الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

وَلاَ يُثَابُ ثَوَابَ الْفَرْضِ، وَهُوَ غُسْل الْجَنَابَةِ مَا لَمْ يَنْوِهِ، لأَِنَّهُ لاَ ثَوَابَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.

وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: تَتَأَدَّى تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الْفَرْضِ فَيَسْقُطُ طَلَبُ التَّحِيَّةِ بِصَلاَتِهِ، فَإِنْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ حَصَلاَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ التَّحِيَّةَ لَمْ يَحْصُل لَهُ ثَوَابُهَا؛ لأَِنَّ الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ.

وَمِثْل ذَلِكَ غُسْل الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ مَعَ نِيَّةِ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.

وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: لَوْ طَافَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ وَالْوَدَاعَ، فَقَال الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي: يُجْزِئُهُ عَنْهُمَا (١) .

(ثَانِيًا) مَا يَشْمَل الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَحْكَامٍ:

أ - قَطْعُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ:

٢١ - إِذَا كَانَ التَّطَوُّعُ عِبَادَةً كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: إِذَا شَرَعَ فِيهِ وَجَبَ إِتْمَامُهُ، وَإِذَا فَسَدَ وَجَبَ قَضَاؤُهُ؛ لأَِنَّ التَّطَوُّعَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ مُضِيًّا وَقَضَاءً. وَلأَِنَّ الْمُؤَدَّى عِبَادَةٌ، وَإِبْطَال الْعِبَادَةِ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢)، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ وَقَدْ أَفْطَرَتَا فِي

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ٤٠، وابن عابدين ١ / ٧٧، والشرح الصغير ١ / ١٤٦، والقواعد لابن رجب ص ٢٤.

(٢) سورة محمد / ٣٣.

صَوْمِ التَّطَوُّعِ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ. (١)

غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ إِلاَّ إِذَا كَانَ الْفَسَادُ مُتَعَمِّدًا، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ فَلاَ قَضَاءَ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يُسْتَحَبُّ الإِْتْمَامُ إِذَا شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ وَلاَ يَجِبُ، كَمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْقَضَاءُ إِذَا فَسَدَ، إِلاَّ فِي تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا إِذَا شَرَعَ فِيهِمَا؛ لأَِنَّ نَفْلَهُمَا كَفَرْضِهِمَا نِيَّةً وَفِدْيَةً وَغَيْرَهُمَا (٢) .

وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الإِْتْمَامِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ. (٣)

وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (نَفْلٌ، صَلاَةٌ، صِيَامٌ، حَجٌّ) .

٢٢ - أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيل عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ الْمَعْرُوفَةِ كَالْهِبَةِ

_________

(١) حديث: " اقضيا يوما مكانه " أخرجه الترمذي (٣ / ١١٢ - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وأعله بالانقطاع.

(٢) البدائع ١ / ٢٩٠، ٢٩١، والاختيار ١ / ٦٦، والشرح الصغير ١ / ٤٠٨، والحطاب ٢ / ٩٠، والكافي لابن عبد البر ١ / ٣٥٠، ومغني المحتاج ١ / ٤٤٨، ٥٢٣، والمهذب ١ / ٩٥، والمغني ٣ / ١٥٣، ٣٦٥، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٤٦١.

(٣) حديث: " الصائم المتطوع أمير نفسه: إن شاء صام وإن شاء أفطر " أخرجه الترمذي (٣ / ١٠٩ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ٤٣٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأعله ابن التركماني بالاضطراب في سنده ومتنه (الجوهر النقي بهامش البيهقي ٤ / ٢٧٨ ط دائرة المعارف العثمانية) .

وَالْعَارِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.

فَإِنْ كَانَ مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، فَلِكُل عَقْدٍ حُكْمُهُ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ أَوْ عَدَمِ جَوَازِهِ. فَفِي الْوَصِيَّةِ مَثَلًا: يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا دَامَ الْمُوصِي حَيًّا. وَفِي الْعَارِيَّةِ وَالْقَرْضِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ بِطَلَبِ رَدِّ الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ وَاسْتِرْدَادِ بَدَل الْقَرْضِ فِي الْحَال بَعْدَ الْقَبْضِ. وَهَذَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، بَل قَال الْجُمْهُورُ: إِنَّ الْمُقْرِضَ إِذَا أَجَّل الْقَرْضَ لاَ يَلْزَمُهُ التَّأْجِيل؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ فِيهِ الأَْجَل لَمْ يَبْقَ تَبَرُّعًا.

وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ، فَإِذَا تَمَّ الْقَبْضُ فَلاَ رُجُوعَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، إِلاَّ فِيمَا وَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ (١) .

وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي أَبْوَابِهِ. وَفِي (تَبَرُّعٌ) .

أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ كَالصَّدَقَةِ وَالإِْنْفَاقِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ، مَا دَامَ ذَلِكَ قَدْ تَمَّ بِنِيَّةِ التَّبَرُّعِ.

_________

(١) البدائع ٥ / ٢٣٤ و٦ / ٢١٦ و٧ / ٣٧٨، ٣٩٦، والهداية ٣ / ٢٢٢ - ٢٣١ و٤ / ٢٣٥، ومنح الجليل ٣ / ٥٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢١٢، ومغني المحتاج ٣ / ٧١، والمهذب ١ / ٣١٠، ٣٧٠، ٤٥٤، ٤٦٨، ومنتهى الإرادات ٢ / ٢٢٧، ٥٢٠، ٥٢٥، والمغني ٤ / ٣٤٩ و٥ / ٢٢٩.

يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: لاَ رُجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الثَّوَابُ لاَ الْعِوَضُ. وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ يَجُوزُ لِلْمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ فِي صَدَقَتِهِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ قَال فِي حَدِيثِهِ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا. وَمِثْل ذَلِكَ الإِْنْفَاقُ إِذَا كَانَ بِقَصْدِ التَّبَرُّعِ فَلاَ رُجُوعَ فِيهِ.

يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا أَنْفَقَ الْوَصِيُّ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلِلصَّبِيِّ مَالٌ غَائِبٌ، فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي الإِْنْفَاقِ اسْتِحْسَانًا، إِلاَّ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّهُ قَرْضٌ، أَوْ أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ. وَيَقُول ابْنُ الْقَيِّمِ: الْمَقَاصِدُ تُغَيِّرُ أَحْكَامَ التَّصَرُّفَاتِ، فَالنِّيَّةُ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَضَى عَنْ غَيْرِهِ دَيْنًا، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةً وَاجِبَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ - يَنْوِي التَّبَرُّعَ وَالْهِبَةَ - لَمْ يَمْلِكِ الرُّجُوعَ بِالْبَدَل، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَلَهُ الرُّجُوعُ. عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا وَخِلاَفًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا: أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ وَلِسَائِرِ الأُْصُول الرُّجُوعَ فِي الصَّدَقَةِ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا عَلَى الْوَلَدِ، أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَلاَ رُجُوعَ فِيهَا. وَلاَ يُجِيزُونَ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ فِي الإِْبْرَاءِ لِوَلَدِهِ عَنْ دَيْنِهِ. بَيْنَمَا يُجِيزُ الْحَنَابِلَةُ رُجُوعَ الأَْبِ فِيمَا أَبْرَأَ ابْنَهُ مِنْهُ مِنَ الدُّيُونِ (١) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٤٢٢، ٥ / ٤٥٨، والمغني ٥ / ٦٨٤، وإعلام الموقعين ٣ / ٩٨، وأسنى المطالب ٢ / ٤٨٣، والاختبارات الفقهية ص ١٨٧.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ، إِبْرَاءٌ، هِبَةٌ، نَفَقَةٌ) .

٢٣ - أَمَّا مَا شَرَعَ فِيهِ مِنَ الصَّدَقَةِ. فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ، فَلاَ يَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ.

يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: انْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الإِْنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الاِعْتِكَافِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ رَجَبٍ ذَكَرَ خِلاَفًا فِي ذَلِكَ.

وَالْحَطَّابُ عَدَّ الأَْشْيَاءَ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَهِيَ سَبْعٌ: الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالاِعْتِكَافُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ وَالاِئْتِمَامُ وَالطَّوَافُ. ثُمَّ ذَكَرَ مَا لاَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِقَطْعِهِ، وَهُوَ: الصَّدَقَةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالأَْذْكَارُ وَالْوَقْفُ وَالسَّفَرُ لِلْجِهَادِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقُرُبَاتِ (١) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (تَبَرُّعٌ، صَدَقَةٌ) .

ب - نِيَّةُ التَّطَوُّعِ:

٢٤ - التَّطَوُّعُ - إِنْ كَانَ عِبَادَةً - فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ النِّيَّةِ بِالإِْجْمَاعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) وَقَوْلُهُ ﷺ:

_________

(١) المغني ٣ / ١٨٥، والقواعد لابن رجب ٨٦، ومواهب الجليل ٢ / ٩٠.

(٢) سورة البينة / ٥.

﴿إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (١) وَهِيَ مَقْصُودَةٌ بِهَا تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ، وَتَمْيِيزُ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ. فَالْغُسْل قَدْ يَكُونُ تَبَرُّدًا وَعِبَادَةً، وَالإِْمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ قَدْ يَكُونُ حَمِيَّةً أَوْ تَدَاوِيًا، وَدَفْعُ الْمَال يَكُونُ صَدَقَةً شَرْعِيَّةً وَصِلَةً مُتَعَارَفَةً. . وَهَكَذَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ بِاتِّفَاقٍ (٢)، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي النِّيَّةِ فِي تَطَوُّعِ الْعِبَادَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّعْيِينِ أَوِ الإِْطْلاَقِ.

٢٥ - وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ، مِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالتَّهَجُّدِ وَالصَّوْمِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ كَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَكَصِيَامِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ.

أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ، فَيَصِحُّ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ أَدَاؤُهُ دُونَ تَعْيِينِهِ بِالنِّيَّةِ، وَتَكْفِي نِيَّةُ مُطْلَقِ الصَّلاَةِ أَوْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ.

أَمَّا التَّطَوُّعُ الْمُعَيَّنُ كَالرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ وَالتَّرَاوِيحِ، وَصَلاَةِ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ، وَصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَعْيِينُهُ بِالنِّيَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ

_________

(١) حديث: " إنما الأعمال بالنيات " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩ - ط السلفية ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. واللفظ للبخاري.

(٢) الأشباه لابن نجيم ص ١٩، ٢٣ والذخيرة للقرافي ص ٢٣٥، ٢٣٦، والمنثور ٣ / ٢٨٧، والمغني ١ / ٤٦٤.

وَبَعْضِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ حَدَّدُوا الْمُعَيَّنَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُ: الْوِتْرُ وَالْعِيدَانِ وَصَلاَةُ الْكُسُوفِ وَالاِسْتِسْقَاءِ وَرَغِيبَةِ الْفَجْرِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الْمُطْلَقِ عِنْدَهُمْ. وَالصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّطَوُّعَ الْمُعَيَّنَ أَوَ الْمُقَيَّدَ يَصِحُّ دُونَ تَعْيِينِهِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُطْلَقُ النِّيَّةِ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ (١) .

٢٦ - أَمَّا غَيْرُ الْعِبَادَاتِ مِنَ التَّطَوُّعَاتِ، فَالأَْصْل أَنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلنِّيَّةِ فِيهَا، إِلاَّ أَنَّ نِيَّةَ الْقُرْبَةِ فِيهَا - امْتِثَالًا لأَِوَامِرِ الشَّرْعِ الَّتِي تَحُثُّ عَلَى الْمَعْرُوفِ - مَطْلُوبَةً لاِسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ، إِذْ إِنَّهَا لاَ تَتَمَحَّضُ قُرْبَةً إِلاَّ بِهَذِهِ النِّيَّةِ. يَقُول الشَّاطِبِيُّ: الْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ.

إِلَى أَنْ قَال: وَأَمَّا الأَْعْمَال الْعَادِيَّةُ - وَإِنْ لَمْ تَفْتَقِرْ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهَا إِلَى نِيَّةٍ - فَلاَ تَكُونُ عِبَادَاتٍ وَلاَ مُعْتَبَرَاتٍ فِي الثَّوَابِ إِلاَّ مَعَ قَصْدِ الاِمْتِثَال، وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لاَ يَتَوَقَّفُ الْوَقْفُ وَلاَ الْهِبَةُ وَلاَ الْوَصِيَّةُ عَلَى النِّيَّةِ، فَالْوَصِيَّةُ إِنْ قُصِدَ التَّقَرُّبُ بِهَا

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ٣٢، ٣٣، والبدائع ١ / ٢٨٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٣١٨، والحطاب ١ / ٥١٥، والأشباه للسيوطي ص ١٥ - ١٧، والمنثور ٣ / ٢٧٦، والمهذب ١ / ٧٧، والمغني ١ / ٤٦٦، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٦٧.

فَلَهُ الثَّوَابُ، وَإِلاَّ فَهِيَ صَحِيحَةٌ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ إِنْ نَوَى الْقُرْبَةَ فَلَهُ الثَّوَابُ وَإِلاَّ فَلاَ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْقُرَبِ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنَ النِّيَّةِ، بِمَعْنَى تَوَقُّفِ حُصُول الثَّوَابِ عَلَى قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: الْهِبَةُ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ الْمَنْدُوبَةِ كَالصَّدَقَةِ، وَهَذَا إِنْ صَحَّ الْقَصْدُ، وَإِنِ اسْتَحْضَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا رَغَّبَ فِيهِ الشَّرْعُ فَإِنَّهُ يُثَابُ. وَفِي الْمَنْثُورِ فِي الْقَوَاعِدِ لِلزَّرْكَشِيِّ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلاَمِ قُرْبَةٌ، لاَ يُسْتَحَقُّ الثَّوَابُ عَلَيْهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (١) .

ج - النِّيَابَةُ فِي التَّطَوُّعِ:

٢٧ - التَّطَوُّعُ إِنْ كَانَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ كَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ، فَلاَ تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ، لأَِنَّهُ لاَ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِي فَرْضِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَلاَ تَجُوزُ فِي نَفْلِهِ. وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْهُمَا كَالْحَجِّ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَهُوَ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْنِ مُعْتَمَدَيْنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّطَوُّعَاتِ بِأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالصَّدَقَةِ وَالْهَدْيِ وَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالإِْبْرَاءِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا.

كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَنْ يَتَطَوَّعَ

_________

(١) الموافقات للثساطبي ٢ / ٣٢٣، ٣٢٩، والأشباه لابن نجيم ص ٢٣، ٢٤، والشرح الصغير ٢ / ٣١٢ ط الحلبي بتصرف، والمنثور في القواعد ٣ / ٦١.

الإِْنْسَانُ بِجَعْل ثَوَابِ عَمَلِهِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ وَطَوَافٍ وَعُمْرَةٍ وَقِرَاءَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ. بِدَلِيل أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، أَحَدُهُمَا عَنْهُ، وَالآْخَرُ عَنْ أُمَّتِهِ. (١) وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ أَبِيهِ: لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ. (٢)

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا عَامٌّ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ؛ وَلأَِنَّهُ عَمَل بِرٍّ وَطَاعَةٍ فَوَصَل نَفْعُهُ وَثَوَابُهُ كَالصَّدَقَةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ. عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَتَصَدَّقُ عَنْ مَوْتَانَا، وَنَحُجُّ عَنْهُمْ، وَنَدْعُو لَهُمْ، فَهَل يَصِل ذَلِكَ لَهُمْ؟ قَال: نَعَمْ، إِنَّهُ لَيَصِل إِلَيْهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَيَفْرَحُونَ بِهِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالطَّبَقِ إِذَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ (٣) وَقَال ﷺ: إِنَّ مِنَ الْبِرِّ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنْ

_________

(١) حديث: " ضحى بكبشين أملحين: أحدهما عنه، والآخر عن أمته " أخرجه البيهقي (٩ / ٢٦٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وأبو يعلى كما في مجمع الزوائد (٤ / ٢٢ - ط القدسي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وقال الهيثمي: إسناده حسن.

(٢) حديث: " لو كان مسلما فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك " أخرجه أبو داود (٣ / ٣٠٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .

(٣) حديث: " إنه ليصل إليهم، وإنهم ليفرحون به كما يفرح أحدكم بالطبق إذا أهدى إليه ". رواه أبو حفص العكبري كما ورد في ابن عابدين ٢ / ٢٣٧.

تُصَلِّيَ لأَِبَوَيْكَ مَعَ صَلاَتِكَ، وَأَنْ تَصُومَ لَهُمَا مَعَ صَوْمِكَ (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ فِيمَا عَدَا الصَّلاَةَ وَالصِّيَامَ (٢) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نِيَابَةٌ - وَكَالَةٌ - نَفْلٌ - صَدَقَةٌ - صَلاَةٌ - وَصَوْمٌ) .

د - الأُْجْرَةُ عَلَى التَّطَوُّعِ:

٢٨ - الأَْصْل أَنَّ كُل طَاعَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا الْمُسْلِمُ لاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهَا، كَالإِْمَامَةِ وَالأَْذَانِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ. لِمَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ قَال: إِنَّ آخِرَ مَا عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ أَنِ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لاَ يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا (٣)

_________

(١) حديث: " إن من البر بعد الموت أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صومك ". رواه الدارقطني كما ورد في ابن عابدين ٢ / ٢٣٧.

(٢) البدائع ٢ / ١٣، ٤١، ١٠٣، وابن عابدين ١ / ٤٩٣، ٦٠٦، ٢ / ١١٨، ٢٣٧ - ٢٤١، والهداية ١ / ١٢٧ و٣ / ١٣٨، ومنح الجليل ١ / ٣٠٦، ٤٤٢، ٤٤٩، ٣ / ٣٥٢، وجواهر الإكليل ٢ / ١٢٥، والفروق للقرافي ٣ / ١٩١، والشرح الصغير ١ / ٢٦٤، ٢ / ١٨٢، ومغني المحتاج ٣ / ٦٧، ونهاية المحتاج ٦ / ٩٢ و٨ / ١٣٦، وقليوبي ٢ / ٣٣٨، والمنثور ٣ / ٣١٢، والمهذب ١ / ٣٥٥، والمغني ٢ / ٥٦٧، ٥٦٨، ٥ / ٨٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٢١، ٣٦٢، ٢ / ٦.

(٣) حديث: " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " أخرجه أبو داود (١ / ٣٦٣ ط. عبيد دعاس) والترمذي (١ / ٤١٠ - مصطفى البابي) . وقال: حديث عثمان حديث حسن صحيح.