الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
تَفْلِيجٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْلِيجُ لُغَةً هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الأَْسْنَانِ سَوَاءٌ، أَكَانَ خِلْقَةً، أَمْ بِتَكَلُّفٍ، بِأَنْ يَبْرُدَهَا بِالْمِبْرَدِ وَنَحْوِهِ طَلَبًا لِلْحُسْنِ، وَيُقَال: رَجُلٌ أَفْلَجُ الأَْسْنَانِ وَامْرَأَةٌ فَلْجَاءُ الأَْسْنَانِ. وَرَجُلٌ مُفْلَجُ الثَّنَايَا أَيْ مُنْفَرِجُهَا.
وَالْمُتَفَلِّجَةُ هِيَ الَّتِي تَتَكَلَّفُ، بِأَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الأَْسْنَانِ لأَِجْل الْحُسْنِ.
وَهُوَ مِنَ الْفَلَجِ (بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللاَّمِ) وَهُوَ الْفُرْجَةُ بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ. (١)
وَفِي صِفَتِهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ مُفَلَّجَ الأَْسْنَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ أَفْلَجَ الأَْسْنَانِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ (٢) .
_________
(١) لسان العرب مادة: " فلج "، وفتح الباري ١٠ / ٣٧٢، ط رئاسة إدارة البحوث الرياض، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ٢٢ / ٦٢ ط المنيرية، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٤ / ١٠٦ ط المطبعة المصرية بالأزهر
(٢) حديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين، وإذا تكلم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه. أخرجه الدارمي (١ / ٣٣ ط دار المحاسن بالقاهرة) والطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد للهيثمي (٨ / ٢٧٩ ط القدسي) وقال الهيثمي: " فيه عبد العزيز بن أبي ثابت وهو ضعيف ".
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفْرِيقُ:
٢ - التَّفْرِيقُ فِي اللُّغَةِ: خِلاَفُ الْجَمْعِ، وَهُوَ الْفَصْل بَيْنَ الأَْشْيَاءِ، أَوِ الْفَصْل بَيْنَ أَبْعَاضِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ. وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّفْلِيجِ، حَيْثُ يَكُونُ فِي الأَْسْنَانِ وَغَيْرِهَا (١) .
ب - الْوَشْرُ:
٣ - الْوَشْرُ فِي اللُّغَةِ: النَّشْرُ، يُقَال: وَشَرَ الْخَشَبَةَ وَشْرًا: إِذَا نَشَرَهَا بِالْمِنْشَارِ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: تَحْدِيدُ الأَْسْنَانِ وَتَرْقِيقُ أَطْرَافِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: نَهَى عَنِ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ التَّفْلِيجَ هُوَ تَفْرِيقُ الأَْسْنَانِ، وَالْوَشْرُ هُوَ تَحْدِيدُهَا وَتَرْقِيقُهَا. (٣)
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " فرق ".
(٢) حديث: " نهى عن النامصة والواشرة " أخرجه أحمد (١ / ٤١٥ ط الميمنية) من حديث ابن مسعود. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٦ / ٢١ ط دار المعارف) .
(٣) لسان العرب مادة: " وشر "، وفتح الباري١٠ / ٣٧٢ط الرياض.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَفْلِيجَ الأَْسْنَانِ لأَِجْل الْحُسْنِ حَرَامٌ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ طَالِبَةُ التَّفْلِيجِ وَفَاعِلَتُهُ، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ
قَال: فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَال لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ. وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَأَتَتْهُ. فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَال: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ. قَال اللَّهُ ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: إِنِّي أَرَى شَيْئًا مِنْ هَذَا عَلَى امْرَأَتِكَ الآْنَ. قَال: اذْهَبِي فَانْظُرِي. قَال: فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا فَقَال: أَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ نُجَامِعْهَا (٢) أَيْ لَمْ نَجْتَمِعْ مَعَهَا
_________
(١) سورة الحشر / ٧.
(٢) حديث ابن مسعود مرفوعا: " لعن الله الواشمات " أخرجه البخاري (الفتح٨ / ٦٣٠ ط السلفية)، ومسلم ٣ / ١٦٧٨ ط الحلبي) .
وَعَنْهُ ﵁ أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ الْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ، وَالْمُتَوَشِّمَاتِ اللاَّتِي يُغَيِّرْنَ خَلْقَ اللَّهِ ﷿. (١)
ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَإِنَّمَا هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَنْ تَفْعَل ذَلِكَ لِلْحُسْنِ.
لأَِنَّ اللاَّمَ فِي قَوْلِهِ: لِلْحُسْنِ لِلتَّعْلِيل، أَمَّا لَوِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِعِلاَجٍ أَوْ عَيْبٍ فِي السِّنِّ وَنَحْوِهِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ. (٢)
٥ - وَالتَّفْلِيجُ عَادَةً يَكُونُ مَا بَيْنَ الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ مِنَ الأَْسْنَانِ وَقَال الْعَيْنِيُّ: لاَ يُفْعَل ذَلِكَ إِلاَّ فِي الثَّنَايَا وَالرُّبَاعِيَّاتِ وَكَانَ التَّفْلِيجُ يُسْتَحْسَنُ فِي الْمَرْأَةِ، فَرُبَّمَا صَنَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَكُونُ أَسْنَانُهَا مُتَلاَصِقَةً لِتَصِيرَ مُتَفَلِّجَةً قَال النَّوَوِيُّ: وَتَفْعَل ذَلِكَ الْعَجُوزُ وَمَنْ
_________
(١) حديث ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يلعن المتنمصات والمتفلجات. أخرجه النسائي (٨ / ١٤٨ط المكتبة التجارية بمصر)، وأحمد (١ / ٤١٧ط الميمنية) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٦ / ٢٦ ط المعارف) .
(٢) فتح الباري شرح البخاري ١٠ / ٣٧٢ ط رئاسة إدارة البحوث الرياض، وعمدة القاري شرح البخاري ٢٢ / ٦٢ وإرشاد الساري شرح البخاري ٨ / ٤٧٤ط الأميرية ببولاق، صحيح مسلم بشرح النووي١٤ / ١٠٦ ط المطبعة المصرية بالأزهر، عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١ / ٢٢٦ط المكتبة السلفية.
قَارَبَتْهَا فِي السِّنِّ إِظْهَارًا لِلصِّغَرِ وَحُسْنِ الأَْسْنَانِ، لأَِنَّ هَذِهِ الْفُرْجَةَ اللَّطِيفَةَ بَيْنَ الأَْسْنَانِ تَكُونُ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ، فَإِذَا عَجَزَتِ الْمَرْأَةُ وَكَبِرَتْ سِنُّهَا فَتَبْرُدُهَا بِالْمِبْرَدِ لِتَصِيرَ لَطِيفَةً حَسَنَةَ الْمَنْظَرِ وَتُوُهِّمَ كَوْنُهَا صَغِيرَةً. (١)
تَفْلِيسٌ
انْظُرْ: إِفْلاَسٌ
_________
(١) المراجع السابقة.
تَفْوِيضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّفْوِيضُ لُغَةً مَصْدَرُ فَوَّضَ، يُقَال: فَوَّضْتُ إِلَى فُلاَنٍ الأَْمْرَ أَيْ صَيَّرْتُهُ إِلَيْهِ وَجَعَلْتُهُ الْحَاكِمَ فِيهِ. (١) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْفَاتِحَةِ فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي (٢) وَاصْطِلاَحًا يُسْتَعْمَل فِي بَابِ النِّكَاحِ. يُقَال: فَوَّضَتِ الْمَرْأَةُ نِكَاحَهَا إِلَى الزَّوْجِ حَتَّى تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ، وَقِيل: فَوَّضَتْ أَيْ أَهْمَلَتْ حُكْمَ الْمَهْرِ، فَهِيَ مُفَوِّضَةٌ (بِكَسْرِ الْوَاوِ) لِتَفْوِيضِهَا أَمْرَهَا إِلَى الزَّوْجِ أَوِ الْوَلِيِّ بِلاَ مَهْرٍ.
وَمُفَوَّضَةٌ (بِفَتْحِ الْوَاوِ) مِنْ فَوَّضَهَا وَلِيُّهَا إِلَى الزَّوْجِ بِلاَ مَهْرٍ. (٣)
وَهُوَ فِي بَابِ الطَّلاَقِ: جَعَل أَمْرَ طَلاَقِ الزَّوْجَةِ بِيَدِهَا (٤) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " فوض ".
(٢) حديث: " فوض إليَ عبدي " أخرجه مسلم (١ / ٢٩٦ ط عيسى الحلبي)، وأحمد (١ / ٢٤١ - ٢٤٢ ط المكتب الإسلامي) . واللفظ له، وهو من حديث أبي هريرة.
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٣٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣١٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٩، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦.
(٤) ابن عابدين ٢ / ٤٧٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٠٥، ومغني المحتاج٣ / ٢٨٥، وكشاف القناع ٥ / ٢٥٧.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - تَوْكِيلٌ:
٢ - وَكَل إِلَيْهِ الأَْمْرَ: سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَالتَّوْكِيل هُوَ الإِْنَابَةُ فِي تَصَرُّفٍ جَائِزٍ مَعْلُومٍ. وَتَوْكِيل الزَّوْجَةِ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا هُوَ بِعَيْنِهِ التَّفْوِيضُ فِي الطَّلاَقِ فِي الْقَوْل الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّفْوِيضِ الثَّلاَثَةِ (التَّوْكِيل، وَالتَّمْلِيكُ، وَالتَّخْيِيرُ) ، وَجَعَل الْحَنَابِلَةُ حَمْل أَمْرِ الزَّوْجَةِ بِيَدِهَا، وَتَعْلِيقُ الطَّلاَقِ عَلَى مَشِيئَتِهَا، مِنْ بَابِ التَّوْكِيل. (١)
ب - التَّمْلِيكُ:
٣ - أَمْلَكَهُ الشَّيْءَ وَمَلَّكَهُ إِيَّاهُ تَمْلِيكًا جَعَلَهُ مِلْكًا لَهُ وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ تَفْوِيضَ الطَّلاَقِ لِلزَّوْجَةِ مِنَ التَّمْلِيكِ، وَهُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ التَّفْوِيضِ الثَّلاَثَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَعَلَهُ الْحَنَابِلَةُ خَاصًّا بِصِيغَةِ الاِخْتِيَارِ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الصِّيَغِ. (٢)
ج - التَّخْيِيرُ:
٤ - التَّخْيِيرُ مِنْ خَيَّرْتُهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَوَّضْتُ إِلَيْهِ
_________
(١) لسان العرب مادة: " وكل "، والدسوقي ٢ / ٤٠٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٦، وكشاف القناع ٥ / ٢٥٧.
(٢) لسان العرب مادة: " ملك "، وابن عابدين ٢ / ٤٧٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٠٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٨٦، وكشاف القناع ٥ / ٢٥٦.
الاِخْتِيَارَ فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا وَتَخَيَّرَهُ، وَحَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ هُوَ تَخْيِيرُ الزَّوْجَةِ بَيْنَ الْبَقَاءِ فِي عِصْمَةِ الزَّوْجِ، أَوِ الْفِرَاقِ، سَوَاءٌ عَنْ طَرِيقِ تَمْلِيكِهَا لِلطَّلاَقِ أَوْ تَوْكِيلِهَا فِي إِيقَاعِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لَمَّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ وَبَدَأَ بِي (١) الْحَدِيثَ وَيَعْتَبِرُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ (اخْتَارِي) أَحَدَ صِيَغِ التَّفْوِيضِ. (٢)
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّفْوِيضِ:
أَوَّلًا: التَّفْوِيضُ فِي النِّكَاحِ:
حَقِيقَةُ التَّفْوِيضِ وَحُكْمُهُ:
٥ - الْمُرَادُ بِالتَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ السُّكُوتُ عَنْ تَعْيِينِ الصَّدَاقِ حِينَ الْعَقْدِ، وَيُفَوَّضُ ذَلِكَ إِلَى أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ إِلَى غَيْرِهِمَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (٣)﴾ وَلِمَا رَوَى مَعْقِل بْنُ سِنَانٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، وَكَانَ زَوْجُهَا مَاتَ، وَلَمْ يَدْخُل بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا،
_________
(١) حديث: " لما أمر النبي ﷺ بتخيير نسائه، وبدأ بي. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١١٠٤ - ١١٠٥ ط عيسى الحلبي)
(٢) لسان العرب مادة: " خير "، وابن عابدين ٢ / ٤٧٥، وحاشية ٢ / ٤٠٦.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٦.
فَجَعَل لَهَا مَهْرَ نِسَائِهَا لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ (١) وَلأَِنَّ الْقَصْدَ مِنَ النِّكَاحِ الْوَصْلَةُ وَالاِسْتِمْتَاعُ دُونَ الصَّدَاقِ، فَصَحَّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ (٢) .
٦ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ الَّتِي يَخْلُو الْعَقْدُ فِيهَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ هَل تُعْتَبَرُ تَفْوِيضًا فَتَأْخُذُ حُكْمَهُ أَوْ لاَ؟ كَاشْتِرَاطِ عَدَمِ الْمَهْرِ، وَالتَّرَاضِي عَلَى إِسْقَاطِهِ. فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ مِنَ التَّفْوِيضِ، وَمِنْ ثَمَّ يُصَحِّحُونَ عَقْدَ الزَّوَاجِ فِيهَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمَهْرَ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْعَقْدِ وَلاَ شَرْطًا لَهُ، بَل هُوَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَالْخَلَل فِيهِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ عَلَى الْعَقْدِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ فَسَادَ النِّكَاحِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَيُوجِبُونَ فَسْخَهُ قَبْل الدُّخُول، فَإِنْ دَخَل ثَبَتَ الْعَقْدُ وَوَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْل. (٣)
أَنْوَاعُ التَّفْوِيضِ:
٧ - التَّفْوِيضُ فِي النِّكَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أ - تَفْوِيضُ الْمَهْرِ: وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى
_________
(١) حديث: " قضى في بروع بنت واشق " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٨٨ ط عبيد الدعاس)، والترمذي (٣ / ٤٥٠ ط مصطفى الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٢٧٤، وتبيين الحقائق ٢ / ١٣٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣١٣، والقوانين الفقهية ٢٠٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٩، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٢١٨.
(٣) فتح القدير ٣ / ٢٠٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٠٣، ٣١٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٩، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦.
مَا شَاءَتْ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ الزَّوْجُ أَوِ الْوَلِيُّ، أَوْ عَلَى مَا شَاءَ غَيْرُهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ لاَ يُسَمُّونَ هَذَا النَّوْعَ تَفْوِيضًا بَل يُسَمُّونَهُ التَّحْكِيمَ.
ب - تَفْوِيضُ الْبُضْعِ وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الأَْبُ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، أَوْ تَأْذَنَ الْمَرْأَةُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ. (١)
مَا يَجِبُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ:
٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ مَهْرَ الْمِثْل فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَتَأَكَّدُ وَيَتَقَرَّرُ بِالْمَوْتِ أَوِ الْوَطْءِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ - إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ.
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالْمَوْتِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ بِالْوَطْءِ لاَ بِالْمَوْتِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي فِيمَا بَعْدُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَكُنْ لَهَا إِلاَّ الْمُتْعَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢)﴾ عَلَى خِلاَفٍ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا.
_________
(١) مغني المحتاج ٣ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٥ / ١٥٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣١٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٣٦.