الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

وَلاَ دَرْءِ مَفْسَدَةٍ غَيْرَ مَفْسَدَةِ الْعِصْيَانِ.

٧ - فَالتَّعَبُّدِيُّ عَلَى الْقَوْل الأَْوَّل: اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِ حِكْمَتِهِ، وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يَجْعَل سَبِيلًا لِلاِطِّلاَعِ عَلَيْهِ مَعَ ثُبُوتِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، أَخْفَى ذَلِكَ عَنْهُمُ ابْتِلاَءً وَاخْتِبَارًا. هَل يَمْتَثِلُونَ وَيُطِيعُونَ دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا وَجْهَ الْمَصْلَحَةِ، أَمْ يَعْصُونَ اتِّبَاعًا لِمَصْلَحَةِ أَنْفُسِهِمْ؟ .

وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي: ابْتَلاَهُمْ بِمَا لاَ مَصْلَحَةَ لَهُمْ فِيهِ أَصْلًا غَيْرَ مُجَرَّدِ الثَّوَابِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْعِبَادَةُ:

٨ - أَصْل الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ. وَالْعِبَادَاتُ، أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ. وَكَثِيرٌ مِنْهَا مَعْقُول الْمَعْنَى، بَيَّنَتِ الشَّرِيعَةُ حِكْمَتَهُ، أَوِ اسْتَنْبَطَهَا الْفُقَهَاءُ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي شَأْنِ الصَّلاَةِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١) وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ الْحَجِّ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (٢) وَقَوْل الْفُقَهَاءِ فِي حِكْمَةِ التَّرْخِيصِ فِي الإِْفْطَارِ فِي السَّفَرِ أَثْنَاءَ رَمَضَانَ: إِنَّهَا دَفْعُ الْمَشَقَّةِ. فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ تَعَبُّدِيًّا.

وَبَعْضُ أَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ غَيْرُ مَعْقُول

_________

(١) سورة العنكبوت / ٤٥.

(٢) سورة الحج / ٢٨.

الْمَعْنَى، فَيَكُونُ تَعَبُّدِيًّا، كَكَوْنِ رَمْيِ الْجِمَارِ سَبْعًا سَبْعًا.

وَتَكُونُ التَّعَبُّدِيَّاتُ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ: اسْتِبْرَاءُ الأَْمَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا فِي مَجْلِسِ الْبَيْعِ، وَعَادَتْ إِلَيْهِ بِفَسْخٍ أَوْ إِقَالَةٍ قَبْل غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي بِهَا (١) .

ب - حَقُّ اللَّهِ:

٩ - قَدْ يُقَال فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَْحْكَامِ: إِنَّهُ لِحَقِّ اللَّهِ، كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَكَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الزِّنَى. وَيُقَال فِي كَثِيرٍ مِنْهَا: إِنَّهُ لِحَقِّ الإِْنْسَانِ، كَحَقِّ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ وَالدَّيْنِ وَالضَّمَانَاتِ. وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ كُل مَا كَانَ مِنْهَا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ، إِلاَّ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ (حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) أَنَّهُ لاَ خِيَرَةَ فِيهِ لِلْعِبَادِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ إِسْقَاطُهُ، بَل لاَ بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْ تَنْفِيذِهِ إِذَا وُجِدَ سَبَبُهُ، وَتَمَّتْ شُرُوطُ وُجُوبِهِ أَوْ تَحْرِيمِهِ (٢) . وَلَيْسَ كُل مَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تَعَبُّدِيًّا، بَل يَكُونُ تَعَبُّدِيًّا إِذَا خَفِيَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيهِ. وَيَكُونُ غَيْرَ تَعَبُّدِيٍّ، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَتْ حِكْمَتُهُ.

قَال الشَّاطِبِيُّ: الْحِكَمُ الْمُسْتَخْرَجَةُ لِمَا

_________

(١) المغني شرح مختصر الخرقي ٧ / ٥١٢، ٥١٣. ط. ثالثة. القاهرة، دار المنار، ١٣٦٧ هـ، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٢٨٠. مصطفى الحلبي، ١٣٥٦ هـ، ٢ / ٢٨٠.

(٢) الموافقات ٢ / ٣١٨.

لاَ يُعْقَل مَعْنَاهُ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ فِي التَّعَبُّدَاتِ، كَاخْتِصَاصِ الْوُضُوءِ بِالأَْعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ، وَالصَّلاَةِ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَكَوْنِهَا عَلَى بَعْضِ الْهَيْئَاتِ دُونَ بَعْضٍ، وَاخْتِصَاصِ الصِّيَامِ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْل، وَتَعْيِينِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فِي تِلْكَ الأَْحْيَانِ الْمُعَيَّنَةِ دُونَ سِوَاهَا مِنْ أَحْيَانِ النَّهَارِ وَاللَّيْل، وَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِتِلْكَ الأَْعْمَال الْمَعْرُوفَةِ، فِي الأَْمَاكِنِ الْمَعْلُومَةِ، وَإِلَى مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ، إِلَى أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ تَهْتَدِي الْعُقُول إِلَيْهِ بِوَجْهٍ، وَلاَ تَحُومُ حَوْلَهُ، يَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ فَيَطْرُقُ إِلَيْهِ بِزَعْمِهِ حِكَمًا، يَزْعُمُ أَنَّهَا مَقْصُودُ الشَّارِعِ مِنْ تِلْكَ الأَْوْضَاعِ، وَجَمِيعُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى ظَنٍّ وَتَخْمِينٍ غَيْرِ مُطَّرِدٍ فِي بَابِهِ، وَلاَ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ عَمَلٌ، بَل كَالتَّعْلِيل بَعْدَ السَّمَاعِ لِلأُْمُورِ الشَّوَاذِّ، لِجِنَايَتِهِ عَلَى الشَّرِيعَةِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَنَا بِهِ عِلْمٌ، وَلاَ دَلِيل لَنَا عَلَيْهِ (١) .

ج - الْمُعَلَّل بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ:

١٠ - وَلَمَّا كَانَ حُكْمُ التَّعَبُّدِيَّاتِ أَنَّهُ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا، فَقَدْ يُشْتَبَهُ بِهَا الْمُعَلَّل بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ التَّعَبُّدِيَّ لَيْسَ لَهُ عِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ، فَيَمْتَنِعُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ لأَِنَّ الْقِيَاسَ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْعِلَّةِ، أَمَّا الْمُعَلَّل بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَعِلَّتُهُ مَعْلُومَةٌ لَكِنَّهَا لاَ تَتَعَدَّى مَحَلَّهَا، إِذْ

_________

(١) الموافقات ١ / ٨٠.

لَمْ يُعْلَمْ وُجُودُهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الأَْصْل. مِثَالُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَل شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ (١) . وَهَذَا حُكْمٌ خَاصٌّ بِهِ، وَعِلَّتُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ أَوَّل مَنْ تَنَبَّهَ وَبَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بِعَيْنِهَا وَالشَّهَادَةِ لَهُ، بِمُوجِبِ التَّصْدِيقِ الْعَامِّ لَهُ ﷺ. وَالأَْوَّلِيَّةُ مَعْنًى لاَ يَتَكَرَّرُ، فَاخْتَصَّ بِهِ (٢)، فَلَيْسَ ذَلِكَ تَعَبُّدِيًّا، لِكَوْنِ عِلَّتِهِ مَعْلُومَةً.

د - الْمَعْدُول بِهِ عَنْ سُنَنِ الْقِيَاسِ:

١١ - مَا خَالَفَ الْقِيَاسَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَعْقُول الْمَعْنَى كَتَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ بِنِكَاحِ تِسْعِ نِسْوَةٍ وَإِجْزَاءِ الْعَنَاقِ فِي التَّضْحِيَةِ فِي حَقِّ أَبِي بُرْدَةَ هَانِئِ بْنِ دِينَارٍ (٣)، وَكَتَقْدِيرِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ.

وَقَدْ يَكُونُ مَعْقُول الْمَعْنَى كَاسْتِثْنَاءِ بَيْعِ الْعَرَايَا مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ خَرْصًا (٤) .

_________

(١) حديث: " أن النبي صلى عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بن ثابت. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ٢١ ط السلفية) .

(٢) المعتمد لأبي الحسين البصري ٢ / ٨٠٢. دمشق، المعهد الفرنسي، ١٣٨٤ هـ وإعلام الموقعين لابن القيم ٢ / ١٣٦. بيروت، دار الجيل، وشرح مسلم الثبوت ٢ / ٢٥١، والمستصفى ٢ / ٣٤٥.

(٣) حديث: " إجزاء العناق في التضحية في حق أبي بردة. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ١٣ ط. السلفية) بنحوه ومثله معلق، ووصله مسلم (٣ / ١٥٥٣ ط. دار عيسى الحلبي) . والنسائي (٧ / ٢٢٢ ط. دار الكتاب) .

(٤) المستصفى للغزالي ٢ / ٣٢٧ - ٣٢٩.

هـ - الْمَنْصُوصُ عَلَى عِلَّتِهِ:

١٢ - أَوْرَدَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ بَعْضَ مَا عُرِفَتْ عِلَّتُهُ قَدْ يَكُونُ تَعَبُّدِيًّا. فَقَال: إِنَّ الْمَصَالِحَ فِي التَّكْلِيفِ ظَهَرَ لَنَا مِنَ الشَّارِعِ أَنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا يُمْكِنُ الْوُصُول إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِمَسَالِكِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَالإِْجْمَاعِ وَالنَّصِّ وَالسَّبْرِ وَالإِْشَارَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ، وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الظَّاهِرُ الَّذِي نُعَلِّل بِهِ، وَتَقُول: إِنَّ الأَْحْكَامَ شُرِعَتْ لأَِجْلِهِ.

وَالثَّانِي: مَا لاَ يُمْكِنُ الْوُصُول إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْمَسَالِكِ الْمَعْهُودَةِ، وَلاَ يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إِلاَّ بِالْوَحْيِ كَالأَْحْكَامِ الَّتِي أَخْبَرَ الشَّارِعُ فِيهَا أَنَّهَا أَسْبَابٌ لِلْخِصْبِ وَالسَّعَةِ وَقِيَامِ أُبَّهَةِ الإِْسْلاَمِ - كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سِيَاقِ قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِل السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (١) . فَلاَ يُعْلَمُ وَجْهُ كَوْنِ الاِسْتِغْفَارِ سَبَبًا لِلْمَطَرِ وَلِلْخِصْبِ إِلاَّ بِالْوَحْيِ. وَلِذَلِكَ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، فَلاَ يُعْلَمُ كَوْنُ الاِسْتِغْفَارِ سَبَبًا فِي حُصُول الْعِلْمِ وَقُوَّةِ الأَْبْدَانِ مَثَلًا، فَلاَ يَكُونُ إِلَى اعْتِبَارِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فِي الْقِيَاسِ سَبِيلٌ، فَبَقِيَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى التَّعَبُّدِ الْمَحْضِ. وَلِذَا يَكُونُ أَخْذُ الْحُكْمِ الْمُعَلَّل بِهَا مُتَعَبَّدًا بِهِ، وَمَعْنَى التَّعَبُّدِ هُنَا: الْوُقُوفُ عِنْدَ مَا حَدَّ الشَّارِعُ فِيهِ (٢) .

_________

(١) سورة نوح / ١١.

(٢) الموافقات ٢ / ٣١٤.

حِكْمَةُ تَشْرِيعِ التَّعَبُّدِيَّاتِ:

١٣ - حِكْمَةُ تَشْرِيعِ التَّعَبُّدِيَّاتِ اسْتِدْعَاءُ الاِمْتِثَال، وَاخْتِبَارُ مَدَى الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي الإِْحْيَاءِ بِقَوْلِهِ - فِي بَيَانِ أَسْرَارِ رَمْيِ الْجِمَارِ - وَظَّفَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ أَعْمَالًا لاَ تَأْنَسُ بِهَا النُّفُوسُ، وَلاَ تَهْتَدِي إِلَى مَعَانِيهَا الْعُقُول، كَرَمْيِ الْجِمَارِ بِالأَْحْجَارِ، وَالتَّرَدُّدِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى سَبِيل التَّكْرَارِ. وَبِمِثْل هَذِهِ الأَْعْمَال يَظْهَرُ كَمَال الرِّقِّ وَالْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ إِرْفَاقٌ، وَوَجْهُهُ مَفْهُومٌ، وَلِلْعَقْل إِلَيْهِ مَيْلٌ، وَالصَّوْمُ كَسْرٌ لِلشَّهْوَةِ الَّتِي هِيَ آلَةُ عَدُوِّ اللَّهِ، وَتَفَرُّغٌ لِلْعِبَادَةِ، بِالْكَفِّ عَنِ الشَّوَاغِل. وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فِي الصَّلاَةِ تَوَاضُعٌ لِلَّهِ ﷿ بِأَفْعَالٍ هِيَ هَيْئَةُ التَّوَاضُعِ، وَلِلنُّفُوسِ السَّعْيُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ ﷿. فَأَمَّا تَرَدُّدَاتُ السَّعْيِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَأَمْثَال هَذِهِ الأَْعْمَال، فَلاَ حَظَّ لِلنُّفُوسِ فِيهَا وَلاَ أُنْسَ لِلطَّبْعِ بِهَا، وَلاَ اهْتِدَاءَ لِلْعُقُول إِلَى مَعَانِيهَا، فَلاَ يَكُونُ فِي الإِْقْدَامِ عَلَيْهَا بَاعِثٌ إِلاَّ الأَْمْرُ الْمُجَرَّدُ، وَقَصْدُ الاِمْتِثَال لِلأَْمْرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبُ الاِتِّبَاعِ فَقَطْ، وَفِيهِ عَزْلٌ لِلْعَقْل عَنْ تَصَرُّفِهِ وَصَرْفُ النَّفْسِ وَالطَّبْعِ عَنْ مَحَل أُنْسِهِ. فَإِنَّ كُل مَا أَدْرَكَ الْعَقْل مَعْنَاهُ مَال الطَّبْعُ إِلَيْهِ مَيْلًا مَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَيْل مُعَيِّنًا لِلأَْمْرِ وَبَاعِثًا مَعَهُ عَلَى الْفِعْل، فَلاَ يَكَادُ يَظْهَرُ بِهِ كَمَال الرِّقِّ وَالاِنْقِيَادِ. وَلِذَلِكَ قَال النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَجِّ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ: لَبَّيْكَ

بِحَجَّةٍ حَقًّا، تَعَبُّدًا وَرِقًّا (١) وَلَمْ يَقُل ذَلِكَ فِي صَلاَةٍ وَلاَ غَيْرِهَا.

وَإِذَا اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى رَبْطَ نَجَاةِ الْخَلْقِ بِأَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ عَلَى خِلاَفِ هَوَى طِبَاعِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ زِمَامُهَا بِيَدِ الشَّرْعِ، فَيَتَرَدَّدُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ عَلَى سُنَنِ الاِنْقِيَادِ وَعَلَى مُقْتَضَى الاِسْتِعْبَادِ، كَانَ مَا لاَ يُهْتَدَى إِلَى مَعَانِيهِ أَبْلَغَ أَنْوَاعِ التَّعَبُّدَاتِ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَصَرْفِهَا عَنْ مُقْتَضَى الطِّبَاعِ وَالأَْخْلاَقِ إِلَى مُقْتَضَى الاِسْتِرْقَاقِ (٢) .

طُرُقُ مَعْرِفَةِ التَّعَبُّدِيِّ:

١٤ - لَمْ يُعْرَفْ فِي تَمْيِيزِ التَّعَبُّدِيَّاتِ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الأَْحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ وَجْهٌ مُعَيَّنٌ، غَيْرُ الْعَجْزِ عَنِ التَّعْلِيل بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الْمُعْتَبَرَةِ، عَلَى مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَبَاحِثِ الْقِيَاسِ مِنْ عِلْمِ الأُْصُول. وَلِذَلِكَ يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ إِنْ ظَهَرَتْ لَنَا حِكْمَتُهُ، قُلْنَا: إِنَّهُ مَعْقُول الْمَعْنَى، وَإِلاَّ قُلْنَا: إِنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ (٣) . وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلاَمُ

_________

(١) حديث: " لبيك حجا حقا، تعبدا ورقا " أخرجه البزار (كشف الأستار ٢ / ١٣ ط. مؤسسة الرسالة) . وذكره مرفوعا وموقوفا، وقال ابن حجر: وذكر الدارقطني في العلل الاختلاف فيه، وساقه بسنده مرفوعا ورجح وقفه. (التلخيص الحبير ٢ / ٢٤٠ ط المكتبة الأثرية) .

(٢) إحياء علوم الدين المطبعة التجارية ١ / ٢٧٤.

(٣) رد المحتار ١ / ٣٠١.

الْغَزَالِيِّ الْمُتَقَدِّمُ آنِفًا، مِنْ أَنَّ الْمَصِيرَ إِلَى التَّعَبُّدِ نَوْعُ ضَرُورَةٍ يُرْجَعُ إِلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ (١) .

وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَتْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ بَعْضِ الأَْحْكَامِ تَعَبُّدِيًّا أَوْ مَعْقُول الْمَعْنَى، فَمَا يَرَاهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَعَبُّدِيًّا قَدْ يَرَاهُ الْبَعْضُ الآْخَرُ مُعَلَّلًا بِمَصَالِحَ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ رِعَايَتُهَا. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ قَال: إِنَّ تَكْرَارَ السُّجُودِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ، أَيْ لَمْ يُعْقَل مَعْنَاهُ، تَحْقِيقًا لِلاِبْتِلاَءِ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَقِيل: إِنَّهُ ثُنِّيَ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ، حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَرَّةً فَلَمْ يَسْجُدْ، فَنَحْنُ نَسْجُدُ مَرَّتَيْنِ (٢) .

وَكَوْنُ طَلاَقِ الْحَائِضِ بِدْعِيًّا، قِيل: هُوَ تَعَبُّدِيٌّ. قَال الدَّرْدِيرُ: وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ مُعَلَّلٌ بِتَطْوِيل الْعِدَّةِ؛ لأَِنَّ أَوَّلَهَا مِنَ الطُّهْرِ بَعْدَ الْحَيْضِ (٣) .

وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ يُمَثِّل بِهَا الْفُقَهَاءُ لِغَيْرِ الْمَعْقُول الْمَعْنَى، كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْغَزَالِيِّ. غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُعَلِّلُونَهُ وَأَمْثَالَهُ مِمَّا وُضِعَ مِنَ الْمَنَاسِكِ عَلَى هَيْئَةِ أَعْمَال بَعْضِ الصَّالِحِينَ، كَالسَّعْيِ الَّذِي جُعِل عَلَى هَيْئَةِ سَعْيِ أُمِّ إِسْمَاعِيل ﵇ بَيْنَهُمَا. يَقُول تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ

_________

(١) شفاء الغليل ص ٢٠٠.

(٢) الدر وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٠.

(٣) الشرح الصغير على مختصر خليل ٢ / ٥٣٩. القاهرة، ط. دار المعارف.

تَذَكُّرُ الْوَقَائِعِ الْمَاضِيَةِ لِلسَّلَفِ الْكِرَامِ، وَفِي طَيِّ تَذَكُّرِهَا مَصَالِحُ دِينِيَّةٌ، إِذْ يَتَبَيَّنُ فِي أَثْنَاءِ كَثِيرٍ مِنْهَا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنِ امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ، وَبَذْل الأَْنْفُسِ فِي ذَلِكَ. وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ لَنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَْعْمَال الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْحَجِّ، وَيُقَال بِأَنَّهَا (تَعَبُّدٌ) لَيْسَتْ كَمَا قِيل. أَلاَ تَرَى أَنَّا إِذَا فَعَلْنَاهَا وَتَذَكَّرْنَا أَسْبَابَهَا حَصَل لَنَا مِنْ ذَلِكَ تَعْظِيمُ الأَْوَّلِينَ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنِ احْتِمَال الْمَشَاقِّ فِي امْتِثَال أَمْرِ اللَّهِ، فَكَانَ هَذَا التَّذَكُّرُ بَاعِثًا لَنَا عَلَى مِثْل ذَلِكَ، وَمُقَرِّرًا فِي أَنْفُسِنَا تَعْظِيمَ الأَْوَّلِينَ، وَذَلِكَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اقْتِدَاءٌ بِفِعْل هَاجَرَ، وَأَنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ اقْتِدَاءٌ بِفِعْل إِبْرَاهِيمَ ﵇، إِذْ رَمَى إِبْلِيسَ بِالْجِمَارِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١) .

وَابْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلاَمِ الْمُوَقِّعِينَ، سَيْرًا عَلَى خُطَى شَيْخِهِ شَيْخِ الإِْسْلاَمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ رَأَى كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ، وَرَدَّ كُل مَا قِيل فِيهِ: إِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ، كَفَرْضِ الصَّاعِ فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ الْمَرْدُودَةِ عَلَى بَائِعِهَا، وَمَا قِيل مِنْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَاتِ، كَأَمْرِهَا بِالْغُسْل مِنْ بَوْل الْجَارِيَةِ وَبِالنَّضْحِ مِنْ بَوْل الصَّبِيِّ، وَسَوَّتْ بَيْنَ الْمُفْتَرِقَاتِ، كَتَسْوِيَتِهَا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ. فَعَلَّل كُل

_________

(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ٢ / ٧٥.

مَا قِيل فِيهِ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِيهِ، وَأَنَّ عِلَّتَهُ مَعْقُولَةٌ، وَيُوَافِقُ الْقِيَاسَ وَلاَ يُخَالِفُهُ، وَأَطَال فِي ذَلِكَ (١) .

مَا تَكُونُ فِيهِ التَّعَبُّدِيَّاتُ، وَأَمْثِلَةٌ مِنْهَا:

١٥ - يَذْكُرُ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ أَنَّ التَّعَبُّدِيَّاتِ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ فِي أُصُول الْعِبَادَاتِ، كَاشْتِرَاعِ أَصْل الصَّلاَةِ أَوِ الصَّوْمِ أَوِ الاِعْتِكَافِ. وَفِي نَصْبِ أَسْبَابِهَا، كَزَوَال الشَّمْسِ لِصَلاَةِ الظُّهْرِ، وَغُرُوبِهَا لِصَلاَةِ الْمَغْرِبِ. وَفِي الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ. وَفِي التَّقْدِيرَاتِ الْعَدَدِيَّةِ بِوَجْهٍ عَامٍّ، كَتَقْدِيرِ أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَتَقْدِيرِ عَدَدِ الْجَلَدَاتِ فِي الْحُدُودِ، وَتَقْدِيرِ أَعْدَادِ الشُّهُودِ.

وَذَكَرَ الشَّاطِبِيُّ مِنْ أَمْثِلَةِ وُقُوعِهَا فِي الْعَادَاتِ: طَلَبُ الصَّدَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتَخْصِيصُ الذَّبْحِ بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ، وَالْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ فِي الْمَوَارِيثِ، وَعَدَدُ الأَْشْهُرِ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ (٢) .

وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ حَدِيثُ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُل بِفَضْل طَهُورِ الْمَرْأَةِ» (٣) .

_________

(١) إعلام الموقعين: ٢ / ٣ - ٥٠، ٧٤.

(٢) الموافقات للشاطبي ٢ / ٣٠٧، ٣٠٨، وشرح جمع الجوامع ٢ / ٢٠٦.

(٣) حديث: " نهى النبي ﷺ أن يتوضأ بفضل. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٦٦ ط. المكتب الإسلامي) . وأبو داود (١ / ٦٣ ط عبيد الدعاس) . وقال ابن حجر: إسناده صحيح. (سبل السلام ١ / ٤٩ ط دار الكتاب العربي)