الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
مِقْدَارُ الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ:
١٥ - مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَبْلُغُ الْحَدَّ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (١) وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي أَقْصَى الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ:
فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَنْ تِسْعَةٍ وَثَلاَثِينَ سَوْطًا بِالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، أَخْذًا عَنِ الشَّعْبِيِّ، إِذْ صَرَفَ كَلِمَةَ الْحَدِّ فِي الْحَدِيثِ إِلَى حَدِّ الأَْرِقَّاءِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ. وَأَبُو يُوسُفَ قَال بِذَلِكَ أَوَّلًا، ثُمَّ عَدَل عَنْهُ إِلَى اعْتِبَارِ أَقَل حُدُودِ الأَْحْرَارِ وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً.
وَجْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الْحَدِيثَ ذَكَرَ حَدًّا مُنَكَّرًا، وَأَرْبَعُونَ جَلْدَةً حَدٌّ كَامِلٌ فِي الأَْرِقَّاءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، فَيَنْصَرِفُ إِلَى الأَْقَل. وَأَبُو يُوسُفَ اعْتَمَدَ عَلَى أَنَّ الأَْصْل فِي الإِْنْسَانِ الْحُرِّيَّةُ، وَحَدُّ الْعَبْدِ نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ، فَلَيْسَ حَدًّا كَامِلًا، وَمُطْلَقُ الاِسْمِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِل فِي كُل بَابٍ (٢) .
وَفِي عَدَدِ الْجَلَدَاتِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ:
إِحْدَاهُمَا: أَنَّ التَّعْزِيرَ يَصِل إِلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَهِيَ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَنْهُ، وَقَدْ أَخَذَ بِذَلِكَ
_________
(١) حديث: " من بلغ حدا في غير حد. . . " أخرجه البيهقي في السنن (٨ / ٣٢٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث النعمان بن بشير ﵄، وقال: المحفوظ: هذا الحديث مرسل.
(٢) الكاساني ٧ / ٦٤.
زُفَرُ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَهُوَ الْقِيَاسُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ حَدًّا فَيَكُونُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَسْكُوتِ عَنِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ. . . (١)
وَالثَّانِيَةُ: وَهِيَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ سَوْطًا، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَثَرًا عَنْ عُمَرَ ﵁، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا، وَأَنَّهُمَا قَالاَ: فِي التَّعْزِيرِ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ. وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا فِي نُقْصَانِ الْخَمْسَةِ، وَاعْتُبِرَ عَمَلُهُمَا أَدْنَى الْحُدُودِ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال الْمَازِرِيُّ: إِنَّ تَحْدِيدَ الْعُقُوبَةِ لاَ سَبِيل إِلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْل الْمَذْهَبِ، وَقَال: إِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يُجِيزُ فِي الْعُقُوبَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ. وَحُكِيَ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ قَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ (٣) . وَعَلَى ذَلِكَ فَالرَّاجِحُ لَدَى الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الإِْمَامَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ التَّعْزِيرَ عَنِ الْحَدِّ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي لاَ يَشُوبُهَا الْهَوَى.
وَمِمَّا اسْتَدَل بِهِ الْمَالِكِيَّةُ: فِعْل عُمَرَ فِي مَعْنِ بْنِ زِيَادٍ لَمَّا زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ وَأَخَذَ بِهِ مِنْ صَاحِبِ بَيْتِ الْمَال مَالًا، إِذْ جَلَدَهُ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً
_________
(١) حديث: " من بلغ حدا في غير. . . " تقدم تخريجه.
(٢) الأستروشني ص ١٦، والكاساني ٧ / ٦٤، والجوهرة ٢ / ٢٥٣، واللباب للميداني ٣ / ٦٥.
(٣) تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤.
أُخْرَى، ثُمَّ ثَالِثَةً، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إِجْمَاعًا، كَمَا أَنَّهُ ضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِّ (١) . وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُتِيَ بِالنَّجَاشِيِّ قَدْ شَرِبَ خَمْرًا فِي رَمَضَانَ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ (الْحَدَّ) وَعِشْرِينَ سَوْطًا، لِفِطْرِهِ فِي رَمَضَانَ.
كَمَا رُوِيَ: أَنَّ أَبَا الأَْسْوَدِ اسْتَخْلَفَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ فَأُتِيَ بِسَارِقٍ قَدْ جَمَعَ الْمَتَاعَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ، فَضَرَبَهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ سَوْطًا وَخَلَّى سَبِيلَهُ (٢) . وَقَالُوا فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ ﵁: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (٣) إِنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَنِ الرَّسُول ﷺ؛ لأَِنَّهُ كَانَ يَكْفِي الْجَانِيَ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرُ، وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فِي حَدٍّ، أَيْ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَعَاصِي الْمُقَدَّرِ حُدُودُهَا لأَِنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى (٤) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّعْزِيرَ إِنْ كَانَ بِالْجَلْدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ أَقَل حُدُودِ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ
_________
(١) كان يعنت الجند بالمشتبهات والتساؤلات فضربه سيدنا عمر ﵁ ونفاه إلى البصرة.
(٢) تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٤، والمغني ١٠ / ٣٤٨، وفتح القدير ٥ / ١١٥ - ١١٦.
(٣) حديث: " لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد. . . " تقدم تخريجه.
(٤) تبصرة الحكام ٢ / ٢٠٥.
التَّعْزِيرُ، فَيَنْقُصُ فِي الْعَبْدِ عَنْ عِشْرِينَ، وَفِي الْحُرِّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَهُوَ حَدُّ الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ، وَقِيل بِوُجُوبِ النَّقْصِ فِيهِمَا عَنْ عِشْرِينَ، لِحَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (١) وَيَسْتَوِي فِي النَّقْصِ عَمَّا ذُكِرَ جَمِيعُ الْجَرَائِمِ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. وَقِيل بِقِيَاسِ كُل جَرِيمَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِهَا مِمَّا فِيهِ أَوْ فِي جِنْسِهِ حَدٌّ، فَيَنْقُصُ عَلَى سَبِيل الْمِثَال تَعْزِيرُ مُقَدِّمَةِ الزِّنَى عَنْ حَدِّهِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ، وَتَعْزِيرُ السَّبِّ عَنْ حَدِّ الْقَذْفِ، وَإِنْ زَادَ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ. وَقِيل فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَزِيدُ فِي أَكْثَرِ الْجَلْدِ فِي التَّعْزِيرِ عَنْ عَشْرِ جَلَدَاتٍ أَخْذًا بِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ: لاَ يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ (٢) لِمَا اشْتَهَرَ مِنْ قَوْل الشَّافِعِيِّ: إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ (٣) .
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي قَدْرِ جَلْدِ التَّعْزِيرِ، فَرُوِيَ أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ الْحَدَّ. وَقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، وَالْمَقْصُودُ بِمُقْتَضَاهَا: أَنَّهُ لاَ يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى حَدٍّ مَشْرُوعٍ، فَلاَ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَرْبَعِينَ؛ لأَِنَّ الأَْرْبَعِينَ حَدُّ الْعَبْدِ فِي
_________
(١) حديث: " من بلغ حدا في غير حد. . . " تقدم تخريجه.
(٢) حديث: " لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد. . . " تقدم تخريجه.
(٣) نهاية المحتاج ٧ / ١٧٥، والمهذب ٢ / ٢٢٨، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٣.
الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ، وَلاَ يُجَاوِزُ تِسْعَةً وَثَلاَثِينَ سَوْطًا فِي الْحُرِّ، وَلاَ تِسْعَةَ عَشَرَ فِي الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَرْبَعُونَ سَوْطًا.
وَنَصُّ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: أَنْ لاَ يُزَادَ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي التَّعْزِيرِ، لِلأَْثَرِ: لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ. . . إِلاَّ مَا وَرَدَ مِنَ الآْثَارِ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، وَوَطْءِ جَارِيَةٍ مُشْتَرَكَةٍ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَحْتَمِل كَلاَمُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ فِي كُل جَرِيمَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدٍّ غَيْرِ جِنْسِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى هَذَا. وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا: أَنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَهَذَا تَعْزِيرٌ؛ لأَِنَّ عِقَابَ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ لِلْمُحْصَنِ الرَّجْمُ، وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي الرَّجُل الَّذِي وَطِئَ أَمَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَآخَرَ: أَنَّهُ يُجْلَدُ الْحَدَّ إِلاَّ سَوْطًا وَاحِدًا، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَحْمَدُ.
وَقَدْ زَادَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ رَأْيًا رَابِعًا: هُوَ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فَيَجْتَهِدُ فِيهِ وَلِيُّ الأَْمْرِ عَلَى أَلاَّ يَبْلُغَ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ، فَالتَّعْزِيرُ عَلَى سَرِقَةِ مَا دُونَ النِّصَابِ مَثَلًا لاَ يُبْلَغُ بِهِ
الْقَطْعَ، وَقَالاَ: إِنَّ هَذَا هُوَ أَعْدَل الأَْقْوَال، وَإِنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ عَلَيْهِ، كَمَا مَرَّ فِي ضَرْبِ الَّذِي أَحَلَّتْ لَهُ امْرَأَتُهُ جَارِيَتَهَا مِائَةً لاَ الْحَدَّ وَهُوَ الرَّجْمُ، كَمَا أَنَّ عَلِيًّا وَعُمَرَ ﵄ ضَرَبَا رَجُلًا وَامْرَأَةً وُجِدَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ مِائَةً مِائَةً، وَحَكَمَ عُمَرُ ﵁ فِيمَنْ قَلَّدَ خَاتَمَ بَيْتِ الْمَال بِضَرْبِهِ ثَلاَثَمِائَةٍ عَلَى مَرَّاتٍ، وَضَرَبَ صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ لِلْبِدْعَةِ ضَرْبًا كَثِيرًا لَمْ يَعُدُّهُ (١) .
وَخُلاَصَةُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ فِيهِ مَنْ يَقُول بِأَنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، وَمَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَقَل الْحُدُودِ، وَمَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ فِي جَرِيمَةٍ قَدْرَ الْحَدِّ فِيهَا، وَهُنَاكَ مَنْ يَقُول: بِأَنَّهُ لاَ يَتَقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مُقَدَّرٌ. وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمُ التَّحْدِيدُ سَوَاءٌ أَكَانَ بِعَشْرِ جَلَدَاتٍ أَمْ بِأَقَل مِنْ أَدْنَى الْحُدُودِ أَمْ بِأَقَل مِنَ الْحَدِّ الْمُقَرَّرِ لِجِنْسِ الْجَرِيمَةِ.
وَمَا ذُكِرَ هُوَ عَنِ الْحَدِّ الأَْعْلَى، أَمَّا عَنِ الْحَدِّ الأَْدْنَى فَقَدْ قَال الْقُدُورِيُّ: إِنَّهُ ثَلاَثُ جَلَدَاتٍ؛ لأَِنَّ هَذَا الْعَدَدَ أَقَل مَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ. وَلَكِنَّ غَالِبِيَّةَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي أَقَل جَلْدِ التَّعْزِيرِ مَرْجِعُهُ الْحَاكِمُ، بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفِي لِلزَّجْرِ.
وَقَال فِي الْخُلاَصَةِ: إِنَّ اخْتِيَارَ التَّعْزِيرِ إِلَى
_________
(١) الحسبة في الإسلام ص ٣٩، والسياسة الشرعية ص ٥٤، والطرق الحكمية ص ١٠٦
الْقَاضِي مِنْ وَاحِدٍ إِلَى تِسْعَةٍ وَثَلاَثِينَ، وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ تَصْرِيحُ ابْنِ قُدَامَةَ، فَقَدْ قَال: إِنَّ أَقَل التَّعْزِيرِ لَيْسَ مُقَدَّرًا فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ أَوِ الْحَاكِمِ فِيمَا يَرَاهُ وَمَا تَقْتَضِيهِ حَال الشَّخْصِ (١) .
ج - التَّعْزِيرُ بِالْحَبْسِ:
١٦ - الْحَبْسُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (٢) وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ﴾ (٣) . فَقَدْ قَال الزَّيْلَعِيُّ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّفْيِ هُنَا الْحَبْسُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ ثَبَتَ: أَنَّ الرَّسُول ﷺ حَبَسَ بِالْمَدِينَةِ أُنَاسًا فِي تُهْمَةِ دَمٍ، وَحَكَمَ بِالضَّرْبِ
_________
(١) يراجع في التعزير بالجلد عموما الكاساني في ٧ / ٦٤، والسرخسي ٢٤ / ٣٦، والسندي ٧ / ٥٩٩ - ٦٠٠، ٦٠١، ٦٠٢، والجوهرة ٢ / ٢٥٣، واللباب لميداني ٣ / ٦٥، وفتح القدير ٥ / ١١٥ - ١١٦، والزيلعي والشلبي ٣ / ٢١٠، والأستروشني ص ١٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٠٠ - ٢٠٤، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧٥، والمهذب ٢ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٤ / ٧٣ - ٧٤، والسياسة الشرعية ص ٤٧، ٤٨، ٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦، والحسبة ص ٣٩، والطرق الحكمية ص ١٠٦، والمغني ١٠ / ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٢) سورة النساء / ١٥.
(٣) سورة المائدة / ٣٣.
وَالسَّجْنِ، وَأَنَّهُ قَال فِيمَنْ أَمْسَكَ رَجُلًا لآِخَرَ حَتَّى قَتَلَهُ: اقْتُلُوا الْقَاتِل، وَاصْبِرُوا الصَّابِرَ (١) . وَفُسِّرَتْ عِبَارَةُ اصْبِرُوا الصَّابِرَ بِحَبْسِهِ حَتَّى الْمَوْتِ؛ لأَِنَّهُ حَبَسَ الْمَقْتُول لِلْمَوْتِ بِإِمْسَاكِهِ إِيَّاهُ.
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، عَلَى الْمُعَاقَبَةِ بِالْحَبْسِ. وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَبْسَ يَصْلُحُ عُقُوبَةً فِي التَّعْزِيرِ. وَمِمَّا جَاءَ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ سَجَنَ الْحُطَيْئَةَ عَلَى الْهَجْوِ، وَسَجَنَ صَبِيغًا عَلَى سُؤَالِهِ عَنِ الذَّارِيَاتِ، وَالْمُرْسَلاَتِ، وَالنَّازِعَاتِ، وَشِبْهِهِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ سَجَنَ ضَابِئَ بْنَ الْحَارِثِ، وَكَانَ مِنْ لُصُوصِ بَنِي تَمِيمٍ وَفُتَّاكِهِمْ، وَأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ سَجَنَ بِالْكُوفَةِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵁ سَجَنَ بِمَكَّةَ، وَسَجَنَ فِي " دَارِمٍ " مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ لَمَّا امْتَنَعَ عَنْ بَيْعَتِهِ (٢) .
_________
(١) حديث: " اقتلوا القاتل واصبروا الصابر ". أخرجه البيهقي (٨ / ٥١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث إسماعيل بن أمية مرسلا. وأورده قبله بلفظ مقارب، ولكنه رجح الإرسال، ومن قبله الدارقطني (٣ / ١٤٠ - ط دار المحاسن) .
(٢) أقضية الرسول ﷺ لأبي عبد الله محمد بن فرح المالكي القرطبي ص ٥ - ٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٧٣، والزيلعي ٣ / ٢٠٧ و٤ / ١٧٩ - ١٨٠، وابن عابدين ٤ / ٣٢٦، وفتح القدير ٦ / ٣٧٥، والمغني ١٠ / ٣١٣ - ٣١٤ - ٣٤٨، والسياسة الشرعية ص ٥٤، وكشاف القناع ٤ / ٧٤، والماوردي ص ٢٢٤.
مُدَّةُ الْحَبْسِ فِي التَّعْزِيرِ:
١٧ - الأَْصْل أَنَّ تَقْدِيرَ مُدَّةِ الْحَبْسِ يَرْجِعُ إِلَى الْحَاكِمِ، مَعَ مُرَاعَاةِ ظُرُوفِ الشَّخْصِ، وَالْجَرِيمَةِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ.
وَقَدْ أَشَارَ الزَّيْلَعِيُّ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَيْسَ لِلْحَبْسِ مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ.
وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ الْحَبْسَ تَعْزِيرًا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْمُجْرِمِ، وَبِاخْتِلاَفِ الْجَرِيمَةِ، فَمِنَ الْجَانِينَ مَنْ يُحْبَسُ يَوْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْبَسُ أَكْثَرُ، إِلَى غَايَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةٍ.
لَكِنَّ الشِّرْبِينِيَّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، ذَكَرَ أَنَّ شَرْطَ الْحَبْسِ: النَّقْصُ عَنْ سَنَةٍ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ، وَصَرَّحَ بِهِ مُعْظَمُ الأَْصْحَابِ.
وَأَطْلَقَ الْحَنَابِلَةُ فِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ (١) .
د - التَّعْزِيرُ بِالنَّفْيِ (التَّغْرِيب):
مَشْرُوعِيَّةُ التَّعْزِيرِ بِالنَّفْيِ:
١٨ - التَّعْزِيرُ بِالنَّفْيِ مَشْرُوعٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِْجْمَاعُ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ
_________
(١) فتح القدير ٦ / ٣٧٥، والزيلعي ٤ / ١٧٩ - ١٨٠ و٣ / ١٨١ - ٢٠٨، وابن عابدين ٤ / ٣٢٦، والفتاوى الهندية ٢ / ١٨٨، والتاج والإكليل ٥ / ٤٨، والمدونة ١٣ / ٥٤ - ٥٥، وتبصرة الحكام ٢ / ٣٧٣، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧٥، والأحكام السلطانية للماوردي / ٢٢٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٢، وكشاف القناع ٤ / ٧٤ - ٧٥، والمغني ١٠ / ٣١٣ - ٣١٤.
الأَْرْضِ﴾ وَمِنْ ثَمَّ فَهُوَ عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ فِي الْحُدُودِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالنَّفْيِ تَعْزِيرًا فِي الْمُخَنَّثِينَ، إِذْ نَفَاهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ (١) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ نَفَى نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ لاِفْتِتَانِ النِّسَاءِ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (٢) .
وَيَجُوزُ كَوْنُ التَّغْرِيبِ لأَِكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لأَِنَّ عُمَرَ غَرَّبَ مِنَ الْمَدِينَةِ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَنَفَى عُثْمَانُ ﵁ إِلَى مِصْرَ، وَنَفَى عَلِيٌّ ﵁ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ التَّغْرِيبُ لِبَلَدٍ مُعَيَّنٍ، فَلاَ يُرْسِل الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِهِ إِرْسَالًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَ الْبَلَدِ الْمُعَيَّنِ لإِِبْعَادِهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَغْرِيبُ الْجَانِي لِبَلَدِهِ (٣) .
وَيَرَى الشَّافِعِيُّ: أَنْ لاَ تَقِل الْمَسَافَةُ بَيْنَ بَلَدِ الْجَانِي وَالْبَلَدِ الْمُغَرَّبِ إِلَيْهِ عَنْ مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (٤) . وَيَرَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى: أَنْ يُنْفَى الْجَانِي
_________
(١) أخرج أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال النبي ﷺ: " ما بال هذا؟ فقيل: يا رسول الله، يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النقيع ". أخرجه أبو داود (٥ / ٢٢٤ - تحقيق عز وأعله المنذري بجهالة أحد رواته. (مختصر سنن أبي داود ٧ / ٢٤٠ - نشر المعرفة) .
(٢) المبسوط للسرخسي ٩ / ٤٥، والزيلعي ٣ / ١٧٤.
(٣) حاشية البجيرمي ٤ / ١٤٥.
(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢١٢.