الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
قَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: مَنْعُ الرَّجُل مِنِ اسْتِعْمَال فَضْلَةِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُول الْمَعْنَى، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلِذَلِكَ يُبَاحُ لاِمْرَأَةٍ سِوَاهَا التَّطَهُّرُ بِهِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَغَسْل النَّجَاسَةِ وَغَيْرِهَا؛ لأَِنَّ النَّهْيَ اخْتَصَّ بِالرَّجُل، وَلَمْ يُعْقَل مَعْنَاهُ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَحَل النَّهْيِ. وَهَل يَجُوزُ لِلرَّجُل غَسْل النَّجَاسَةِ بِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ وَهُوَ قَوْل الْقَاضِي.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لأَِنَّهُ مَاءٌ يُطَهِّرُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحَدَثِ وَالنَّجَاسَةِ، فَيُزِيل النَّجَاسَةَ إِذَا فَعَلَهُ الرَّجُل كَسَائِرِ الْمِيَاهِ. وَالْحَدِيثُ لاَ تُعْقَل عِلَّتُهُ، فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ لَفْظُهُ - (١) أَيِ التَّطَهُّرُ مِنَ الْحَدَثِ لاَ غَيْرُ.
الأَْصْل فِي الأَْحْكَامِ مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيل أَوِ التَّعَبُّدُ:
١٦ - اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ هَل الأَْصْل فِي الأَْحْكَامِ التَّعْلِيل أَوْ عَدَمُهُ؟ فَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى الأَْوَّل، فَلاَ تُعَلَّل الأَْحْكَامُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ. قَالُوا: لأَِنَّ النَّصَّ مُوجِبٌ بِصِيغَتِهِ لاَ بِالْعِلَّةِ. وَنُسِبَ إِلَى الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّ الأَْصْل التَّعْلِيل بِوَصْفٍ، لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُمَيِّزُهُ مِنْ غَيْرِهِ. قَال فِي التَّلْوِيحِ: وَالْمَشْهُورُ بَيْنَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الأَْصْل فِي الأَْحْكَامِ التَّعَبُّدُ دُونَ التَّعْلِيل. قَال: وَالْمُخْتَارُ: أَنَّ الأَْصْل فِي
_________
(١) المغني ١ / ٢١٦ ط الثالثة.
النُّصُوصِ التَّعْلِيل، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ - أَيْ لِصِحَّةِ الْقِيَاسِ - مِنْ دَلِيلٍ يُمَيِّزُ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ بُدَّ قَبْل التَّعْلِيل وَالتَّمْيِيزُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُل عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ الَّذِي يُرِيدُ اسْتِخْرَاجَ عِلَّتِهِ مُعَلَّلٌ فِي الْجُمْلَةِ (١) .
وَذَهَبَ الشَّاطِبِيُّ إِلَى أَنَّ الأَْمْرَ فِي ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلاَتِ، قَال: الأَْصْل فِي الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِ التَّعَبُّدُ، دُونَ الاِلْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي، وَالأَْصْل فِي الْعَادَاتِ الاِلْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي.
١٧ - فَأَمَّا أَنَّ الأَْصْل فِي الْعِبَادَاتِ التَّعَبُّدُ، فَيَدُل لَهُ أُمُورٌ مِنْهَا:
الاِسْتِقْرَاءُ. فَالصَّلَوَاتُ خُصَّتْ بِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى هَيْئَاتٍ مَخْصُوصَةٍ إِنْ خَرَجَتْ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ عِبَادَاتٍ، وَوَجَدْنَا الذِّكْرَ فِي هَيْئَةٍ مَا مَطْلُوبًا، وَفِي هَيْئَةٍ أُخْرَى غَيْرَ مَطْلُوبٍ، وَأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَإِنْ أَمْكَنَتِ النَّظَافَةُ بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ التَّيَمُّمَ - وَلَيْسَتْ فِيهِ نَظَافَةٌ حِسِّيَّةٌ - يَقُومُ مَقَامَ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ. وَهَكَذَا سَائِرُ الْعِبَادَاتِ كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنَّمَا فَهِمْنَا مِنْ حِكْمَةِ التَّعَبُّدِ الْعَامَّةِ الاِنْقِيَادُ لأَِوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْمِقْدَارُ لاَ يُعْطِي عِلَّةً خَاصَّةً يُفْهَمُ مِنْهَا حُكْمٌ خَاصٌّ، فَعَلِمْنَا أَنَّ
_________
(١) شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين التفتازاني ٢ / ٣٧٦ المطبعة الخيرية، وشفاء الغليل للغزالي ص ٢٠٠.
الْمَقْصُودَ الشَّرْعِيَّ الأَْوَّل التَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِذَلِكَ الْمَحْدُودِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ شَرْعًا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ التَّوْسِعَةَ فِي التَّعَبُّدِ بِمَا حُدَّ وَمَا لَمْ يُحَدَّ، لَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ دَلِيلًا وَاضِحًا، وَلَمَّا لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ - بَل عَلَى خِلاَفِهِ - دَل عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَحْدُودِ، إِلاَّ أَنْ يَتَبَيَّنَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ مَعْنًى مُرَادٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، فَلاَ لَوْمَ عَلَى مَنِ اتَّبَعَهُ. لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ، فَلَيْسَ بِأَصْلٍ، وَإِنَّمَا الأَْصْل مَا عَمَّ فِي الْبَابِ وَغَلَبَ عَلَى الْمَوْضِعِ.
١٨ - ثُمَّ قَال الشَّاطِبِيُّ: وَأَمَّا إِنَّ الأَْصْل فِي الْعَادَاتِ الاِلْتِفَاتُ إِلَى الْمَعَانِي فَلأُِمُورٍ:
الأَْوَّل: الاِسْتِقْرَاءُ، فَنَرَى الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يُمْنَعُ فِي حَالٍ لاَ تَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ جَازَ كَالدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ إِلَى أَجَلٍ: تَمْتَنِعُ فِي الْمُبَايَعَةِ، وَيَجُوزُ فِي الْقَرْضِ. وَكَبَيْعِ الرُّطَبِ مِنْ جِنْسٍ بِيَابِسِهِ. يَمْتَنِعُ حَيْثُ يَكُونُ مُجَرَّدَ غَرَرٍ وَرِبًا مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَيَجُوزُ إِذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ (كَمَا فِي تَمْرِ الْعَرَايَا أُبِيحَ بَيْعُهُ بِالتَّمْرِ تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ)، وَلِتَعْلِيل النُّصُوصِ أَحْكَامُ الْعَادَاتِ بِالْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (١) وَفِي آيَةِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ
_________
(١) سورة البقرة / ١٧٩.
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَل أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) وَفِي حَدِيثٍ: لاَ يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ (٢) وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ أَكْثَرَ مَا عَلَّل اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَادَاتِ بِالْمُنَاسِبِ الَّذِي إِذَا عُرِضَ عَلَى الْعُقُول تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُول، فَفَهِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ فِيهَا اتِّبَاعُ الْمَعَانِي، لاَ الْوُقُوفُ مَعَ النُّصُوصِ. بِخِلاَفِ الْعِبَادَاتِ، فَإِنَّ الْمَعْلُومَ فِيهَا خِلاَفُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا تَوَسَّعَ مَالِكٌ حَتَّى قَال بِقَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَالاِسْتِحْسَانِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الاِلْتِفَاتَ إِلَى الْمَعَانِي فِي أُمُورِ الْعَادَاتِ كَانَ مَعْلُومًا فِي الْفَتَرَاتِ، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ الْعُقَلاَءُ، حَتَّى جَرَتْ بِذَلِكَ مَصَالِحُهُمْ، سَوَاءٌ أَهْل الْحِكْمَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. إِلاَّ أَنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي جُمْلَةٍ مِنَ التَّفَاصِيل، فَجَاءَتِ الشَّرِيعَةُ لِتُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَْخْلاَقِ. وَمِنْ هُنَا أَقَرَّتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً مِنَ الأَْحْكَامِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَالدِّيَةِ، وَالْقَسَامَةِ، وَالْقِرَاضِ، وَكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ مِنْ مَحَاسِنِ الْعَوَائِدِ وَمَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ الَّتِي تَقْبَلُهَا الْعُقُول (٣) .
_________
(١) سورة المائدة / ٩١.
(٢) حديث: " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٣٦ ط السلفية) بلفظ: (لا يقضين) ولفظ الباب لابن ماجه (٢ / ٧٧٦ ط عيسى الحلبي) .
(٣) الموافقات ٢ / ٣٠٠ - ٣٠٦.
الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ التَّعَبُّدِيِّ وَمَعْقُول الْمَعْنَى:
١٩ - نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ صَاحِبِ الْفَتَاوَى التُّمُرْتَاشِيَّةَ أَنَّهُ قَال: لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِعُلَمَائِنَا فِي هَذَا، سِوَى قَوْلِهِمْ: الأَْصْل فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيل، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَفْضَلِيَّةِ الْمَعْقُول مَعْنَاهُ. قَال: وَوَقَفْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ، قَال: قَضِيَّةُ كَلاَمِ ابْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ أَفْضَل؛ لأَِنَّهُ بِمَحْضِ الاِنْقِيَادِ، بِخِلاَفِ مَا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ، فَإِنَّ مُلاَبِسَهُ قَدْ يُفْعَل لِتَحْصِيل فَائِدَتِهِ، وَخَالَفَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَقَال: لاَ شَكَّ أَنَّ مَعْقُول الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَفْضَل؛ لأَِنَّ أَكْثَرَ الشَّرِيعَةِ كَذَلِكَ (١) .
وَظَاهِرُ كَلاَمِ الشَّاطِبِيِّ الأَْخْذُ بِقَوْل مَنْ يَقُول: إِنَّ التَّعَبُّدِيَّ أَفْضَل، وَذَلِكَ حَيْثُ قَال: إِنَّ التَّكَالِيفَ إِذَا عُلِمَ قَصْدُ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا فَلِلْمُكَلَّفِ فِي الدُّخُول تَحْتَهَا ثَلاَثَةُ أَحْوَالٍ:
الأَْوَّل: أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ فِي شَرْعِهَا. وَهَذَا لاَ إِشْكَال فِيهِ، وَلَكِنْ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يُخَلِّيَهُ مِنْ قَصْدِ التَّعَبُّدِ، فَكَمْ مِمَّنْ فَهِمَ الْمَصْلَحَةَ فَلَمْ يَلْوِ عَلَى غَيْرِهَا، فَغَابَ عَنْ أَمْرِ الآْمِرِ بِهَا. وَهِيَ غَفْلَةٌ تُفَوِّتُ خَيْرَاتٍ كَثِيرَةً، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يُهْمَل التَّعَبُّدَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَصَالِحَ لاَ يَقُومُ دَلِيلٌ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيمَا عُلِمَ إِلاَّ نَادِرًا، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَصْرُ كَانَ قَصْدُ تِلْكَ الْحِكْمَةِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٠١.
الْمُعَيَّنَةِ رُبَّمَا أَسْقَطَ مَا هُوَ مَقْصُودٌ أَيْضًا مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ.
الثَّانِي: أَنْ يُقْصَدَ بِهَا مَا عَسَى أَنْ يَقْصِدَهُ الشَّارِعُ، مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَكْمَل مِنَ الْقَصْدِ الأَْوَّل، إِلاَّ أَنَّهُ رُبَّمَا فَاتَهُ النَّظَرُ إِلَى التَّعَبُّدِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُقْصَدَ مُجَرَّدُ امْتِثَال الأَْمْرِ، فُهِمَ قَصْدُ الْمَصْلَحَةِ أَوْ لَمْ يُفْهَمْ.
قَال: فَهَذَا أَكْمَل وَأَسْلَمُ.
أَمَّا كَوْنُهُ أَكْمَل فَلأَِنَّهُ نَصَبَ نَفْسَهُ عَبْدًا مُؤْتَمَرًا وَمَمْلُوكًا مُلَبِّيًا، إِذْ لَمْ يَعْتَبِرْ إِلاَّ مُجَرَّدَ الأَْمْرِ. وَقَدْ وُكِّل الْعِلْمُ بِالْمَصْلَحَةِ إِلَى الْعَالِمِ بِهَا جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا كَوْنُهُ أَسْلَمَ؛ فَلأَِنَّ الْعَامِل بِالاِمْتِثَال عَامِلٌ بِمُقْتَضَى الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنْ عَرَضَ لَهُ قَصْدٌ غَيْرَ اللَّهِ رَدَّهُ قَصْدُ التَّعَبُّدِ (١) .
فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ يَتَجَلَّى فِي التَّعَبُّدِيَّاتِ أَكْثَرَ مِمَّا يَظْهَرُ فِيمَا كَانَ مَعْقُول الْمَعْنَى مِنَ الأَْحْكَامِ.
وَمَذْهَبُ الْغَزَالِيِّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ أَفْضَل، كَمَا هُوَ وَاضِحٌ فِيمَا تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ مَا لاَ يُهْتَدَى لِمَعَانِيهِ أَبْلَغُ أَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ (٢) .
وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الأَْفْضَلِيَّةِ هُمَا عَلَى سَبِيل الإِْجْمَال، أَمَّا بِالنَّظَرِ
_________
(١) الموافقات ٢ / ٣٧٣، ٤٧٤.
(٢) إحياء علوم الدين بحاشية شرح الزبيدي ٤ / ٤٤٤.
إِلَى الْجُزَيْئَاتِ، فَقَدْ يَكُونُ التَّعَبُّدِيُّ أَفْضَل كَالْوُضُوءِ وَغُسْل الْجَنَابَةِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ أَفْضَل. وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْقُول أَفْضَل كَالطَّوَافِ وَالرَّمْيِ، فَإِنَّ الطَّوَافَ أَفْضَل (١) .
خَصَائِصُ التَّعَبُّدِيَّاتِ:
٢٠ - مِنْ أَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّاتِ:
أ - أَنَّهُ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْعِلَّةِ، وَالْفَرْضُ: أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ لَمْ تُعْرَفْ عِلَّتُهُ، فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَتَعَدَّى حُكْمُهُ مَوْضِعَهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ وَلاَ يُعْقَل مَعْنَى الاِسْتِثْنَاءِ، كَتَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِنِكَاحِ تِسْعِ نِسْوَةٍ، وَتَخْصِيصِ أَبِي بُرْدَةَ بِالتَّضْحِيَةِ بِعَنَاقٍ، أَمْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَل كَانَ حُكْمًا مُبْتَدَأً، كَتَقْدِيرِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَوُجُوبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ وَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعُ التَّحَكُّمَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لاَ يَنْقَدِحُ فِيهَا مَعْنًى، فَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا. (٢)
٢١ - وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الأَْصْل وَقَعَ الْخِلاَفُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي فُرُوعٍ فِقْهِيَّةٍ، مِنْهَا: رَجْمُ اللُّوطِيِّ، رَفَضَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَأَثْبَتَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ
_________
(١) رد المحتار ١ / ٣٠٠.
(٢) شرح جمع الجوامع وحاشية البناني ٢ / ٢١٨، والمستصفى ٢ / ٣٢٦ - ٣٢٨، ٣٤٧، وشرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٥٠، والمعتمد لأبي الحسين ١ / ٧٩٥، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٢٢، ٢٢٣.
وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ؛ لأَِنَّ الْحُدُودَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ لاَ تُعْرَفُ، كَعَدَدِ الْمِائَةِ فِي حَدِّ الزِّنَى، وَالثَّمَانِينَ فِي الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْعَقْل لاَ يُدْرِكُ الْحِكْمَةَ فِي اعْتِبَارِ خُصُوصِ هَذَا الْعَدَدِ، قَالُوا: وَمَا كَانَ يُعْقَل مِنْهَا - أَيْ مِنْ أَحْكَامِ الْحُدُودِ - فَإِنَّ الشُّبْهَةَ فِي الْقِيَاسِ لاِحْتِمَالِهِ الْخَطَأَ تُوجِبُ عَدَمَ إِثْبَاتِهِ بِالْقِيَاسِ، وَهَذَا كَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ لِكَوْنِهَا جَنَتْ بِالسَّرِقَةِ فَقُطِعَتْ. وَهَكَذَا اخْتِلاَفُ تَقْدِيرَاتِ الْكَفَّارَاتِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْقَل كَمَا لاَ تُعْقَل أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ.
وَأَجَازَ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ الْقِيَاسَ فِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، لَكِنْ فِيمَا يُعْقَل مَعْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِهَا لاَ فِيمَا لاَ يُعْقَل مِنْهَا، كَمَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. (١)
ب - قَال الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ التَّعَبُّدِيَّاتِ مَا كَانَ مِنْهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ كَالطَّهَارَةِ، وَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ. وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ النِّيَّةَ فِي بَعْضِهَا فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ الْبَعْضِ مَعْقُول الْمَعْنَى، فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الْعَادَاتِ. أَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ، فَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ لَهُمَا تَبْيِيتَ النِّيَّةِ وَلاَ التَّعْيِينَ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَوْ نَوَى غَيْرَهُمَا فِي وَقْتِهِمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِمَا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَفَّ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ قَدِ
_________
(١) الموافقات ٢ / ٣٢٩.
اسْتَحَقَّهُ الْوَقْتُ، فَلاَ يَنْصَرِفُ لِغَيْرِهِ، وَلاَ يَصْرِفُهُ عَنْهُ قَصْدٌ سِوَاهُ.
وَمِنْ هَذَا مَا قَال الْحَنَابِلَةُ فِي غَسْل الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْل يَدَهُ قَبْل إِدْخَالِهَا الإِْنَاءَ: إِنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ، فَتُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ الْخَاصَّةُ، وَلاَ يُجْزِئُ عَنْ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل؛ لأَِنَّهُمَا عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ. (١)
_________
(١) كشاف القناع ١ / ٩١. الرياض، المكتبة الحديثة.
تَعْبِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعْبِيرُ لُغَةً: التَّبْيِينُ. يُقَال: عَبَّرَ عَمَّا فِي نَفْسِهِ: أَيْ أَعْرَبَ وَبَيَّنَ وَيُقَال لِمَنْ أَعْرَبَ عَنْ عَيِيٍّ: عَبَّرَ عَنْهُ. وَاللِّسَانُ يُعَبِّرُ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ: أَيْ يُبَيِّنُ. وَالاِسْمُ: الْعِبْرَةُ وَالْعِبَارَةُ وَالْعِبَارَةُ. وَخَصَّهُ أَبُو الْبَقَاءِ الْكَفَوِيُّ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَهُوَ: الْعُبُورُ مِنْ ظَوَاهِرِهَا إِلَى بَوَاطِنِهَا وَاسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. (١)
طُرُقُ التَّعْبِيرِ:
٢ - هُنَاكَ أَكْثَرُ مِنْ طَرِيقٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الإِْرَادَةِ، فَقَدْ يَكُونُ بِالْقَوْل، وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل، وَقَدْ يَكُونُ بِالسُّكُوتِ أَوِ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ. وَالْفِعْل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالْمُعَاطَاةِ، أَوْ بِالْكِتَابَةِ، أَوْ بِالإِْشَارَةِ.
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة " عبر "، والكليات كلمة " تعبير " ٢ / ١٠٣.