الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِجُعْلٍ فِي الْخَيْل، وَفِي الإِْبِل، وَبَيْنَ الْخَيْل وَالإِْبِل، وَفِي السَّهْمِ إِذَا كَانَ الْجُعْل مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَعُيِّنَ الْمَبْدَأُ وَالْغَايَةُ وَالْمَرْكَبُ. وَثُمَّ قَالُوا فِي شَرْحِ الْمَرْكَبِ: وَلاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْخَيْل أَوِ الإِْبِل مُتَقَارِبَةً فِي الْجَرْيِ، وَأَنْ يَجْهَل كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبْقَ فَرَسِهِ وَفَرَسَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَدَ الْفَرَسَيْنِ أَكْثَرُ جَرْيًا مِنَ الآْخَرِ لَمْ تَجُزْ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُل وَاحِدٍ. . فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَرَسُ الْمُحَلِّل (٣) مُكَافِئًا لِفَرَسَيْهِمَا أَوْ بَعِيرُهُ مُكَافِئًا لِبَعِيرَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَافِئًا مِثْل أَنْ يَكُونَ فَرَسَاهُمَا جَوَادَيْنِ وَفَرَسُهُ بَطِيئًا فَهُوَ قِمَارٌ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ
_________
(١) شرح الزرقاني (دار الفكر - بيروت) ٣ / ١٥٢.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٣١٣.
(٣) المحلل الفرس الثالث الذي يدخل في السباق بين الفرسين إن كان هناك جعل من المتسابقين.
فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَل فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ، وَلأَِنَّهُ مَأْمُونٌ سَبْقُهُ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَإِنْ كَانَ مُكَافِئًا لَهُمَا جَازَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرِّهَانِ أَنْ تَكُونَ الدَّابَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْبَعِيرَ لاَ يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ فَلاَ يَحْصُل الْغَرَضُ مِنْ هَذِهِ الْمُسَابَقَةِ (١) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٦٥٨ـ ٦٦١.
تَكْبِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّكْبِيرُ فِي اللُّغَةِ: التَّعْظِيمُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١) أَيْ فَعَظِّمْ، وَأَنْ يُقَال: " اللَّهُ أَكْبَرُ (٢) " رُوِيَ ﴿أَنَّهُ لَمَّا نَزَل ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ اللَّهُ أَكْبَرُ فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وَفَرِحَتْ وَأَيْقَنَتْ أَنَّهُ الْوَحْيُ﴾ (٣) . وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٤) .
_________
(١) سورة المدثر / ٣.
(٢) الصحاح وترتيب القاموس المحيط مادة: " كبر ". وعمدة القاري ٥ / ٢٦٨.
(٣) حديث: " لما نزل وربك فكبر " قال رسول الله ﷺ: " الله أكبر " فكبرت خديجة وفرحت. . . " ذكره صاحب كتاب العناية على الهداية بهامش فتح القدير (١ / ٢٣٩ ط دار إحياء التراث العربي) . ولم نعثر عليه في كتب السنة التي بين أيدينا.
(٤) العناية على الهداية بهامش فتح القدير ١ / ٢٣٩ ط دار إحياء التراث العربي، وبدائع الصنائع ١ / ١٣٠.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّسْبِيحُ وَالتَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدُ:
٢ - الصِّلَةُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَهَذِهِ الأَْلْفَاظِ أَنَّهَا كُلُّهَا مَدَائِحُ يُمْدَحُ بِهَا الإِْلَهُ وَيُعَظَّمُ (١) .
فَمَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فَقَدْ عَظَّمَهُ وَنَزَّهَهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ وَسِمَاتِ الْحُدُوثِ، فَصَارَ وَاصِفًا لَهُ بِالْعَظَمَةِ وَالْقِدَمِ. وَكَذَا إِذَا هَلَّل؛ لأَِنَّهُ إِذَا وَصَفَهُ بِالتَّفَرُّدِ وَالأُْلُوهِيَّةِ فَقَدْ وَصَفَهُ بِالْعَظَمَةِ وَالْقِدَمِ، لاِسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ الإِْلَهِيَّةِ دُونَهُمَا (٢) .
كَمَا أَنَّ التَّحْمِيدَ يُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، لأَِنَّهُ هُوَ مُسْتَحِقُّ الْحَمْدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (٣) .
أَحْكَامُ التَّكْبِيرِ:
أَوَّلًا
:
التَّكْبِيرُ فِي الصَّلاَةِ
تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ:
٣ - تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الصَّلاَةِ.
وَهِيَ قَوْل الْمُصَلِّي لاِفْتِتَاحِ الصَّلاَةِ (اللَّهُ أَكْبَرُ) أَوْ كُل ذِكْرٍ يَصِيرُ بِهِ شَارِعًا فِي الصَّلاَةِ.
وَتُنْظَرُ أَحْكَامُهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَكْبِيرَةُ الإِْحْرَامِ) .
_________
(١) قواعد الأحكام لعز بن عبد السلام ٢ / ٦٦.
(٢) بدائع الصنائع ١ / ١٣٠.
(٣) الموسوعة الفقهية بدولة الكويت ١٠ / ٢٦٥.
تَكْبِيرَاتُ الاِنْتِقَالاَتِ:
٤ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ سُنَّةٌ (١)
قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: بِهَذَا قَال أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَجَابِرٌ وَقَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ وَالشَّعْبِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَكْحُولٍ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ (٢) .
وَدَلِيل الْجُمْهُورِ حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ صَلاَتَهُ، فَعَلَّمَهُ وَاجِبَاتِهَا، فَذَكَرَ مِنْهَا تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ وَهَذَا مَوْضِعُ الْبَيَانِ وَوَقْتُهُ وَلاَ يَجُوزُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ (٣) .
أَمَّا الأَْحَادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ التَّكْبِيرَ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُول: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ،
_________
(١) المجموع للنووي ٣ / ٣٩٧ نشر السلفية، والفتوحات الربانية ٢ / ١٦٤، والمغني ١ / ٥٠٢، والدسوقي ١ / ٢٤٩، والفتاوى الهندية ١ / ٧٢، عمدة القاري ٦ / ٥٨، وصحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٩٨ ط المصرية بالأزهر.
(٢) عمدة القاري ٦ / ٨٥، والمجموع ٣ / ٣٩٧.
(٣) المجموع ٣ / ٣٩٧، وصحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٩٨. وحديث: " المسيء صلاته ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٧٧ ط السلفية) . من حديث أبي هريرة.
ثُمَّ يَقُول سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُول وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الصَّلاَةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْمَثْنَى بَعْدَ الْجُلُوسِ. (١)
وَالْحَدِيثُ فِيهِ إِثْبَاتُ التَّكْبِيرِ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ إِلاَّ فِي رَفْعِهِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنَّهُ يَقُول: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (٢) .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ فِي كُل خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ (٣) .
وَيَرَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ تَكْبِيرَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَاجِبٌ، وَهُوَ قَوْل إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُدَ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ وَأَمْرُهُ لِلْوُجُوبِ، وَفَعَلَهُ. وَقَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي (٤) .
_________
(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر. . " أخرجه مسلم (١ / ٢٩٣ ط عيسى البابي) من حديث أبي هريرة.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٩٧.
(٣) المجموع ٣ / ٣٩٨. وحديث: " كان رسول الله ﷺ يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود. . . " أخرجه الترمذي (٢ / ٣٣ - ٣٤ ط مصطفى البابي) من حديث عبد الله بن مسعود. وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد (٥ / ٣٦٦١ ط المعارف) وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.
(٤) حديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ١١١ ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلاَّدٍ عَنْ عَمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَتِمُّ صَلاَةٌ لأَِحَدٍ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ - إِلَى قَوْلِهِ - ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَقُول سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ يَقُول اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى يَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا، ثُمَّ يَقُول اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ، فَإِذَا فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ (١) . وَهَذَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ.
وَلأَِنَّ مَوَاضِعَ هَذِهِ الأَْذْكَارِ أَرْكَانُ الصَّلاَةِ فَكَانَ فِيهَا ذِكْرٌ وَاجِبٌ كَالْقِيَامِ (٢) .
وَقَال أَبُو عُمَرَ: قَدْ قَال قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ إِنَّ التَّكْبِيرَ إِنَّمَا هُوَ إِيذَانٌ بِحَرَكَاتِ الإِْمَامِ وَشِعَارُ الصَّلاَةِ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ إِلاَّ فِي الْجَمَاعَةِ. فَأَمَّا مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُكَبِّرَ (٣) .
_________
(١) حديث: " لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ - إلى قوله ثم يكبر. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥٦٣ ط عزت عبيد دعاس) . والترمذي (٢ / ١٠٠ - ١٠٢ ط مصطفى البابي) من حديث رفاعة بن رافع وقال الترمذي: (حديث حسن) .
(٢) المغني لابن قدامة ١ / ٥٠٢، ٥٠٣، والمجموع ٣ / ٤١٤، وصحيح مسلم بشرح النووي ٤ / ٩٨.
(٣) عمدة القاري ٦ / ٥٨.
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ:
٥ - الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ التَّكْبِيرِ فِي الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ هِيَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ أُمِرَ بِالنِّيَّةِ أَوَّل الصَّلاَةِ مَقْرُونَةً بِالتَّكْبِيرِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ إِلَى آخِرِ الصَّلاَةِ، فَأُمِرَ أَنْ يُجَدِّدَ الْعَهْدَ فِي أَثْنَائِهَا بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي هُوَ شِعَارُ النِّيَّةِ (١) .
مَدُّ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ وَحَذْفُهَا:
٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ - وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْحَنَابِلَةِ - اسْتِحْبَابَ التَّكْبِيرِ فِي كُل رُكْنٍ عِنْدَ الشُّرُوعِ، وَمَدَّهُ إِلَى الرُّكْنِ الْمُنْتَقَل إِلَيْهِ حَتَّى لاَ يَخْلُوَ جُزْءٌ مِنْ صَلاَةِ الْمُصَلِّي عَنْ ذِكْرٍ، فَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الاِنْتِقَال إِلَى الرُّكُوعِ، وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَصِل حَدَّ الرَّاكِعِينَ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، وَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَشْرَعُ فِي الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَْرْضِ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي تَسْبِيحِ السُّجُودِ، وَهَكَذَا يَشْرَعُ فِي التَّكْبِيرِ لِلْقِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَْوَّل حِينَ يَشْرَعُ فِي الاِنْتِقَال وَيَمُدُّهُ حَتَّى يَنْتَصِبَ قَائِمًا.
وَيَسْتَثْنِي الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ تَكْبِيرَ الْمُصَلِّي فِي قِيَامِهِ مِنَ اثْنَتَيْنِ، حَيْثُ يَقُولُونَ إِنَّهُ لاَ يُكَبِّرُ لِلْقِيَامِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا لأَِنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلاَةٍ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
_________
(١) عمدة القاري ٦ / ٥٩ ط المنيرية.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَدِيمِ الْمُقَابِل لِلصَّحِيحِ - بِحَذْفِ التَّكْبِيرِ وَعَدَمِ مَدِّهِ (١) .
وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتَرْكِ تَكْبِيرَاتِ الاِنْتِقَالاَتِ فِي (سُجُودُ السَّهْوِ) .
ب - التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي صَلاَةِ الْعِيدَيْنِ:
٧ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ فِيهَا سِتُّ تَكْبِيرَاتٍ فِي الأُْولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَال: شَهِدْتُ الأَْضْحَى وَالْفِطْرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَكَبَّرَ فِي الأُْولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ قَبْل الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآْخِرَةِ خَمْسًا قَبْل الْقِرَاءَةِ.
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأُْولَى سَبْعًا قَبْل الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْل الْقِرَاءَةِ (٣) .
_________
(١) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٤ والدسوقي ١ / ٢٤٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٥٠، وقليوبي ١ / ١٥٥، وصحيح مسلم شرح النووي ٤ / ٩٩، والفتوحات الربانية ٢ / ١٦٢، وأسرار الصلاة ومهماتها للغزالي ص ١٠٢ نشر دار التراث العربي، ومطالب أولي النهى ١ / ٤٤٢، ٤٤٩.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٣٤٥ نشر دار المعرفة، وبداية المجتهد ١ / ٢١٧، والإفصاح ١ / ١١٦، والمجموع ٥ / ٢٠، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٨٠.
(٣) حديث: " أن النبي ﷺ كبر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي. . . " أخرجه الترمذي (٢ / ٤١٦ ط مصطفى البابي) وابن ماجه (١ / ٤٠٧ ط عيسى البابي) من حديث عمرو بن عوف. وقال الترمذي (حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب) .
وَيَبْدُو أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ فِي السَّبْعِ فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى، كَمَا يَعُدُّونَ تَكْبِيرَةَ النُّهُوضِ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ الْمَرْوِيَّةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِحُجَّةِ أَنَّ الْعَمَل بِالْمَدِينَةِ كَانَ عَلَى هَذَا (١) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ صَلاَةَ الْعِيدَيْنِ فِيهَا سِتُّ تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدُ ثَلاَثٌ فِي الأُْولَى وَثَلاَثٌ فِي الثَّانِيَةِ. وَبِهَذَا قَال ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى الأَْشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالثَّوْرِيُّ وَعُلَمَاءُ الْكُوفَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (٢) .
فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَال: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُعَلِّمُنَا التَّكْبِيرَ فِي الْعِيدَيْنِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، خَمْسٌ فِي الأُْولَى وَأَرْبَعٌ فِي الآْخِرَةِ، وَيُوَالِي بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ، فِي الأُْولَى تَكْبِيرَةُ الاِفْتِتَاحِ وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ، وَالأَْرْبَعَةُ فِي الرَّكْعَةِ الأَْخِيرَةِ، التَّكْبِيرَاتُ الثَّلاَثُ الزَّوَائِدُ وَتَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ (٣) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ سَبْعٌ
_________
(١) بداية المجتهد ١ / ٢١٧، نشر دار المعرفة، والمغني ٢ / ٣٨٠، ٣٨١.
(٢) البناية ٢ / ٨٦٣، ٨٦٤، وبدائع الصنائع ١ / ٢٧٧، والإفصاح لابن هبيرة ١ / ١١٦، والمجموع ٥ / ٢٠ نشر السلفية، وبداية المجتهد ١ / ٢١٧.
(٣) البناية ٢ / ٨٦٤، وبداية المجتهد ١ / ٢١٧، ٢١٨ ط الحلبي.