الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
إِلَى بَلَدٍ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي ارْتُكِبَتْ فِيهِ الْجَرِيمَةُ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الْبَلَدِ الَّذِي يُنْفَى إِلَيْهِ وَبَلَدِ الْجَرِيمَةِ، دُونَ مَسِيرَةِ سَفَرٍ (١) .
مُدَّةُ التَّغْرِيبِ:
١٩ - لاَ يَعْتَبِرُ أَبُو حَنِيفَةَ التَّغْرِيبَ فِي الزِّنَى حَدًّا، بَل يَعْتَبِرُهُ مِنَ التَّعْزِيرِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يُجِيزُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ عَنْ سَنَةٍ (٢) .
وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَزِيدَ التَّغْرِيبُ فِي التَّعْزِيرِ عَنْ سَنَةٍ، مَعَ أَنَّ التَّغْرِيبَ عِنْدَهُ فِي الزِّنَى حَدٌّ؛ لأَِنَّهُ يَقُول بِنَسْخِ حَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ عَنِ الْحَدِّ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرِ الْمَشُوبَةِ بِالْهَوَى (٣) .
وَعَلَى ذَلِكَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَرَى الْبَعْضُ الآْخَرُ مِنْهُمْ: أَنَّ مُدَّةَ التَّغْرِيبِ فِي التَّعْزِيرِ لاَ يَجُوزُ أَنْ تَصِل إِلَى سَنَةٍ، لأَِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ التَّغْرِيبَ فِي جَرِيمَةِ الزِّنَى حَدًّا، وَإِذَا كَانَتْ مُدَّتُهُ فِيهَا عَامًا فَلاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ فِي التَّعْزِيرِ أَنْ يَصِل التَّغْرِيبُ لِعَامٍ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (٤) . وَتَفْصِيلُهُ فِي (نَفْيٌ) .
_________
(١) المبسوط للسرخسي ٩ / ٤٥.
(٢) معين الحكام ص ١٨٤، وبداية المجتهد ٢ / ٣٦٤ - ٣٥.
(٣) تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤، والشرح الصغير ٤ / ٥٠٤.
(٤) يراجع في التغريب عموما السرخسي ٩ / ٤٥، والزيلعي ٣ / ١٧٤، ومعين الحكام ص ١٨٢، وبداية المجتهد ٢ / ٣٨١ ثم ٣٦٤ - ٣٦٥، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤، أقضية الرسول ﷺ ص ٥، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧٤ - ١٧٥، والمهذب ٢ / ٢٢٨، وحاشية البجيرمي ٤ / ١٥٣، وشرح الخطيب على هامشها الماوردي ص ٢١٢، وكشاف القناع ٤ / ٧٣ - ٧٤ - ٧٦، والمغني ١٠ / ٣٤٧، والحسبة ص ٤٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٤٧.
هـ - التَّعْزِيرُ بِالْمَال:
مَشْرُوعِيَّةُ التَّعْزِيرِ بِالْمَال:
٢٠ - الأَْصْل فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَال غَيْرُ جَائِزٍ، فَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ لاَ يُجِيزَانِهِ (١)، بَل إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ (٢) . أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ التَّعْزِيرَ بِأَخْذِ الْمَال مِنَ الْجَانِي جَائِزٌ إِنْ رُئِيَتْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ (٣) .
وَقَال الشبراملسي: وَلاَ يَجُوزُ عَلَى الْجَدِيدِ بِأَخْذِ الْمَال. يَعْنِي لاَ يَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ (٤)، وَفِي الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ: يَجُوزُ.
أَمَّا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، فَقَدْ قَال ابْنُ فَرْحُونَ: التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ (٥) . وَقَدْ ذَكَرَ مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةً يُعَزَّرُ فِيهَا
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٨٤.
(٢) فصول الأستروشني ص ٧.
(٣) ابن عابدين ٣ / ١٨٤، والزيلعي ٣ / ٢٠٨، والسندي ٧ / ٦٠٤ - ٦٠٥، وفتاوى البزازية ٢ / ٤٥٧ طبع أوروبا سنة ١٣٠٨ هـ.
(٤) حاشية الشبراملسي على شرح المنهاج ٧ / ١٧٤، والحسبة ص ٤٠.
(٥) الحسبة ص ٤٠، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٦٧ - ٣٦٨.
بِالْمَال، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: سُئِل مَالِكٌ عَنِ اللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ أَيُرَاقُ؟ قَال: لاَ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُتَصَدَّقَ بِهِ، إِذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ. وَقَال فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ الْمَغْشُوشِ مِثْل ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَثِيرِ، وَقَال: يُبَاعُ الْمِسْكُ وَالزَّعْفَرَانُ عَلَى مَا يُغَشُّ بِهِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلْغَاشِّ.
وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ الأَْنْدَلُسِيُّ فِي الْمَلاَحِفِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ بِأَنْ تُحَرَّقَ. وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ: بِتَقْطِيعِهَا وَالصَّدَقَةِ بِهَا خِرَقًا (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَحْرُمُ التَّعْزِيرُ بِأَخْذِ الْمَال أَوْ إِتْلاَفِهِ؛ لأَِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ.
وَخَالَفَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ، فَقَالاَ: إِنَّ التَّعْزِيرَ بِالْمَال سَائِغٌ إِتْلاَفًا وَأَخْذًا (٢) .
وَاسْتَدَلاَّ لِذَلِكَ بِأَقْضِيَةٍ لِلرَّسُول ﷺ كَإِبَاحَتِهِ سَلْبَ مَنْ يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ يَجِدُهُ، وَأَمْرِهِ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ، وَشَقِّ ظُرُوفِهَا، وَأَمْرِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ بِحَرْقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ، وَتَضْعِيفِهِ الْغَرَامَةَ عَلَى مَنْ
_________
(١) تبصرة الحكام ص ٤٦٨، والطرق الحكمية ص ٢٥٠.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٧٤ - ٧٥، وشرح المنتهى على هامشه ص ١١٠، والحسبة ص ٤٠، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩٥.
سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَسَارِقِ مَا لاَ قَطْعَ فِيهِ مِنَ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ (١)، وَكَاتِمِ الضَّالَّةِ.
وَمِنْهَا أَقَضِيَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، مِثْل أَمْرِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَأَخْذُ شَطْرِ مَال مَانِعِ الزَّكَاةِ، وَأَمْرِ عُمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ الَّذِي بَنَاهُ حَتَّى يَحْتَجِبَ فِيهِ عَنِ النَّاسِ. وَقَدْ نَفَّذَ هَذَا الأَْمْرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ﵁ (٢) .
أَنْوَاعُ التَّعْزِيرِ بِالْمَال
التَّعْزِيرُ بِالْمَال يَكُونُ بِحَبْسِهِ أَوْ بِإِتْلاَفِهِ، أَوْ بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ، أَوْ بِتَمْلِيكِهِ لِلْغَيْرِ.
أ - حَبْسُ الْمَال عَنْ صَاحِبِهِ:
٢١ - وَهُوَ أَنْ يُمْسِكَ الْقَاضِي شَيْئًا مِنْ مَال الْجَانِي مُدَّةً زَجْرًا لَهُ، ثُمَّ يُعِيدُهُ لَهُ عِنْدَمَا تَظْهَرُ تَوْبَتُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَخْذُهُ لِبَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ مَال إِنْسَانٍ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي ذَلِكَ (٣) . وَفَسَّرَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَبُو يَحْيَى الْخُوَارِزْمِيُّ. وَنَظِيرُهُ مَا يُفْعَل فِي خُيُول الْبُغَاةِ وَسِلاَحِهِمْ، فَإِنَّهَا تُحْبَسُ عَنْهُمْ مُدَّةً وَتُعَادُ إِلَيْهِمْ
_________
(١) الكثر معناه: الجمار أي قلب النخلة ويقال: الطلع.
(٢) السندي ٧ / ٦٠٤، ١ / ٦٠٥، والبزازية ٢ / ٤٥٧، وابن عابدين ٣ / ١٨٤.
(٣) فصول الأستروشني ص ٧ - ٨، والبزازية ٢ / ٤٥٧.
إِذَا تَابُوا. وَصَوَّبَ هَذَا الرَّأْيَ الإِْمَامُ ظَهِيرُ الدِّينِ التُّمُرْتَاشِيُّ الْخُوَارِزْمِيُّ.
أَمَّا إِذَا صَارَ مَيْئُوسًا مِنْ تَوْبَتِهِ، فَإِنَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَصْرِفَ هَذَا الْمَال فِيمَا يَرَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ (١) .
ب - الإِْتْلاَفُ:
٢٢ - قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْمُنْكَرَاتِ مِنَ الأَْعْيَانِ وَالصِّفَاتِ يَجُوزُ إِتْلاَفُ مَحَلِّهَا تَبَعًا لَهَا، فَالأَْصْنَامُ صُوَرُهَا مُنْكَرَةٌ، فَيَجُوزُ إِتْلاَفُ مَادَّتِهَا، وَآلاَتُ اللَّهْوِ يَجُوزُ إِتْلاَفُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَبِذَلِكَ أَخَذَ مَالِكٌ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا أَوْعِيَةُ الْخَمْرِ، يَجُوزُ تَكْسِيرُهَا وَتَحْرِيقُهَا، وَالْمَحَل الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ يَجُوزُ تَحْرِيقُهُ، وَاسْتَدَل لِذَلِكَ بِفِعْل عُمَرَ ﵁ فِي تَحْرِيقِ مَحَلٍّ يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ، وَقَضَاءُ عَلِيٍّ ﵁ تَحْرِيقَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ، وَلأَِنَّ مَكَانَ الْبَيْعِ كَالأَْوْعِيَةِ. وَقَال: إِنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَغَيْرِهِمَا (٢) . وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل أَيْضًا: إِرَاقَةُ عُمَرَ اللَّبَنَ الْمَخْلُوطَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ. وَمِنْهُ مَا يَرَاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ جَوَازِ إِتْلاَفِ الْمَغْشُوشَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ، كَالثِّيَابِ رَدِيئَةِ النَّسْجِ، بِتَمْزِيقِهَا
_________
(١) السندي ٢ / ٦٠٤، ١ / ٦٠٥، فصول الأستروشني ص ٨.
(٢) الحسبة ص ١٤٣، والطرق الحكمية ص ٢٤١، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٤.
وَإِحْرَاقِهَا، وَتَحْرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ لِثَوْبِهِ الْمُعَصْفَرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ (١) .
وَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ هَذَا الإِْتْلاَفَ لِلْمَحَل الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ نَظِيرُهُ إِتْلاَفُ الْمَحَل مِنَ الْجِسْمِ الَّذِي وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ، كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ. وَهَذَا الإِْتْلاَفُ لَيْسَ وَاجِبًا فِي كُل حَالَةٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَحَل مُفْسِدٌ فَإِنَّ إِبْقَاءَهُ جَائِزٌ، إِمَّا لَهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَفْتَى فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: بِأَنْ يُتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ. وَفِي هَذَا إِتْلاَفٌ لَهُ.
وَكَرِهَ فَرِيقٌ الإِْتْلاَفَ، وَقَالُوا بِالتَّصَدُّقِ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي الْمَذْهَبِ. وَقَدِ اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ التَّصَدُّقَ بِاللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ عِقَابًا لِلْجَانِي بِإِتْلاَفِهِ عَلَيْهِ، وَنَفْعًا لِلْمَسَاكِينِ بِالإِْعْطَاءِ لَهُمْ. وَقَال مَالِكٌ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ بِمِثْل قَوْلِهِ فِي اللَّبَنِ إِذَا غَشَّهُمَا الْجَانِي. وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ بِذَلِكَ فِي الْقَلِيل مِنْ تِلْكَ الأَْمْوَال؛ لأَِنَّ التَّصَدُّقَ بِالْمَغْشُوشِ فِي الْكَثِيرِ مِنْ هَذِهِ الأَْمْوَال الثَّمِينَةِ تَضِيعُ بِهِ أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ عَلَى أَصْحَابِهَا، فَيُعَزَّرُونَ فِي مِثْل تِلْكَ الأَْحْوَال بِعُقُوبَاتٍ أُخْرَى. وَعِنْدَ الْبَعْضِ: أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ
_________
(١) حديث: " تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٧ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ مَنْعَ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَأَخَذَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كُلٌّ مِنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ، وَعِنْدَهُمَا: أَنَّ مَنْ غَشَّ أَوْ نَقَصَ مِنَ الْوَزْنِ يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ، وَالْحَبْسِ، وَالإِْخْرَاجِ مِنَ السُّوقِ، وَأَنَّ مَا غُشَّ مِنَ الْخُبْزِ وَاللَّبَنِ، أَوْ غُشَّ مِنَ الْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ لاَ يُفَرَّقُ وَلاَ يُنْهَبُ (١) .
ج - التَّغْيِيرُ:
٢٣ - مِنَ التَّعْزِيرِ بِالتَّغْيِيرِ نَهْيُ (٢) النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ بِهَا بَأْسٌ، فَإِذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كُسِرَتْ، وَفِعْل الرَّسُول ﷺ فِي التِّمْثَال الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِهِ (٣)، وَالسِّتْرِ الَّذِي بِهِ تَمَاثِيل (٤)، إِذْ قَطَعَ رَأْسَ التِّمْثَال فَصَارَ
_________
(١) الحسبة ص ٤٣ - ٤٦، والطرق الحكمية ص ٢٤٧ - ٢٥٨، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٢ - ٢٠٤.
(٢) حديث " نهى النبي ﷺ عن كسر. . . " أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (٦ / ٣٤٦ ط السعادة) من حديث علقمة بن عبد الله المزني ﵁، وفي إسناده انقطاع.
(٣) حديث: " قطع رأس التمثال فصار كالشجرة " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٨٨ تحقيق عزت عبيد دعاس)، والترمذي (٥ / ١١٥ ط الحلبي) من حديث أبي هريرة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) حديث " قطع الستر إلى وسادتين منتبذتين يوطآن. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٨ ط الميمنية) من حديث أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (٥ / ١١٥ - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.
كَالشَّجَرَةِ، وَقَطَعَ السِّتْرَ إِلَى وِسَادَتَيْنِ مُنْتَبَذَتَيْنِ (١) يُوطَآنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ: تَفْكِيكُ آلاَتِ اللَّهْوِ، وَتَغْيِيرُ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ.
د - التَّمْلِيكُ:
٢٤ - مِنَ التَّعْزِيرِ بِالتَّمْلِيكِ: قَضَاءُ الرَّسُول ﷺ فِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْل أَنْ يُؤْخَذَ إِلَى الْجَرِينِ بِجَلَدَاتِ نَكَالٍ، وَغَرِمَ مَا أَخَذَ مَرَّتَيْنِ (٢)، وَفِيمَنْ سَرَقَ مِنَ الْمَاشِيَةِ قَبْل أَنْ تُؤْوَى إِلَى الْمَرَاحِ بِجَلَدَاتِ نَكَالٍ، وَغَرِمَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ (٣)، وَقَضَاءِ عُمَرَ ﵁ بِتَضْعِيفِ الْغُرْمِ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ، وَقَدْ قَال بِذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ إِضْعَافُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ الْغُرْمَ فِي نَاقَةِ أَعْرَابِيٍّ أَخَذَهَا مَمَالِيكُ جِيَاعٌ، إِذْ أَضْعَفَ الْغُرْمَ عَلَى سَيِّدِهِمْ، وَدَرَأَ الْقَطْعَ (٤) .
_________
(١) منتبذتين: ملقاتين.
(٢) حديث " قضاء الرسول ﷺ فيمن سرق من الثمر المعلق. . . " تقدم تخريجه.
(٣) حديث: " قضاء الرسول ﷺ فيمن سرق من الماشية قبل. . . " تقدم تخريجه.
(٤) يراجع للتعزير بالمال عموما: الزيلعي ٣ / ٢٠٨، والسندي ٧ / ٦٠٤، ٦٠٥، وابن عابدين ٣ / ١٨٤، وفصول الأستروشني عن ٧ - ٨، وفتاوى البزازية ٢ / ٤٥، ونهاية المحتاج شرح المنهاج ٧ / ١٧٤، والحسبة ص ٤٠، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٤٧، والطرق الحكمية ٢٤٧ - ٢٥٨، وكشاف القناع ٤ / ٧٤ - ٧٥، وشرح المنتهى على هامشه ص ١١٠.
أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ التَّعْزِيرِ:
هُنَاكَ أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ التَّعْزِيرِ غَيْرِ مَا سَبَقَ. مِنْهَا: الإِْعْلاَمُ الْمُجَرَّدُ، وَالإِْحْضَارُ لِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَالتَّوْبِيخُ وَالْهَجْرُ.
أ - الإِْعْلاَمُ الْمُجَرَّدُ:
٢٥ - الإِْعْلاَمُ: صُورَتُهُ أَنْ يَقُول الْقَاضِي لِلْجَانِي: بَلَغَنِي أَنَّك فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَبْعَثُ الْقَاضِي أَمِينَهُ لِلْجَانِي، لِيَقُول لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ قَيَّدَ الْبَعْضُ الإِْعْلاَمَ، بِأَنْ يَكُونَ مَعَ النَّظَرِ بِوَجْهٍ عَابِسٍ (١) .
ب - الإِْحْضَارُ لِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ:
٢٦ - قَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّعْزِيرِ يَكُونُ بِالإِْعْلاَمِ، وَالذَّهَابِ إِلَى بَابِ الْقَاضِي، وَالْخِطَابِ بِالْمُوَاجَهَةِ.
وَقَال الْبَعْضُ: إِنَّهُ يَكُونُ بِالإِْعْلاَمِ، وَالْجَرِّ لِبَابِ الْقَاضِي، وَالْخُصُومَةِ فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْجَانِي.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ وَالإِْعْلاَمِ الْمُجَرَّدِ: أَنَّ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ يُؤْخَذُ الْجَانِي إِلَى الْقَاضِي زِيَادَةً عَنِ الإِْعْلاَمِ، وَذَلِكَ لِيُخَاطِبَهُ فِي الْمُوَاجَهَةِ.
_________
(١) الكاساني ٧ / ٦٤، والزيلعي ٣ / ٢٠٨، والجوهرة ٢ / ٢٥٤، والفتاوى الهندية ٢ / ١٨٨، ودرر الحكام ٢ / ٧٥.
وَبِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَمَال بْنُ الْهُمَامِ: تَتَمَيَّزُ هَذِهِ عَنِ الإِْعْلاَمِ الْمُجَرَّدِ بِالْخُصُومَةِ فِيمَا نُسِبَ إِلَى الْجَانِي.
وَكَثِيرًا مَا يَلْجَأُ الْقَاضِي لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا إِذَا كَانَ الْجَانِي قَدِ ارْتَكَبَ الْجَرِيمَةَ عَلَى سَبِيل الزَّلَّةِ وَالنُّدُورِ ابْتِدَاءً، إِذَا كَانَ ذَلِكَ زَاجِرًا، عَلَى شَرِيطَةِ كَوْنِ الْجَرِيمَةِ غَيْرَ جَسِيمَةٍ (١) .
ج - التَّوْبِيخُ:
مَشْرُوعِيَّةُ التَّوْبِيخِ:
٢٧ - التَّعْزِيرُ بِالتَّوْبِيخِ مَشْرُوعٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ سَابَّ رَجُلًا فَعَيَّرَهُ بِأُمِّهِ، فَقَال الرَّسُول ﷺ يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ،، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ (٢) .
وَقَال الرَّسُول ﷺ: لَيُّ الْوَاجِدِ (٣) يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (٤) . وَقَدْ فُسِّرَ النَّيْل مِنَ الْعِرْضِ
_________
(١) يراجع في الإعلام والإحضار عموما: الكاساني ٧ / ٦٤، والزيلعي ٣ / ٢٠٨، والجوهرة ٢ / ٢٥٤، ودرر الحكام ٢ / ٧٥، وفتح القدير ٥ / ١١٣، وابن عابدين ٣ / ١٨٣ - ١٨٤ - ١٩٧، والسندي ٧ / ٦٦٣، والفتاوى الهندية ٢ / ١٨٨، وقاضيخان ٢ / ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) حديث " يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ . . . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٨٤ - ط السلفية) .
(٣) ليّ الواجد: مطله.
(٤) حديث " ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٢ ط الميمنية) وقال ابن حجر في الفتح (٥ / ٦٢ ط السلفية) إسناده حسن.