الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ فِي كُل طَوَافٍ. (١)

أَمَّا تَقْبِيلُهُ فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يُقَبِّلُهُ: لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: يَسْتَلِمُهُ بِالْيَدِ وَيُقَبِّل الْيَدَ بَعْدَ اسْتِلاَمِهِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَلْمِسُهُ بِيَدِهِ وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ.

وَقَال مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ قَوْل الْخِرَقِيِّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يُقَبِّلُهُ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ.

هَذَا وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ تَقْبِيل عَتَبَةِ الْكَعْبَةِ أَيْضًا مِنْ قُبْلَةِ الدِّيَانَةِ. (٢)

ثَانِيًا: التَّقْبِيل الْمَمْنُوعُ:

أ - تَقْبِيل الأَْجْنَبِيَّةِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ لَمْسِ وَتَقْبِيل الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ وَلَوْ لِلْخِطْبَةِ. (٣)

وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل فِي مُصْطَلَحِ: " خِطْبَةٌ وَنِكَاحٌ ".

_________

(١) حديث: " كان رسول الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٤٠ - ٤٤١ - ط عبيد الدعاس) . والنسائي (٥ / ٢٣١ - ط المكتبة التجارية) واللفظ له، وأصله في البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٣ ط السلفية) .

(٢) ابن عابدين ٢ / ١٦٩، ٥ / ٢٤٦، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٣ / ١٠٧، وقليوبي ٢ / ١٠٦، والمغني ٣ / ٣٧٩، ٣٨٠.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٥، والقليوبي ٣ / ٢٠٨، ونهاية المحتاج ٦ / ١٩٠، وكشاف القناع ٥ / ١٠، والمغني ٦ / ٥٥٣ وما بعدها.

ب - تَقْبِيل الأَْمْرَدِ

٦ - الأَْمْرَدُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَبِيحَ الْوَجْهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرِّجَال فِي جَوَازِ تَقْبِيلِهِ لِلْوَدَاعِ وَالشَّفَقَةِ دُونَ الشَّهْوَةَ، أَمَّا إِذَا كَانَ صُبَيْحَ الْوَجْهِ يُشْتَهَى فَيَأْخُذُ حُكْمَ النِّسَاءِ وَإِنِ اتَّحَدَ الْجِنْسُ، فَتَحْرُمُ مُصَافَحَتُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَمُعَانَقَتُهُ بِقَصْدِ التَّلَذُّذِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. (١) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: " أَمْرَدُ ".

ج - تَقْبِيل الرَّجُل لِلرَّجُل، وَالْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ:

٧ - لاَ يَجُوزُ لِلرَّجُل تَقْبِيل فَمِ الرَّجُل أَوْ يَدِهِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَا تَقْبِيل الْمَرْأَةِ لِلْمَرْأَةِ، وَالْمُعَانَقَةُ وَمُمَاسَّةُ الأَْبْدَانِ، وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ: نَهَى عَنِ الْمُكَامَعَةِ وَهِيَ: الْمُعَانَقَةُ، وَعَنِ الْمُعَاكَمَةِ وَهِيَ: التَّقْبِيل (٢) .

أَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْفَمِ، وَعَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَالْكَرَامَةِ، أَوْ لأَِجْل الشَّفَقَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ، فَلاَ بَأْسَ بِهِ كَمَا يَأْتِي (٣)

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٣٣، والزرقاني ١ / ١٦٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠، ٢٧٥، والجمل ٤ / ١٢٦، وحاشية القليوبي ٢ / ٢١٣، وكشاف القناع ٥ / ١٢ - ١٥.

(٢) حديث: " نهى عن المكامعة وهي المعانقة، وعن المعاكمة وهي التقبيل " أورده الهروي في غريب الحديث (١ / ١٧١ـ ط دار الكتاب العربي) . عن عياش بن عباس مرسلا.

(٣) ابن عابدين ٥ / ٢٤٤، ٢٤٦، والبناية على الهداية ٩ / ٣٢٦، ٣٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠، والقليوبي ٣ / ٢١٣، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ١٢٦.

د - تَقْبِيل يَدِ الظَّالِمِ:

٨ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِعَدَمِ جَوَازِ تَقْبِيل يَدِ الظَّالِمِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مَعْصِيَةٌ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ خَوْفٍ، قَال صَاحِبُ الدُّرِّ: لاَ رُخْصَةَ فِي تَقْبِيل الْيَدِ لِغَيْرِ عَالِمٍ وَعَادِلٍ، وَيُكْرَهُ مَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّال مِنْ تَقْبِيل يَدِ نَفْسِهِ إِذَا لَقِيَ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ تَقْبِيل يَدِ صَاحِبِهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ عَالِمًا وَلاَ عَادِلًا، وَلاَ قَصَدَ تَعْظِيمَ إِسْلاَمِهِ وَلاَ إِكْرَامَهُ. (١)

هـ - تَقْبِيل الأَْرْضِ بَيْنَ يَدَيْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُظَمَاءِ:

٩ - تَقْبِيل الأَْرْضِ بَيْنَ يَدَيِ الْعُلَمَاءِ وَالْعُظَمَاءِ حَرَامٌ، وَالْفَاعِل وَالرَّاضِي بِهِ آثِمَانِ، لأَِنَّهُ يُشْبِهُ عِبَادَةَ الْوَثَنِ، وَهَل يَكْفُرُ؟ إِنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ وَالتَّعْظِيمِ كَفَرَ، وَإِنْ عَلَى وَجْهِ التَّحِيَّةِ لاَ، وَصَارَ آثِمًا مُرْتَكِبًا لِلْكَبِيرَةِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الدُّرِّ. (٢)

و التَّقْبِيل فِي الاِعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ:

١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ تَقْبِيل أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الآْخَرَ فِي حَالَةِ الاِعْتِكَافِ إِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ

_________

(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٤٥، ٢٤٦، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٢٧٢، وتحفة الأحوذي ٧ / ٥٢٧.

(٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥ / ٢٤٦، والبناية شرح الهداية ٩ / ٣٢٦، ٣٢٧.

عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ التَّقْبِيل فِي الصِّيَامِ لِمَنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْمُفْسِدَ مِنَ الإِْنْزَال وَالْجِمَاعِ، بَل صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِالْحُرْمَةِ فِي حَالَةِ خَوْفِ الْمُفْسِدِ وَالْعِلْمِ بِعَدَمِ السَّلاَمَةِ. (٢)

وَهَل يَبْطُل الاِعْتِكَافُ بِالتَّقْبِيل؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي بَيَانِ آثَارِ التَّقْبِيل.

ثَالِثًا: التَّقْبِيل الْمُبَاحُ:

أ - تَقْبِيل الْمَبَرَّةِ وَالإِْكْرَامِ، وَتَقْبِيل الْمَوَدَّةِ وَالشَّفَقَةِ:

١١ - يَجُوزُ تَقْبِيل يَدِ الْعَالِمِ الْوَرِعِ وَالسُّلْطَانِ الْعَادِل، وَتَقْبِيل يَدِ الْوَالِدَيْنِ، وَالأُْسْتَاذِ، وَكُل مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ وَالإِْكْرَامَ، كَمَا يَجُوزُ تَقْبِيل الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَبَيْنَ الْعَيْنَيْنِ، وَلَكِنْ كُل ذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمَبَرَّةِ وَالإِْكْرَامِ، أَوِ الشَّفَقَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالْوَدَاعِ، وَتَدَيُّنًا وَاحْتِرَامًا مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ.

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الْحَبَشَةِ وَقَبَّل بَيْنَ عَيْنَيْهِ (٣)

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ

_________

(١) سورة البقرة / ١٨٧.

(٢) الاختيار ١ / ١٣٤، ابن عابدين ٢ / ١٣٦، والدسوقي ١ / ٥٤٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٧، وحاشية القليوبي ٢ / ٥٨، ٧٧، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢١٢، ٢١٣، وكشاف القناع ٢ / ٢١٦.

(٣) حديث: " أن النبي ﷺ عانق جعفرا حين قدم من. . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩٢ - ط عبيد الدعاس) وقال المنذري: هذا حديث مرسلا لأنه من رواية الشعبي به.

فِي سَرِيَّةٍ مِنْ سَرَايَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ قِصَّةً قَال: فَدَنَوْنَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَبَّلْنَا يَدَهُ. (١)

قَال ابْنُ بَطَّالٍ: أَنْكَرَ مَالِكٌ تَقْبِيل الْيَدِ وَأَنْكَرَ مَا رُوِيَ فِيهِ. قَال الأَْبْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَالِكٌ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالتَّكَبُّرِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِدِينِهِ أَوْ لِعِلْمِهِ أَوْ لِشَرَفِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. (٢)

كَذَلِكَ يَجُوزُ بَل يُسَنُّ تَقْبِيل الْوَلَدِ لِلْمَوَدَّةِ عَلَى الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدِّ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَبَّل رَسُول اللَّهِ ﷺ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَال الأَْقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَقَال: مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ. (٣)

_________

(١) حديث: ابن عمر: " أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﷺ. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩٣ - ط عبيد الدعاس) . وابن ماجه (٢ / ١٢٢١ - ط عيسى الحلبي) . قال المنذري: أخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن. (مختصر سنن أبي داود (٨ / ٨٨ - ط دار المعرفة) .

(٢) تحفة الأحوذي ٧ / ٥٢٧. وانظر في هذه المسائل: ابن عابدين ٥ / ٢٤٥، ٢٤٦، والبناية ٩ / ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٦، ٣٢٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠، والقليوبي ٣ / ٢١٣، وحاشية الجمل ٤ / ١٢٦، وكشاف القناع ٥ / ١٦، والآداب الشرعية لابن مفلح٢ / ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٧، ٢٧٩.

(٣) حديث: " قبل رسول الله ﷺ الحسين بن علي، فقال. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٢٦ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٨٠٨ـ ١٨٠٩ - ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ؟ . (١)

وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ ابْنَتِهِ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا يُقَبِّلُهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَل عَلَيْهَا قَامَتْ لَهُ فَتُقَبِّلُهُ وَتُجْلِسُهُ فِي مَجْلِسِهَا. (٢)

ب - تَقْبِيل الْمَيِّتِ:

١٢ - يَجُوزُ لأَِهْل الْمَيِّتِ وَأَقْرِبَائِهِ وَأَصْدِقَائِهِ تَقْبِيل وَجْهِهِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّل عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي

_________

(١) وحديث: " عائشة ﵂ قالت: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: " تقبلون الصبيان فما. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٢٦ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٨٠٨، ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري. قال ابن حجر: ويحتمل أن يكون الأعرابي الأقرع بن حابس، ويحتمل أن يكون قيس بن عاصم، وهو الأرحج (فتح الباري ١٠ / ٤٣٠ـ ط السلفية) .

(٢) حديث: " عن عائشة ﵂ قالت: " ما رأيت أحد أشبه. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٩١ - ط عبيد الدعاس)، والترمذي (٥ / ٧٠٠ - ط مصطفى الحلبي) . وقال حديث حسن غريب.

أَوْ عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ (١) وَرُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَل أَبُو بَكْرٍ فَتَيَمَّمَ (٢) النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْهُ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَال: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُول اللَّهِ لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ (٣) .

ج - تَقْبِيل الْمُصْحَفِ:

١٣ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - جَوَازُ تَقْبِيل الْمُصْحَفِ تَكْرِيمًا لَهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ اسْتِحْبَابُهُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ: كَانَ يَأْخُذُ الْمُصْحَفَ كُل غَدَاةٍ وَيُقَبِّلُهُ، وَيَقُول: عَهْدُ رَبِّي وَمَنْشُورُ رَبِّي ﷿، وَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ يُقَبِّل الْمُصْحَفَ وَيَمْسَحُهُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ

_________

(١) حديث: " أن النبي ﷺ قبل عثمان بن مظعون، وهو. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٥١٣ - ط عبيد الدعاس) . والترمذي (٣ / ٣٠٥ـ ٣٠٦ - ط مصطفى الحلبي) وقال حديث حسن صحيح.

(٢) تيمم رسول الله ﷺ: أي مشى إليه وقصده.

(٣) البناية على الهداية ٩ / ٣٢٤، ٣٢٥، والقليوبي ١ / ٣٤٤، ٣ / ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ٤٧٠ وحديث: " أقبل أبو بكر فتيمم النبي ﷺ وهو مسجى. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١١٣ - ط السلفية) .

أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُول: كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي (١) .

وَنَقَل صَاحِبُ الدُّرِّ عَنِ الْقُنْيَةِ: وَقِيل: إِنَّ تَقْبِيل الْمُصْحَفِ بِدْعَةٌ، وَرَدَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ.

وَرُوِيَ كَذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ: التَّوَقُّفُ فِي تَقْبِيل الْمُصْحَفِ، وَفِي جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَفْعُهُ وَإِكْرَامُهُ، لأَِنَّ مَا طَرِيقُهُ التَّقَرُّبُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لاَ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إِلاَّ بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَال عُمَرُ عَنِ الْحَجَرِ: لَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٢) . وَلَمْ نَعْثُرْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى حُكْمٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

د - تَقْبِيل الْخُبْزِ وَالطَّعَامِ:

١٤ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِجَوَازِ تَقْبِيل الْخُبْزِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ بِدْعَةٌ مُبَاحَةٌ أَوْ حَسَنَةٌ، لأَِنَّهُ لاَ دَلِيل عَلَى التَّحْرِيمِ وَلاَ الْكَرَاهَةِ، لأَِنَّ الْمَكْرُوهَ مَا وَرَدَ عَنْهُ نَهْيٌ، أَوْ كَانَ فِيهِ خِلاَفٌ قَوِيٌّ، وَلَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ نَهْيٌ، فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ إِكْرَامَهُ لأَِجْل الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إِكْرَامِهِ فَحَسَنٌ، وَدَوْسُهُ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٢٤٦، وحاشية الطحطاوي على الدر ٤ / ١٩٢، وكشاف القناع ١ / ١٣٧، والآداب الشرعية ٢ / ٢٩٥.

(٢) كشاف القناع ١ / ١٣٧، ١٣٨.

مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، بَل مُجَرَّدُ إِلْقَائِهِ فِي الأَْرْضِ مِنْ غَيْرِ دَوْسٍ مَكْرُوهٌ (١) .

وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مُؤَيِّدًا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي جَوَازِ تَقْبِيل الْخُبْزِ: (وَقَوَاعِدُنَا لاَ تَأْبَاهُ) (٢) .

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: لاَ يُشْرَعُ تَقْبِيل الْخُبْزِ وَلاَ الْجَمَادَاتِ إِلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ (٣) .

آثَارُ التَّقْبِيل

أَثَرُ التَّقْبِيل فِي الْوُضُوءِ:

١٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - بِعَدَمِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الزَّوْجَةِ وَلاَ بِتَقْبِيلِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبَّل بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ (٤) .

وَقَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِاللَّمْسِ فِي الآْيَةِ: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٥) الْجِمَاعُ كَمَا فَسَّرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁، وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ (٦) .

_________

(١) حاشية الشرواني على المنهاج ٧ / ٤٣٥.

(٢) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥ / ٢٤٦.

(٣) كشاف القناع ٥ / ١٨١، والآداب الشرعية ٣ / ٢٤٠.

(٤) حديث: " أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ " أخرجه الترمذي (١ / ١٣٣ - ط مصطفى الحلبي) . وصححه أحمد شاكر (سنن الترمذي ١ / ١٣٣ - ط الحلبي) .

(٥) سورة النساء / ٤٣.

(٦) الاختيار ١ / ١٠، ١١، وابن عابدين ١ / ٩٩، والمغني ١ / ١٩٢، ١٩٣.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِنَّ اللَّمْسَ وَالتَّقْبِيل نَاقِضَانِ لِلْوُضُوءِ مُطْلَقًا لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١)، وَلأَِنَّهُ مَظِنَّةُ الاِلْتِذَاذِ الْمُثِيرِ لِلشَّهْوَةِ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ بَاقِي صُوَرِ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اللاَّمِسِ وَالْمَلْمُوسِ، وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ: وَلَوْ كَانَ الْمَمْسُوسُ مَيِّتًا (٢) .

وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجِبُ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ قَبَّل لِشَهْوَةٍ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَبَّل لِرَحْمَةٍ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الأَْجْنَبِيَّةِ وَالْمَحْرَمِ وَالصَّغِيرَةِ الَّتِي تُشْتَهَى - أَيْ ذَاتِ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ - وَالْكَبِيرَةِ، لِعُمُومِ النَّصِّ، خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا بِعَدَمِ النَّقْضِ بِلَمْسِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ فِي الأَْظْهَرِ، لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ (٣) .

أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: تَقْبِيل فَمِ مَنْ يَلْتَذُّ صَاحِبُهُ بِهِ عَادَةً نَاقِضٌ لِوُضُوئِهِمَا مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدِ اللَّذَّةَ أَوْ لَمْ يَجِدْهَا، وَإِنْ كَانَ بِكُرْهٍ أَوِ اسْتِغْفَالٍ، لأَِنَّ الْقُبْلَةَ عَلَى الْفَمِ لاَ تَنْفَكُّ عَنِ اللَّذَّةِ غَالِبًا، وَالنَّادِرُ لاَ حُكْمَ لَهُ (٤) .

_________

(١) سورة النساء / ٤٣.

(٢) حاشية القليوبي ١ / ٣٢، والمغني ١ / ١٩٢ـ ١٩٥.

(٣) نفس المراجع.

(٤) جواهر الإكليل ١ / ٢٠، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ١٢٠، ١٢١.