الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 44

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

نَفْسَهُ إِذَا كَانَ مُقْتَدِرًا؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ عِنْدَهُمْ لاَزِمٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ.

وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كِتَابَةٌ) .

ثَانِيًا: عَجْزُ الْمُدَّعِي أَوِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:

٤ - أَكْثَرُ مَنِ اسْتَعْمَل مِنَ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ التَّعْجِيزِ هُمُ الْمَالِكِيَّةُ، حَيْثُ ذَهَبُوا: إِلَى أَنَّهُ إِذَا انْقَضَتِ الآْجَال الَّتِي ضَرَبَهَا الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي لإِِحْضَارِ بَيِّنَتِهِ، وَفَتْرَةُ التَّلَوُّمِ، وَلَمْ يَأْتِ الشَّخْصُ الْمُؤَجَّل بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ نَظِرَةً، عَجَّزَهُ الْقَاضِي، وَأَنْفَذَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ، وَسَجَّل، وَقَطَعَ بِذَلِكَ تَبِعَتَهُ عَنْ خَصْمِهِ، ثُمَّ لاَ يُسْمَعُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةً، وَلاَ تُقْبَل مِنْهُ بَيِّنَةٌ إِنْ أَتَى بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ مُدَّعِيًا أَمْ مُدَّعًى عَلَيْهِ. (١)

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُمْهَل إِذَا طَلَبَ مُهْلَةً لإِِحْضَارِ الْبَيِّنَةِ، وَيُتْرَكُ مَا تُرِكَ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الطَّالِبُ لِلْحَقِّ.

أَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلاَ يُمْهَل أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يُحْكَمُ بِتَعْجِيزِهِ، وَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْحَلِفِ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي فَيُحْكَمُ لَهُ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَرَوْنَ: أَنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنَفْسِ النُّكُول، بَعْدَ أَنْ يُكَرِّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. (٢) لِقَوْلِهِ ﷺ

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ١٤١، والقوانين الفقهية ٣٠٨.

(٢) البدائع ٦ / ٢٢٤، والمجموع التكملة ٢٠ / ١٥٨، والمغني لابن قدامة ٩ / ٧٩.

الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (١)

وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دَعْوَى) .

_________

(١) حديث: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر " هذا الحديث جزء من حديث أخرجه البيهقي (١٠ / ٢٥٢ ط دار المعارف) أوله " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة. . . إلخ ". (فتح الباري ٥ / ٢٨٣ ط السلفية) . وحسن ابن حجر إسناد الحديث.

تَعْجِيلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّعْجِيل: مَصْدَرُ عَجَّل. وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الاِسْتِحْثَاثُ، وَطَلَبُ الْعَجَلَةِ، وَهِيَ: السُّرْعَةُ. وَيُقَال: عَجَّلْتُ إِلَيْهِ الْمَال: أَسْرَعْتُ إِلَيْهِ، فَتَعَجَّلَهُ: فَأَخَذَهُ بِسُرْعَةٍ وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: الإِْتْيَانُ بِالْفِعْل قَبْل الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لَهُ شَرْعًا، كَتَعْجِيل الزَّكَاةِ، أَوْ فِي أَوَّل الْوَقْتِ، كَتَعْجِيل الْفِطْرِ. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْسْرَاعُ:

٢ - الإِْسْرَاعُ: مَصْدَرُ أَسْرَعَ، وَالسُّرْعَةُ: اسْمٌ مِنْهُ، وَهِيَ نَقِيضُ الْبُطْءِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الإِْسْرَاعِ وَالتَّعْجِيل كَمَا قَال الْعَسْكَرِيُّ: إِنَّ السُّرْعَةَ التَّقَدُّمُ فِيمَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَقَدَّمَ فِيهِ، وَهِيَ مَحْمُودَةٌ، وَنَقِيضُهَا مَذْمُومٌ، وَهُوَ: الإِْبْطَاءُ. وَالْعَجَلَةُ التَّقَدُّمُ فِيمَا لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهِ، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ، وَنَقِيضُهَا مَحْمُودٌ، وَهُوَ: الأَْنَاةُ. فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " عجل ". انظر مصطلح: (تأخير) .

﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (١) فَإِنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى: أَسْرَعْتُ. (٢)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - التَّعْجِيل مَشْرُوعٌ فِي مَوَاضِعَ: كَتَعْجِيل تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَغَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي مَوَاضِعَ: كَتَعْجِيل الصَّلاَةِ قَبْل وَقْتِهَا.

وَالْمَشْرُوعُ مِنْهُ تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا: كَتَعْجِيل التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ. وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا: كَتَعْجِيل الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ. وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا: كَتَعْجِيل الْكَفَّارَاتِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا أَوْ خِلاَفَ الأَْوْلَى: كَتَعْجِيل إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْل الْحَوْل.

وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ: مِنْهُ مَا يَكُونُ بَاطِلًا، كَتَعْجِيل الصَّلاَةِ قَبْل وَقْتِهَا.

أَنْوَاعُ التَّعْجِيل

أَوَّلًا: التَّعْجِيل بِالْفِعْل عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ

أ - التَّعْجِيل بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ:

٤ - تَجِبُ التَّوْبَةُ عَلَى كُل مُكَلَّفٍ عَلَى الْفَوْرِ عُقَيْبَ الذَّنْبِ. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُْمَّةِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ

_________

(١) سورة طه / ٨٤.

(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " سرع " والفروق في اللغة لأبي هلاك العسكري ص ١٩٨.

بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢)

وَنَقَل الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: الإِْجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ تَعْجِيل التَّوْبَةِ، وَأَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ. (٣)

ب - التَّعْجِيل بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ الإِْسْرَاعُ بِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَادَ طَلْحَةُ بْنُ الْبَرَاءِ ﵁ قَال: إِنِّي لاَ أَرَى طَلْحَةَ إِلاَّ قَدْ حَدَثَ فِيهِ الْمَوْتُ، فَآذِنُونِي بِهِ، وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ. (٤) وَالصَّارِفُ عَنْ وُجُوبِ التَّعْجِيل: الاِحْتِيَاطُ لِلرُّوحِ؛ لاِحْتِمَالِهِ الإِْغْمَاءَ وَنَحْوَهُ. وَفِي الْحَدِيثِ أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ

_________

(١) سورة النساء / ١٧.

(٢) سورة الأعراف / ٢٠١.

(٣) حاشية العدوي ١ / ٦٨، والفواكه الدواني ١ / ٨٩، وتفسير القرطبي ٥ / ٩٠، ١٨ / ١٩٧ ط دار الكتب المصرية، وإحياء علوم الدين ٤ / ٧ ط مطبعة الاستقامة بالقاهرة، ودليل الفالحين ١ / ٧٨ وما بعدها.

(٤) حديث: " إني لا أرى طلحة إلا وقد حدث فيه الموت. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٥١١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) واستغربه البغوي كما في مختصر المنذري (٤ / ٣٠٤ - ط دار إحياء السنة النبوية) وذلك لجهالة بعض رواته.

تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ. (١)

وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً أَوْ غَرَقًا. (٢)

ج - التَّعْجِيل بِقَضَاءِ الدَّيْنِ:

٦ - يَجِبُ تَعْجِيل الْوَفَاءِ بِالدَّيْنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِ وَيَحْرُمُ عَلَى الْقَادِرِ الْمَطْل فِيهِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِنْ أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ أَيْ فَإِنْ أُحِيل عَلَى مُوسِرٍ فَلْيَقْبَل الْحَوَالَةَ. (٣)

قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: الْمَعْنَى: أَنَّهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَأَطْلَقَ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنِ الْمَطْل، وَالْمُرَادُ مِنَ الْمَطْل هُنَا: تَأْخِيرُ مَا اسْتُحِقَّ أَدَاؤُهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ. (٤)

د - التَّعْجِيل بِإِعْطَاءِ أُجْرَةِ الأَْجِيرِ:

٧ - ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال أَعْطُوا الأَْجِيرَ أَجْرَهُ قَبْل أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ (٥)

_________

(١) حديث: " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٨٣ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٦٥٢ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٧٢، والفواكه الدواني ١ / ٣٣٠، ومغني المحتاج ١ / ٣٣٢، وشرح روض الطالب ١ / ٢٩٨، ٢٩٩، وكشاف القناع ٢ / ٨٤.

(٣) حديث: " مطل الغني ظلم، فإذا اتبع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٦٤ - ط السلفية) .

(٤) فتح الباري ٤ / ٤٦٥ ط رئاسة إدارة البحوث بالسعودية، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي ٤ / ٥٣٥ ط المكتبة السلفية.

(٥) حديث: " أعطوا الأجير أجره. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر ﵄، وحسنه المناوي في الفيض (١ / ٥٦٣ - ط المكتبة التجارية) .

وَالأَْمْرُ بِإِعْطَائِهِ قَبْل جَفَافِ عَرَقِهِ إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ عَقِبَ فَرَاغِ الْعَمَل، إِذَا طَلَبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرَقْ، أَوْ عَرِقَ وَجَفَّ. وَذَلِكَ لأَِنَّ أَجْرَهُ عِمَالَةُ جَسَدِهِ، وَقَدْ عَجَّل مَنْفَعَتَهُ، فَإِذَا عَجَّلَهَا اسْتَحَقَّ التَّعْجِيل. وَمِنْ شَأْنِ الْبَاعَةِ: إِذَا سَلَّمُوا قَبَضُوا الثَّمَنَ عِنْدَ التَّسْلِيمِ، فَهُوَ أَحَقُّ وَأَوْلَى، إِذْ كَانَ ثَمَنَ مُهْجَتِهِ، لاَ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ، فَيَحْرُمُ مَطْلُهُ وَالتَّسْوِيفُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ. (١)

هـ - التَّعْجِيل بِتَزْوِيجِ الْبِكْرِ:

٨ - اسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّعْجِيل بِإِنْكَاحِ الْبِكْرِ إِذَا بَلَغَتْ، لِحَدِيثِ: يَا عَلِيُّ: ثَلاَثٌ لاَ تُؤَخِّرُهَا: الصَّلاَةُ إِذَا أَتَتْ، وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَْيِّمُ إِذَا وَجَدَتْ لَهَا كُفُؤًا (٢) وَاسْتَثْنَوْا ذَلِكَ مِنْ ذَمِّ الْعَجَلَةِ، وَأَنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ. (٣)

_________

(١) فيض القدير شرح الجامع الصغير ١ / ٥٦٢ ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

(٢) حديث: " يا علي، ثلاث لا تؤخرها الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤا " أخرجه الترمذي (٣ / ٣٧٨ - ط الحلبي) وقال: هذا حديث غريب وما أرى إسناده بمتصل. وجهل ابن حجر أحد رواته كما في التلخيص (٣ / ١٨٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٣) الفواكه الدواني ١ / ٣٣٠.

و- التَّعْجِيل بِالإِْفْطَارِ فِي رَمَضَانَ:

٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ: عَلَى أَنَّ تَعْجِيل الْفِطْرِ مِنَ السُّنَّةِ، لِقَوْل الرَّسُول ﷺ لاَ يَزَال النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ (١) وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَزَال أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ. (٢)

وَإِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ التَّعْجِيل: إِذَا تَحَقَّقَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَعَدَمِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي الْغُرُوبِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اتِّفَاقًا، وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ تَعْجِيل الْفِطْرِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. (٣)

ز - تَعْجِيل الْحَاجِّ بِالنَّفْرِ مِنْ مِنًى:

١٠ - يَجُوزُ لِلْحَاجِّ التَّعَجُّل فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤) وَلِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَعْمُرَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَيَّامُ مِنًى ثَلاَثٌ، فَمَنْ

_________

(١) حديث: " لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٩٨ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٧٧١ - ط الحلبي) من حديث سهل بن سعد ﵁.

(٢) حديث: " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور " أخرجه أحمد (٥ / ١٧٢ ط الميمنية) من حديث سهل بن سعد ﵁، وقال الهيثمي: فيه سليمان بن أبي عثمان، قال أبو حاتم: مجهول.

(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٤، مواهب الجليل ٢ / ٣٩٧، ومغني المحتاج ١ / ٤٣٤، وكشاف القناع ٢ / ٣٣١.

(٤) سورة البقرة / ٢٠٣.

تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (١) وَشَرْطُ جَوَازِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى، وَرَمَى الْيَوْمَ الثَّالِثَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِلنَّهَارِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ اللَّيْل فَمَا تَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال " مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى، فَلاَ يَنْفِرَنْ، حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (٢)

وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا الشَّرْطِ بَيْنَ الْمَكِّيِّ وَالآْفَاقِيِّ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَخَصُّوا شَرْطَ التَّعْجِيل بِالْمُتَعَجِّل مِنْ أَهْل مَكَّةَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلاَ يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْل الْغُرُوبِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي.

وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ، وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَنْفِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يَدْخُل الْيَوْمُ الآْخَرُ، فَجَازَ

_________

(١) حديث: " أيام منى ثلاث، فمن تعجل في يومين. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤٨٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٤٦٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

(٢) الأثر: " عن ابن عمر. . . " أخرجه مالك (١ / ٤٠٧ - ط الحلبي) وإسناده صحيح.

لَهُ النَّفْرُ، كَمَا قَبْل الْغُرُوبِ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَهْل مَكَّةَ هَل يَنْفِرُونَ النَّفْرَ الأَْوَّل؟ فَقِيل: لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَنْ شَاءَ مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا فِي النَّفْرِ الأَْوَّل، إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ، فَلاَ يَنْفِرُونَ إِلاَّ فِي النَّفْرِ الآْخَرِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُول: لاَ يُعْجِبُنِي لِمَنْ نَفَرَ النَّفْرَ الأَْوَّل أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ، وَقَال: أَهْل مَكَّةَ أَخَفُّ، وَجَعَل أَحْمَدُ مَعْنَى قَوْل عُمَرَ (إِلاَّ آل خُزَيْمَةَ) أَيْ: أَنَّهُمْ أَهْل الْحَرَمِ، وَحَمَلَهُ فِي الْمُغْنِي عَلَى الاِسْتِحْبَابِ، مُحَافَظَةً عَلَى الْعُمُومِ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُول فِي أَهْل مَكَّةَ مَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَلَهُ أَنْ يَتَعَجَّل فِي يَوْمَيْنِ، فَإِنْ أَرَادَ التَّخْفِيفَ عَنْ نَفْسِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَلاَ، فَرَأَى أَنَّ التَّعْجِيل لِمَنْ بَعُدَ قُطْرُهُ. وَقَال أَكْثَرُ أَهْل الْعِلْمِ: الآْيَةُ عَلَى الْعُمُومِ، وَالرُّخْصَةُ لِجَمِيعِ النَّاسِ، أَهْل مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ، سَوَاءٌ أَرَادَ الْخَارِجُ مِنْ مِنًى الْمُقَامَ بِمَكَّةَ، أَوِ الشُّخُوصَ إِلَى بَلَدِهِ.

١١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ): إِلَى أَنَّ تَأْخِيرَ النَّفْرِ إِلَى الثَّالِثِ أَفْضَل، لِلاِقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ لاَ تَفْضِيل بَيْنَ التَّعْجِيل وَالتَّأْخِيرِ، بَل هُمَا مُسْتَوِيَانِ.

وَنَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّعْجِيل لِلإِْمَامِ، لأَِجْل مَنْ يَتَأَخَّرُ.