاَل الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا رُخْصَةٌ عَلَى الأَْوَّل، لاَ عَلَى الثَّانِي؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْنَا. (١)
ج - التَّوْسِعَةُ:
٤ - التَّوْسِعَةُ مَصْدَرُ وَسَّعَ، أَيْ صَيَّرَ الشَّيْءَ وَاسِعًا، وَالسِّعَةُ ضِدُّ الضِّيقِ، وَالسِّعَةُ الْغِنَى وَالرَّفَاهِيَةُ. وَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى فُلاَنٍ: أَغْنَاهُ وَرَفَّهَهُ، وَوَسَّعَ فُلاَنٌ عَلَى أَهْلِهِ: أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ عَنْ سِعَةٍ، أَيْ بِمَا يَزِيدُ عَنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ. (٢)
فَالتَّوْسِعَةُ مِنَ التَّيْسِيرِ، بَل هِيَ أَعْلَى التَّيْسِيرِ.
د - رَفْعُ الْحَرَجِ:
٥ - الْحَرَجُ لُغَةً: الضِّيقُ وَمَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ أَضْيَقُ الضِّيقِ. سُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْحَرَجِ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ فَقَال لَهُ: مَا الْحَرَجُ فِيكُمْ؟ فَقَال: الْحَرِجَةُ مِنَ الشَّجَرِ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ ذَلِكَ. الْحَرَجُ مَا لاَ مَخْرَجَ لَهُ. (٣)
_________
(١) المصباح المنير، مسلم الثبوت ١ / ١١٦ - ١١٨، والمستصفى بهامشه ١ / ٦٨، القاهرة، مطبعة بولاق.
(٢) لسان العرب مادة: " وسع ".
(٣) الموفقات للشاطبي بتعليق الشيخ عبد الله دراز ٢ / ١٥٩، القاهرة، المكتبة التجارية، ١٩٥٥ م.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الْحَرَجُ مَا فِيهِ مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ. (١)
وَرَفْعُ الْحَرَجِ: إِزَالَةُ مَا فِي التَّكْلِيفِ الشَّاقِّ مِنَ الْمَشَقَّةِ بِرَفْعِ التَّكْلِيفِ مِنْ أَصْلِهِ، أَوْ بِتَخْفِيفِهِ، أَوِ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ، أَوْ بِأَنْ يُجْعَل لَهُ مَخْرَجٌ، كَرَفْعِ الْحَرَجِ فِي الْيَمِينِ بِإِبَاحَةِ الْحِنْثِ فِيهَا مَعَ التَّكْفِيرِ عَنْهَا أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِل، فَرَفْعُ الْحَرَجِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ الشِّدَّةِ، خِلاَفًا لِلتَّيْسِيرِ.
هـ - التَّوَسُّطُ:
٦ - التَّوَسُّطُ فِي الأَْمْرِ أَنْ لاَ يَذْهَبَ فِيهِ إِلَى أَحَدِ طَرَفَيْهِ. وَالتَّوَسُّطُ فِي الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. فَلاَ غُلُوَّ فِيهَا وَلاَ تَقْصِيرَ، وَلَكِنْ هِيَ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا. وَالتَّوَسُّطُ فِي الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا لاَ تَمِيل إِلَى جَانِبِ الإِْفْرَاطِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلاَ إِلَى جَانِبِ التَّيْسِيرِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَصِل إِلَى حَدِّ التَّحَلُّل مِنَ الأَْحْكَامِ. وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ. فَالتَّوَسُّطُ نَوْعٌ مِنَ التَّيْسِيرِ، وَلَيْسَ مُقَابِلًا لَهُ؛ إِذْ الَّذِي يُقَابِل التَّيْسِيرَ التَّعْسِيرُ وَالتَّشْدِيدُ، أَمَّا التَّوَسُّطُ فَفِيهِ الْيُسْرُ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَشَقَّةٌ خَارِجَةٌ عَنِ الْمُعْتَادِ، وَمِثَالُهُ يُسْرُ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ؛ إِذْ فِيهِمَا مَشَقَّةٌ، وَلَكِنَّهَا مُعْتَادَةٌ. (٢)
_________
(١) الموافقات ٢ / ١٥٩.
(٢) الموافقات ٢ / ١٦٣ و٤ / ٢٥٩، ٢٦٠.
و- التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل:
٧ - التَّشْدِيدُ وَالتَّثْقِيل ضِدُّ التَّخْفِيفِ، وَأَصْل التَّشْدِيدِ فِي اللُّغَةِ مِنْ شَدِّ الْحَبْل، وَالشِّدَّةُ الصَّلاَبَةُ وَالْقُوَّةُ. (١)
حُكْمُ التَّيْسِيرِ:
٨ - الْيُسْرُ وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ صِفَتَانِ أَسَاسِيَّتَانِ فِي دِينِ الإِْسْلاَمِ وَشَرِيعَتِهِ، وَالتَّيْسِيرُ مَقْصِدٌ أَسَاسِيٌّ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ. وَيَدُل عَلَى هَذَا الأَْصْل آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَحَادِيثُ نَبَوِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَيْهِ:
فَمِنَ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ سِعَةُ الإِْسْلاَمِ وَمَا جَعَل اللَّهُ فِيهِ مِنَ التَّوْبَةِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) وَقَوْلُهُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِْنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (٤) .
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ (٥) أَيِ السَّهْلَةِ اللَّيِّنَةِ، وَقَوْلُهُ إِنَّ هَذَا
_________
(١) لسان العرب مادة: " شدد " و" ثقل ".
(٢) سورة الحج / ٧٨.
(٣) سورة البقرة / ١٨٥.
(٤) سورة النساء / ٢٨.
(٥) حديث: " بعثت بالحنيفية السمحة ". أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٦ - ط المكتب الإسلامي) . والطبراني في الكبير (٥ / ٧٧ - ط الوطن العربي) من حديث أبي أمامة وأحمد (٦ / ١١٦ ط المكتب الإسلامي) من حديث عائشة قال السخاوي في المقاصد (ح٢١٤) ط دار الكتاب العربي بعد أن عزاه لأحمد: " سنده حسن ".
الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ (١) وَقَوْلُهُ إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ (٢) .
وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ شَرَعَ هَذَا الدِّينَ فَجَعَلَهُ سَمْحًا سَهْلًا وَاسِعًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ ضَيِّقًا (٣) .
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي هَذَا الْبَابِ، قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ إِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ، إِيَّاكُمْ وَالتَّعَمُّقَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْعَتِيقِ أَيْ: الأَْمْرِ الْقَدِيمِ، أَيْ: الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَوْل إِبْرَاهِيمِ النَّخَعِيِّ: " إِذَا تَخَالَجَكَ أَمْرَانِ فَظُنَّ أَنَّ أَحَبَّهُمَا إِلَى اللَّهِ أَيْسَرُهُمَا ".
أَنْوَاعُ الْيُسْرِ فِي الشَّرِيعَةِ:
٩ - يُسْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:
_________
(١) حديث: " إن هذا الدين يسر، ولن يشدد الدين أحد إلا غلبه ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩٣ ط السلفية) .
(٢) حديث: " إن خير دينكم أيسره ". أخرجه أحمد (٤ / ٣٣٨ ط المكتب الإسلامي) . قال الهيثمي (رواه أحمد ورجاله رجال صحيح خلا رجاء وقد وثقه ابن حبان. مجمع الزوائد ٣ / ٣٠٨ ط دار الكتاب العربي) .
(٣) حديث: " إن الله شرع هذا الدين فجعله سمحًا وسهلًا واسعًا. . . . " لم نعثر عليه في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
١ - تَيْسِيرُ مَعْرِفَةِ الشَّرِيعَةِ وَالْعِلْمِ بِهَا وَسُهُولَةِ إِدْرَاكِ أَحْكَامِهَا وَمَرَامِيهَا.
٢ - تَيْسِيرُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ سُهُولَةُ تَنْفِيذِهَا وَالْعَمَل بِهَا.
٣ - أَمْرُ الشَّرِيعَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِالتَّيْسِيرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ.
النَّوْعُ الأَْوَّل: تَيْسِيرُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ:
١٠ - اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ حَمَل هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ - أَوَّل مَا حَمَلَهَا - قَوْمٌ أُمِّيُّونَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِكُتُبِ الأَْقْدَمِينَ وَلاَ بِعُلُومِهِمْ، مِنَ الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْمَنْطِقِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَغَيْرِهَا، وَلاَ مِنَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَل كَانُوا بَاقِينَ قَرِيبًا مِنَ الْفِطْرَةِ. وَأَرْسَل اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أُمِّيًّا لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، وَلَمْ يَخُطَّهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ عَرَفَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَهُ الْكَاتِبُونَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ (١) وَقَال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٢) ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ،
_________
(١) سورة الجمعة / ٢.
(٢) سورة العنكبوت / ٤٨.