الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
ب - تَقَادُمُ الإِْقْرَارِ:
١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّقَادُمَ فِي الإِْقْرَارِ لاَ أَثَرَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِتِلْكَ الْحُدُودِ مَا عَدَا حَدَّ الشُّرْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُقْبَل الإِْقْرَارُ بِالزِّنَى وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ. (١)
تَقَاصٌّ
انْظُرْ: مُقَاصَّةٌ
تَقَاضِي
انْظُرْ: قَضَاءٌ
تَقَايُلٌ
انْظُرْ: إِقَالَةٌ
_________
(١) بدائع الصنائع ٧ / ٥١، والمغني ٨ / ٣٠٩
تَقَبُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقَبُّل مَصْدَرُ تَقَبَّل أَيْ تَكَفَّل، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ الاِلْتِزَامُ وَالتَّعَهُّدُ، يُقَال: تَقَبَّلْتُ الْعَمَل مِنْ صَاحِبِهِ إِذَا الْتَزَمْتُهُ بِعَقْدٍ. وَمِنْهُ الْقَبَالَةُ بِالْفَتْحِ اسْمُ الْمَكْتُوبِ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَلْتَزِمُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَدَيْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِالْكَسْرِ: الْعَمَل، وَالْقَبِيل الْكَفِيل، وَالْقُبَالَةُ الْكَفَالَةُ. (١) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لِلتَّقَبُّل عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَاسْتُعْمِل التَّقَبُّل فِي الاِصْطِلاَحِ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّعَهُّدِ وَالاِلْتِزَامِ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَجَلَّةِ أَنَّ: (التَّقَبُّل تَعَهُّدُ الْعَمَل وَالْتِزَامُهُ) (٢)
وَأَطْلَقَهُ الْفُقَهَاءُ غَالِبًا عَلَى نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الشَّرِكَةِ فِيمَا إِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى أَنْ يَتَقَبَّلاَ عَمَلًا مِنَ الْخِيَاطَةِ أَوِ الْقِصَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَكُونُ الْكَسْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا. وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ شَائِعَةٌ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمَذَاهِبِ
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: " قبل ".
(٢) مجلة الأحكام العدلية مادة (١٠٥٥) وشرحها لعلي حيدر (درر الحكام) شرح مجلة الأحكام ٣ / ٨.
الأُْخْرَى، وَتُسَمَّى أَيْضًا شَرِكَةَ الأَْعْمَال وَشَرِكَةَ الصَّنَائِعِ وَشَرِكَةَ الأَْبْدَانِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْكَفَالَةُ:
٢ - الْكَفَالَةُ فِي اللُّغَةِ: الضَّمُّ وَالتَّحَمُّل وَالاِلْتِزَامُ (٢)، وَفِي الاِصْطِلاَحِ ضَمُّ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فِي الْمُطَالَبَةِ بِشَيْءٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ. (٣)
فَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْكَفَالَةِ وَالتَّقَبُّل أَنَّ التَّقَبُّل يَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ، لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِالأَْمْوَال بِخِلاَفِ التَّقَبُّل الَّذِي يَخُصُّ الأَْعْمَال فَقَطْ.
ب - الاِلْتِزَامُ:
٣ - الاِلْتِزَامُ مَصْدَرُ الْتَزَمَ، وَأَصْلُهُ مِنَ اللُّزُومِ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالدَّوَامِ، يُقَال: أَلْزَمْتُهُ الْمَال وَالْعَمَل وَغَيْرَهُ فَالْتَزَمَهُ. فَالاِلْتِزَامُ بِالشَّيْءِ قَبُولُهُ وَاعْتِنَاقُهُ سَوَاءٌ أَكَانَ بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ أَمْ بِإِرَادَتَيْنِ، عَلَى عَمَلٍ أَوْ غَيْرِهِ (٤) وَعَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّقَبُّل وَالْكَفَالَةِ (ر: الْتِزَامٌ) .
_________
(١) البدائع ٦ / ٥٧، وتبيين الحقائق للزيلعي ٣ / ٣٢٠، وابن عابدين ٣ / ٣٤٧، وجوا هر الإكليل ٢ / ١٢٠، والدسوقي ٣ / ٣٦٠، وكشاف القناع ٣ / ٥٢٧، والمغني ٥ / ٥ وما بعدها.
(٢) المصباح واللسان مادة: " كفل ".
(٣) ابن عابدين ٤ / ٢٤٩، ومجلة الأحكام مادة (٦١٢)، والمطلع على أبواب المقنع ص٢٤٨، ٢٤٩.
(٤) المصباح المنير مادة " لزم "، والموسوعة الفقهية ٦ / ١٤٤.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - عَلَى جَوَازِ شَرِكَةِ التَّقَبُّل (شَرِكَةِ الصَّنَائِعِ) فِي الأَْعْمَال الَّتِي تَصْلُحُ فِيهَا الْوَكَالَةُ، لأَِنَّهَا قِسْمٌ مِنْ شَرِكَةِ الْعَقْدِ فَيُعْتَبَرُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ وَكِيلًا لِلآْخَرِ. وَمَا يَتَقَبَّلُهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَمَل يَصِيرُ فِي ضَمَانِهِمَا يُطَالَبَانِ بِهِ، وَيَلْزَمُهُمَا عَمَلُهُ، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ سَافَرَ أَوِ امْتَنَعَ عَمْدًا بِلاَ عُذْرٍ فَالآْخَرُ مُطَالَبٌ بِالْعَمَل، وَالْكَسْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَاهُ، لأَِنَّ الْعَمَل مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا. كَمَا أَنَّ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمُطَالَبَةَ بِالأُْجْرَةِ، فَتَبْرَأُ ذِمَّةُ مَنْ يَدْفَعُ الأُْجْرَةَ لأَِحَدِهِمَا، وَإِنْ تَلِفَتِ الأُْجْرَةُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِمَا، تَضِيعُ عَلَيْهِمَا مَعًا. (١)
٥ - وَاسْتَدَلُّوا لِجَوَازِهَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَحْصِيل الْمَال بِالتَّوْكِيل، فَكَمَا أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ قَدْ يَسْتَحِقَّانِ الرِّبْحَ بِالاِشْتِرَاكِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِالْعَمَل وَمِنَ الآْخَرِ بِالْمَال كَمَا فِي الْمُضَارَبَةِ، وَقَدْ يَسْتَحِقَّانِهِ بِالْمَال فَقَطْ كَمَا فِي سَائِرِ الشَّرِكَاتِ، فَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّاهُ بِالْعَمَل فَقَطْ. وَلأَِنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي سَائِرِ الأَْمْصَارِ يَعْقِدُونَ هَذِهِ الشَّرِكَةَ وَيَتَعَامَلُونَ بِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ
_________
(١) مجلة الأحكام العدلية مادة (١٣٨٧ - ١٣٩٣)، وابن عابدين ٣ / ٣٤٧، ٣٤٨، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٠، ١٢١، وكشاف القناع ٣ / ٥٢٧، ٥٢٨.
أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ، وَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَمِثْل هَذَا لاَ يَخْفَى عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ (١)
٦ - وَلاَ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ التَّقَبُّل وَشَرِكَةِ الأَْعْمَال اتِّحَادُ الْمَكَانِ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُونَهَا: وَهُمْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، لأَِنَّ الْمَعْنَى الْمُجَوِّزَ لِشَرِكَةِ التَّقَبُّل مِنْ كَوْنِ الْمَقْصُودِ تَحْصِيل الرِّبْحِ لاَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ كَوْنِ الْعَمَل فِي دَكَاكِينَ أَوْ دُكَّانٍ. (٢)
كَمَا لاَ يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي فِي الرِّبْحِ أَوِ الْعَمَل، وَلاَ اتِّحَادُ الصَّنْعَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٣)
فَيَصِحُّ بِالْمُنَاصَفَةِ أَوِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَعْمَل أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنَ الآْخَرِ، اتَّفَقَتْ صَنْعَتُهُمَا كَخَيَّاطِينَ، أَوِ اخْتَلَفَتْ كَخَيَّاطٍ وَقَصَّارٍ أَوْ صَبَّاغٍ، وَكَاشْتِرَاكِ حَدَّادٍ وَنَجَّارٍ وَخَيَّاطٍ، لأَِنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي مَكْسَبٍ مُبَاحٍ فَصَحَّ كَمَا لَوِ اتَّفَقَتِ الصَّنَائِعُ.
_________
(١) الزيلعي ٣ / ٣٢١، والدسوقي ٣ / ٣٦٠، ٣٦١، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٥٢٧. وحديث: أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: اشتركت أنا وعمار وسعد - يعني ابن أبي وقاص - فيما نصيب يوم بدر، قال: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ أنا وعمار بشيء. أخرجه أبو داود (٣ / ٦٨١ تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال المنذري في مختصر السنن (٥ / ٥٣ نشر دار المعرفة): " منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ".
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٤٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٠، والدسوقي ٣ / ٣٦١.
(٣) ابن عابدين ٣ / ٣٤٧، ٣٤٩، والزيلعي ٣ / ٣٢١، وكشاف القناع.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: جَازَتِ الشَّرِكَةُ بِالْعَمَل إِنِ اتَّحَدَ، كَخَيَّاطِينَ، أَوْ تَلاَزَمَ بِأَنْ تَوَقَّفَ عَمَل أَحَدِهِمَا عَلَى عَمَل الآْخَرِ، كَنَسْجٍ وَإِصْلاَحِ غَزْلٍ بِتَهْيِئَةٍ لِلنَّسْجِ، وَكَأَنْ يُفَوَّضَ أَحَدُهُمَا لِطَلَبِ اللُّؤْلُؤِ، وَالثَّانِي يُمْسِكُ عَلَيْهِ وَيَجْذِبُ، وَبِشَرْطِ أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْعَمَل بِأَنْ يَأْخُذَ كُل وَاحِدٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ مِنَ الْغَلَّةِ، أَوْ يَتَقَارَبَا فِي الْعَمَل وَحَصَل التَّعَاوُنُ بَيْنَهُمَا. (١)
٧ - وَكَمَا تَصِحُّ هَذِهِ الشَّرِكَةُ فِي الصَّنَائِعِ وَنَحْوِهَا، تَصِحُّ كَذَلِكَ فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الاِحْتِشَاشِ، وَالاِصْطِيَادِ، وَالاِحْتِطَابِ، وَالتَّلَصُّصِ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ، وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ التَّقَبُّل وَشَرِكَةُ الأَْعْمَال فِي الْمُبَاحَاتِ مِنَ الصَّيْدِ وَالْحَطَبِ، وَمَا يَكُونُ فِي الْجِبَال مِنَ الثِّمَارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِيهَا، لأَِنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْمُبَاحَاتِ الأَْخْذُ وَالاِسْتِيلاَءُ، فَإِنْ تَشَارَكَا فَأَخَذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا كَانَ الْمَأْخُوذُ مِلْكًا لَهُ خَاصَّةً. (٣)
٨ - هَذَا، وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِبُطْلاَنِ شَرِكَةِ الأَْبْدَانِ مُطْلَقًا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَال فِيهَا، وَلِمَا فِيهَا
_________
(١) الدسوقي مع الشرح الكبير للدردير ٣ / ٣٦١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٠.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٢٠، والمغني ٥ / ٥ وما بعدها.
(٣) البدائع ٦ / ٦٣.
مِنَ الْغَرَرِ، إِذْ لاَ يَدْرِي الشَّرِيكُ أَنَّ صَاحِبَهُ يَكْسِبُ أَمْ لاَ، وَلأَِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزٌ بِبَدَنِهِ وَمَنَافِعِهِ، فَيَخْتَصُّ بِفَوَائِدِهِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي مَاشِيَتِهِمَا وَهِيَ مُتَمَيِّزَةٌ وَيَكُونُ الدَّرُّ وَالنَّسْل بَيْنَهُمَا. (١)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (شَرِكَةٌ) .
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٢، والقليوبي ٢ / ٣٣٢، ٣٣٣
تَقْبِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّقْبِيل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ قَبَّل، وَالاِسْمُ مِنْهُ الْقُبْلَةُ وَهِيَ اللَّثْمَةُ، وَالْجَمْعُ الْقُبَل. يُقَال قَبَّلَهَا تَقْبِيلًا أَيْ لَثَمَهَا (١) وَتَقَبَّلْتُ الْعَمَل مِنْ صَاحِبِهِ إِذَا الْتَزَمْتُهُ بِعَقْدٍ.
وَالْقَبَالَةُ: اسْمُ الْمَكْتُوبُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا يَلْتَزِمُهُ الإِْنْسَانُ مِنْ عَمَلٍ وَدَيْنٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَال الزَّمَخْشَرِيُّ: كُل مَنْ تَقَبَّل بِشَيْءٍ مُقَاطَعَةً وَكَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، فَالْكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ هُوَ الْقَبَالَةُ " بِالْفَتْحِ " وَالْعَمَل قِبَالَةٌ " بِالْكَسْرِ ".
وَتَقْبِيل الْخَرَاجِ: هُوَ أَنْ يَدْفَعَ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ، صُقْعًا، أَوْ بَلْدَةً، أَوْ قَرْيَةً، إِلَى رَجُلٍ مُدَّةَ سَنَةٍ، مُقَاطَعَةً بِمَالٍ مَعْلُومٍ، يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ عَنْ خَارِجِ أَرْضِهَا، أَوْ جِزْيَةِ رُءُوسِ أَهْلِهَا إِنْ كَانُوا أَهْل الذِّمَّةِ. (٢)
وَتَفْصِيل الْكَلاَمِ فِي التَّقْبِيل بِهَذَا الإِْطْلاَقِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ " خَرَاجٌ، وَقَبَالَةٌ ".
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي.
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس، ومتن اللغة مادة: " قبل ".
(٢) الرتاج ٢ / ٣ مطبعة الإرشاد - بغداد.
أَقْسَامُ التَّقْبِيل:
٢ - ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ التَّقْبِيل عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: قُبْلَةُ الْمَوَدَّةِ لِلْوَلَدِ عَلَى الْخَدِّ، وَقُبْلَةُ الرَّحْمَةِ لِوَالِدَيْهِ عَلَى الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ الشَّفَقَةِ لأَِخِيهِ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَقُبْلَةُ الشَّهْوَةِ لاِمْرَأَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ عَلَى الْفَمِ، وَقُبْلَةُ التَّحِيَّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْيَدِ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ قُبْلَةَ الدِّيَانَةِ لِلْحَجَرِ الأَْسْوَدِ. (١)
وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ التَّقْبِيل بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ آثَارٍ:
أَحْكَامُ التَّقْبِيل
أَوَّلًا: التَّقْبِيل الْمَشْرُوعُ:
أ - تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ:
٣ - يُسَنُّ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ فِي حَالَةِ الطَّوَافِ لِمَنْ يَقْدِرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَبَّل الْحَجَرَ ثُمَّ قَال: وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ حَجَرٌ وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٢) . فَإِنْ عَجَزَ عَنِ التَّقْبِيل اقْتَصَرَ عَلَى الاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ ثُمَّ قَبَّلَهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الاِسْتِلاَمِ بِالْيَدِ
_________
(١) الدر المختار بهامش ابن عابدين ٥ / ٢٤٦، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٢٧١، ٢٧٢.
(٢) حديث: " والله لقد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٤٧٥ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٢٥ - ط عيسى الحلبي) .
وَكَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ بِالْيَدِ ثُمَّ قَبَّل يَدَهُ (١)، وَلِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّل الْمِحْجَنَ. (٢)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُقَبِّلَهُ لَمَسَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِعُودٍ ثُمَّ وَضَعَهُ عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. (٣)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: طَوَافٌ، وَالْحَجَرُ الأَْسْوَدُ ".
ب - تَقْبِيل الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ:
٤ - يُنْدَبُ اسْتِلاَمُ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فِي الطَّوَافِ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَدَعُ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ
_________
(١) حديث: " أنه استلم الحجر الأسود باليد ثم قبل يده " أخرجه مسلم (٢ / ٩٢٤ - ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر ولفظه عن نافع قال: " رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قبل يده. وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله ﷺ يفعله ".
(٢) حديث: " رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٧٢ - ٤٧٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٢٧ - ط عيسى الحلبي) واللفظ له.
(٣) ابن عابدين ٢ / ١٦٦، وقليوبي ٢ / ١٠٦، ١١٠، والمجموع ٨ / ٢٩، ٣٣، والمغني ٣ / ٣٨٠، ٣٨١، وجواهر الإكليل ١ / ١٧٨، والحطاب ٣ / ١٠٧.