الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
فَإِذَا ادَّعَى - مَثَلًا - اثْنَانِ عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، وَلاَ مُرَجِّحَ لإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى، فَإِنَّهُمَا تَتَهَاتَرَانِ فِي أَصَحِّ الأَْقْوَال عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِحْدَى رِوَايَتَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ وَقَالُوا: لأَِنَّ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ كَاذِبَةٌ بِيَقِينٍ لاِسْتِحَالَةِ الْمِلْكَيْنِ فِي الْكُل، وَلأَِنَّهُمَا حُجَّتَانِ تَعَارَضَتَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لإِحْدَاهُمَا عَلَى الأُْخْرَى فَتَسَاقَطَتَا كَالْخَبَرَيْنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُعْمَل بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بِالتَّسَاوِي، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا وَرَدَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي نَاقَةٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَقَضَى بِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (٢)، قَالُوا: وَلأَِنَّ الْمُطْلِقَ لِلشَّهَادَةِ فِي مَا مَعَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مُحْتَمِلٌ الْوُجُودَ، بِأَنْ تَعْتَمِدَ إحْدَاهُمَا سَبَبَ الْمِلْكِ وَالأُْخْرَى الْيَدَ فَصَحَّتِ الشَّهَادَتَانِ، فَيَجِبُ الْعَمَل بِهِمَا مَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِالتَّنْصِيفِ، لاِسْتِوَائِهِمَا فِي سَبَبِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الشَّهَادَةُ.
وَمَدَارُ الْعَمَل بِالشَّهَادَتَيْنِ صِحَّتُهُمَا لاَ صِدْقُهُمَا فَإِنَّهُ مِمَّا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعِبَادُ.
_________
(١) القليوبي وعميرة ٤ / ٧٤٣، والمغني ٩ / ٢٨٧، وفتح القدير ٦ / ٢١٧.
(٢) حديث: " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في ناقة. . . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٧، ٣٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . والببيهقي (١٠ / ٢٥٤، ٣٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله البيهقي بالإرسال.
أَمَّا بَاقِي حَالاَتِ التَّهَاتُرِ، وَمَا يُعْتَبَرُ مُرَجِّحًا لإِحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِي تَفْصِيلِهِ إلَى مُصْطَلَحِ: (تَعَارُضٌ) .
تَهَايُؤٌ
اُنْظُرْ: مُهَايَأَةٌ.
تَهَجُّدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّهَجُّدُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْهُجُودِ وَيُطْلَقُ عَلَى النَّوْمِ وَالسَّهَرِ. يُقَال هَجَدَ: نَامَ بِاللَّيْل فَهُوَ هَاجِدٌ وَالْجَمْعُ هُجُودٌ مِثْل: رَاقِدٍ وَرُقُودٌ وَقَاعِدٌ وَقُعُودٌ. وَهَجَدَ. صَلَّى بِاللَّيْل، وَيُقَال: تَهَجَّدَ: إذَا نَامَ. وَتَهَجَّدَ: إذَا صَلَّى فَهُوَ مِنَ الأَْضْدَادِ (١) .
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: قَال الأَْزْهَرِيُّ: الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنَّ الْهَاجِدَ هُوَ النَّائِمُ. هَجَدَ هُجُودًا إذَا نَامَ. وَأَمَّا الْمُتَهَجِّدُ فَهُوَ الْقَائِمُ إلَى الصَّلاَةِ مِنَ النَّوْمِ. وَكَأَنَّهُ قِيل لَهُ مُتَهَجِّدٌ لإِلْقَائِهِ الْهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ (٢) .
وَقَدْ فَسَّرَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَمُجَاهِدٌ ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل (٣)﴾ بِالْقِيَامِ لِلصَّلاَةِ بَعْدَ النَّوْمِ، فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِلتَّهَجُّدِ (٤) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْل
_________
(١) المصباح المنير مادة: " هجد ".
(٢) لسان العرب مادة: " هجد ".
(٣) سورة المزمل / ٦.
(٤) تفسير القرطبي ١٩ / ٣٩.
بَعْدَ النَّوْمِ (١)، وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: فِي مَعْنَى التَّهَجُّدِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ (الأَْوَّل) أَنَّهُ النَّوْمُ ثُمَّ الصَّلاَةُ ثُمَّ النَّوْمُ ثُمَّ الصَّلاَةُ، (الثَّانِي) أَنَّهُ الصَّلاَةُ بَعْدَ النَّوْمِ، (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ. ثُمَّ قَال عَنِ الأَْوَّل: إنَّهُ مِنْ فَهْمِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ عَوَّلُوا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ وَيُصَلِّي، وَيَنَامُ وَيُصَلِّي (٢) . وَالأَْرْجَحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الرَّأْيُ الثَّانِي (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - قِيَامُ اللَّيْل:
٢ - الأَْصْل فِي قِيَامِ اللَّيْل أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الاِشْتِغَال فِيهِ بِالصَّلاَةِ دُونَ غَيْرِهَا. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الاِشْتِغَال بِمُطْلَقِ الطَّاعَةِ مِنْ تِلاَوَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَقِيَامُ اللَّيْل قَدْ يَسْبِقُهُ نَوْمٌ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ وَقَدْ لاَ يَسْبِقُهُ أَمَّا التَّهَجُّدُ فَلاَ يَكُونُ إلاَّ بَعْدَ نَوْمٍ
_________
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٢٤٥، والدسوقي ٢ / ٢١١، ونهاية المحتاج ٢ / ١٢٧، ومطالب أولي النهى ١ / ٥٦٧.
(٢) حديث: " كان ينام ويصلي وينام ويصلي " أخرجه مسلم (١ / ٥٢٦ - ٥٢٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس.
(٣) الإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٠٦ دار المعرفة، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٠ / ٣٠٨، وأحكام القرآن لابن العربي ٣ / ١٢١١، والدسوقي ٢ / ٢١١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٢.
ب - إحْيَاءُ اللَّيْل:
٣ - الْمُرَادُ بِإِحْيَاءِ اللَّيْل قَضَاؤُهُ أَوْ أَكْثَرَهُ بِالْعِبَادَةِ كَالصَّلاَةِ، وَالذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَالإِْحْيَاءُ أَخَصُّ لِشُمُولِهِ اللَّيْل كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ، وَالتَّهَجُّدُ أَخَصُّ لِكَوْنِهِ بِالصَّلاَةِ دُونَ غَيْرِهَا.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إحْيَاءُ اللَّيْل) .
حُكْمُهُ:
٤ - التَّهَجُّدُ مَسْنُونٌ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ اللَّيْل فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك (١)﴾ .
أَيْ فَرِيضَةً زَائِدَةً عَلَى الْفَرِيضَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى التَّهَجُّدِ؛ وَلِمَا وَرَدَ فِي شَأْنِهِ مِنَ الأَْحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى سُنِّيَّتِهِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِصَلاَةِ اللَّيْل، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إلَى رَبِّكُمْ، وَمُكَفِّرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِْثْمِ (٢) .
وَقَوْلُهُ ﵊: أَفْضَل الصَّلاَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلاَةُ اللَّيْل (٣) وَالْمُرَادُ بِهَا التَّهَجُّدُ.
_________
(١) سورة الإسراء / ٧٩.
(٢) حديث: " عليكم بصلاة الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم ". أخرجه الحاكم (١ / ٣٠٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي أمامة الباهلي وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: " أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل " أخرجه مسلم (٢ / ٨٢١ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
وَأَمَّا فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِهِ أَوْ نَفْلِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ (١): يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اخْتِصَاصٌ) .
وَقْتُهُ:
٥ - أَفْضَل أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ جَوْفُ اللَّيْل الآْخَرِ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ قَال: قُلْت: يَا رَسُول اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْل أَسْمَعُ؟ قَال: جَوْفُ اللَّيْل الآْخَرِ فَصَل مَا شِئْت (٢)
فَلَوْ جَعَل اللَّيْل نِصْفَيْنِ أَحَدَهُمَا لِلنَّوْمِ وَالآْخَرَ لِلْقِيَامِ فَالأَْخِيرُ أَفْضَل؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: يَنْزِل رَبُّنَا ﵎ كُل لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْل الأَْخِيرِ فَيَقُول: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ (٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
_________
(١) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ٢١٦ - ٢١٧، والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٠٦، ودار المعرفة، نهاية المحتاج للرملي ٢ / ١٢٧، والفواكه الدواني ١ / ٢٣٤، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٥ م الرياض الحديثة، مطالب أولي النهى ١ / ٥٦٨، والموسوعة ج٢ ص٢٥٧.
(٢) حديث: " أي الليل أسمع قال: جوف الليل الآخر، فصل ما شئت ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٦ - ٥٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٥٧٠ - ط الحلبي) من حديث أبي أمامة وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) حديث: " ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٢٩ ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٢١ - ط الحلبي) .
قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ أَثْلاَثًا فَيَقُومَ ثُلُثَهُ وَيَنَامَ ثُلُثَيْهِ، فَالثُّلُثُ الأَْوْسَطُ أَفْضَل مِنْ طَرَفَيْهِ، لأَِنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ أَتَمُّ، وَالْعِبَادَةُ فِيهِ أَفْضَل وَالْمُصَلِّينَ فِيهِ أَقَل؛ وَلِهَذَا قَال النَّبِيُّ ﷺ ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مِثْل الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ (١) وَالأَْفْضَل مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ اللَّيْل؛ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَحَبُّ الصَّلاَةِ إلَى اللَّهِ ﷿ صَلاَةُ دَاوُد ﵇ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْل وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ (٢) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَأَفْضَلُهُ عِنْدَهُمْ ثُلُثُهُ الأَْخِيرُ لِمَنْ تَكُونُ عَادَتُهُ الاِنْتِبَاهَ آخِرَ اللَّيْل، أَمَّا مَنْ كَانَ غَالِبُ حَالِهِ أَنْ لاَ يَنْتَبِهَ آخِرَهُ بِأَنْ كَانَ غَالِبُ أَحْوَالِهِ النَّوْمَ إلَى الصُّبْحِ، فَالأَْفْضَل أَنْ يَجْعَلَهُ أَوَّل اللَّيْل احْتِيَاطًا (٣) .
_________
(١) حديث: " ذاكر الله في الغافلين مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر " أخرجه أبو نعيم (٦ / ١٨١ - ط السعادة) من حديث عبد الله بن عمر وضعفه العراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١ / ٣٠٢ - ط الحلبي) .
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٦٠، وروضة الطالبين ١ / ٣٣٨، ونهاية المحتاج للرملي ٢ / ١٢٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٩١، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٦ م الرياض الحديثة. وحديث: " أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇. . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦ - ط السلفية) .
(٣) الفواكه الدواني ١ / ٢٣٤ من دار المعرفة.
عَدَدُ رَكَعَاتِهِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْل فَلْيَفْتَتِحْ صَلاَتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مُنْتَهَى رَكَعَاتِهِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ (٢) قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّ أَقَلّ تَهَجُّدِهِ ﷺ كَانَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ مُنْتَهَاهُ كَانَ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَسَتَأْتِي الرِّوَايَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: أَكْثَرُهُ عَشْرُ رَكَعَاتٍ أَوِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْل إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ (٤) وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِيهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (٥) . يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (اخْتِصَاصٌ) .
_________
(١) حديث: " إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين " أخرجه مسلم (١ / ٥٣٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(٢) ابن عابدين ١ / ٤٦٠، والفتاوى الهندية ١ / ١١٢ المكتبة الإسلامية وفتح القدير ١ / ٣٩٠ دار إحياء التراث العربي.
(٣) الفواكه الدواني ١ / ٢٣٤ دار المعرفة.
(٤) حديث: " كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة " أخرجه مسلم (١ / ٥٠٨ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٥) حديث: " كان يصلي فيه اثنتي عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة " أخرجه مسلم (١ / ٥٣١ - ٥٣٢ ط الحلبي) من حديث زيد بن خالد.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ حَصْرَ لِعَدَدِ رَكَعَاتِهِ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ (١) . لِخَبَرِ: الصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ مَنْ شَاءَ أَقَلّ وَمَنْ شَاءَ أَكْثَر (٢) .
رَكَعَاتُ تَهَجُّدِهِ ﷺ:
٧ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: اُخْتُلِفَ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِ تَهَجُّدِهِ ﷺ فَرُوِيَ أَنَّهُ ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً (٣) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلاَ تَسْأَل عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا. وَفِي لَفْظٍ قَالَتْ: كَانَتْ صَلاَتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ بِاللَّيْل ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَفِي لَفْظٍ: مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ كَانَ يُصَلِّي ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ. وَفِي لَفْظٍ كَانَ يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى الْفَجْرِ إحْدَى
_________
(١) نهاية المحتاج للرملي ٢ / ١٢٤ - ١٢٨، وكشاف القناع ١ / ٤٣٨ - ٤٣٩، والمغني ٢ / ١٣٨ - ١٤١.
(٢) حديث: " الصلاة خير موضوع من شاء أقل ومن شاء أكثر " أخرجه أحمد (٥ / ١٧٨ ط الميمنية) من حديث ذر، وأورده الهيثمي في المجمع (١ / ١٦٠ - ط القدسي) وقال: " فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط ".
(٣) " كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة " أخرجه مسلم (١ / ٥٣١ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمُ مِنْ كُل رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ (١) .
تَرْكُ التَّهَجُّدِ لِمُعْتَادِهِ:
٨ - يُكْرَهُ لِمَنِ اعْتَادَ التَّهَجُّدَ أَنْ يَتْرُكَهُ بِلاَ عُذْرٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لاِبْنِ عَمْرٍو يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْل فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْل (٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ ﷺ أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (٣) وَقَوْل عَائِشَةَ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاَةً دَاوَمَ عَلَيْهَا (٤) هَذَا وَتَفْصِيل ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ مِنْ صِفَةِ صَلاَتِهِ وَمَا يَقُولُهُ الْمُتَهَجِّدُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَتَهَجَّدُ وَمَا يَقْرَأُ فِي تَهَجُّدِهِ، وَإِسْرَارِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَجَهْرِهِ بِهَا، وَهَل تَهَجُّدُهُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَل مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوِ الْعَكْسُ، وَإِيقَاظِهِ مَنْ يُطْمَعُ فِي تَهَجُّدِهِ إذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَهَل إطَالَةُ الْقِيَامِ
_________
(١) حديث: " ما كان يزيد في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٣ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام الليل ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٧ - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) حديث: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " أخرجه مسلم (١ / ٥٤١ - ط الحلبي) من حديث عائشة.
(٤) حديث: " كان النبي ﷺ إذا صلى داوم عليها " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢١٣ - ط السلفية) من حديث عائشة.