الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَتُكْرَهُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيل التَّدَاعِي، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْجَمَاعَةُ فِي الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ سُنَّةٌ وَالْفَجْرُ خِلاَفُ الأَْوْلَى. أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ جَمَاعَةً، إِلاَّ أَنْ تَكْثُرَ الْجَمَاعَةُ أَوْ يَشْتَهِرَ الْمَكَانُ فَتُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ حَذَرَ الرِّيَاءِ (١) .
وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ - نَفْلٌ)
مَكَانُ صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
١٤ - صَلاَةُ التَّطَوُّعِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَل، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَل صَلاَةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ (٢) وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا شُرِعَتْ لَهُ الْجَمَاعَةُ، فَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَل، وَيُسْتَثْنَى كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَلاَةُ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَيُنْدَبُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، كَمَا أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تُصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَنَفَّل فِي غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ (٣) . وَقَال
_________
(١) البدائع ١ / ٢٧٤، ٢٨٠، ٢٩٨، والشرح الصغير ١ / ١٥٢، وجواهر الإكليل ١ / ٧٤، ٧٦، ونهاية المحتاج ١ / ١٠٢، ١٢٠، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٤، والمغني ٢ / ١٤٢، ونيل المآرب ١ / ٢٠٤ ط الفلاح.
(٢) حديث: " صلوا أيها الناس في بيوتكم " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢١٤ - ط السلفية) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٣) الفواكه الدواني ٢ / ٣٦٥، والحطاب ٢ / ٦٧، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢١٢، ٢٦٠، والمغني ١ / ٥٦١، ٢ / ١٢٨، ١٤١، ومنتهى الإرادات ١ / ٢٣١، والمهذب ١ / ٩١، ٩٢، ومغني المحتاج ١ / ١٨٣.
الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يُكْرَهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يُصَلِّيَ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ إِذَا صَلَّى أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (١)، وَلاَ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِ، لأَِنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ الإِْمَامِ لِلاِشْتِبَاهِ، وَهَذَا لاَ يُوجَدُ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَنَحَّى أَيْضًا، حَتَّى تَنْكَسِرَ الصُّفُوفُ، وَيَزُول الاِشْتِبَاهُ عَلَى الدَّاخِل مِنْ كُل وَجْهٍ (٢) وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: قَال أَحْمَدُ: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِْمَامُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. كَذَا قَال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. قَال أَحْمَدُ: وَمَنْ صَلَّى وَرَاءَ الإِْمَامِ فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَتَطَوَّعَ مَكَانَهُ، فَعَل ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ ﵄. وَبِهَذَا قَال إِسْحَاقُ، وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ حَدِيثَ عَلِيٍّ بِإِسْنَادِهِ. وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ
_________
(١) حديث: " أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٥٨ ط عيسى الحلبي)، وأبو داود (١ / ٤٠٩ ط عبيد الدعاس) . وضعف الحديث الحافظ في فتح الباري (٢ / ٣٣٥ ط السلفية) . لكنه حسن إسناده عند ابن أبي شيبة عن علي بلفظ " من السنة أن لا يتطوع الإمام حتى يتحول من مكانه " فهو إن شاء الله بشواهده حسن الإسناد.
(٢) البدائع ١ / ٢٨٥، ٢٩٨.
قَال: لاَ يَتَطَوَّعُ الإِْمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ. (١)
صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ:
١٥ - يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ فِي السَّفَرِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيل. قَال التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لِكُل مَنْ سَافَرَ سَفَرًا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلاَةَ أَنْ يَتَطَوَّعَ عَلَى دَابَّتِهِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ، يُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَجْعَل السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّطَوُّعُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ أَيْضًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٢)، قَال ابْنُ عُمَرَ ﵄: نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً حَيْثُ تَوَجَّهَ بِهِ بَعِيرُك. وَهَذَا يَتَنَاوَل بِإِطْلاَقِهِ مَحَل النِّزَاعِ، وَعَنِ
_________
(١) المغني ١ / ٥٦٢. وحديث: " لا يتطوع الإمام في مقامه الذي يصل فيه المكتوبة " أخرجه ابن عدي في الكامل (٥ / ١٩٩٧ ط دار الفكر)، وأبو داود (١ / ٤٠٩ ط عبيد الدعاس)، وابن ماجه (١ / ٤٥٩ ط عيسى الحلبي) بنحوه. انظر تخريج الحديث السابق، وهو بشواهده حسن الإسناد.
(٢) سورة البقرة / ١١٥.
ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (١) . وَلِلْبُخَارِيِّ: إِلاَّ الْفَرَائِضَ وَلِمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ: غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ قَصِيرِ السَّفَرِ وَطَوِيلِهِ؛ وَلأَِنَّ إِبَاحَةَ الصَّلاَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، كَيْ لاَ يُؤَدِّيَ إِلَى قَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا (٢) .
وَالْوِتْرُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلِهَذَا لاَ يُؤَدَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُول. كَذَلِكَ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عَلَى الدَّابَّةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى النُّزُول لاَ يَجُوزُ، لاِخْتِصَاصِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ بِزِيَادَةِ تَوْكِيدٍ وَتَرْغِيبٍ بِتَحْصِيلِهَا وَتَرْهِيبٍ وَتَحْذِيرٍ عَلَى تَرْكِهَا، فَالْتَحَقَتْ بِالْوَاجِبَاتِ كَالْوِتْرِ (٣) . وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَفْلٌ - نَافِلَةٌ) .
_________
(١) حديث: " كان يوتر على بعيره " وفي رواية: " كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، يومئ برأسه وكان ابن عمر يفعله " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٧٣ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٨٧ ط الحلبي) .
(٢) وهذا يتناول كل وسائل النقل الحديثة من السيارات والطائرات على تفصيل ينظر في ملحق المسائل المستحدثة.
(٣) البدائع ١ / ٢٧١، ٢٩٠ وما بعدها، والهداية ١ / ٦٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٤، ومغني المحتاج ١ / ١٤٢، والمغني ١ / ٤٣٤، ٤٣٥.
صَلاَةُ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا:
١٦ - تَجُوزُ صَلاَةُ التَّطَوُّعِ مِنْ قُعُودٍ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي إِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ جَالِسًا، وَأَنَّهُ فِي الْقِيَامِ أَفْضَل، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (١) وَلأَِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ، فَلَوْ وَجَبَ فِي التَّطَوُّعِ لَتَرَكَ أَكْثَرَهُ، فَسَامَحَ الشَّارِعُ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ فِيهِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ (٢) .
الْفَصْل بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
١٧ - يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْصِل الْمُصَلِّي بَيْنَ الصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصَلاَةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَهَا بِالأَْذْكَارِ الْوَارِدَةِ، كَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ، وَهَذَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ الْفَصْل بَيْنَ الْمَكْتُوبَةِ وَالسُّنَّةِ، بَل يَشْتَغِل بِالسُّنَّةِ (٣) . وَلِلتَّفْصِيل: (ر: نَفْلٌ) .
قَضَاءُ التَّطَوُّعِ:
١٨ - إِذَا فَاتَ التَّطَوُّعُ - سَوَاءٌ الْمُطْلَقُ، أَوِ الْمُقَيَّدُ
_________
(١) حديث: " من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم " أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٨٦ - ط السلفية) من حديث عمران بن حصين ﵁.
(٢) الهداية ١ / ٦٩، والبدائع ١ / ٢٩٧، ٢٩٨، وجواهر الإكليل ١ / ٥٧، ومغني المحتاج ١ / ١٥٥. والمغني ٢ / ١٤٢.
(٣) الاختيار ١ / ٦٦، وجواهر الإكليل ١ / ٧٣، والمهذب ١ / ٨٧، ومنتهى الإرادات ١ / ١٩٤.
بِسَبَبٍ أَوْ وَقْتٍ - فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لاَ يُقْضَى سِوَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: صَلَّى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَل بَيْتِي فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا فَقَال: قَدِمَ عَلَيَّ مَالٌ فَشَغَلَنِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ كُنْتُ أَرْكَعُهُمَا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَصَلَّيْتُهُمَا الآْنَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ أَفَنَقْضِيهِمَا إِذَا فَاتَتَا؟ قَال: لاَ. (١) وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الأُْمَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ اخْتَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلاَ شَرِكَةَ لَنَا فِي خَصَائِصِهِ. وَقِيَاسُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ قَضَاءُ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَصْلًا، إِلاَّ أَنَّا اسْتَحْسَنَّا الْقَضَاءَ إِذَا فَاتَتَا مَعَ الْفَرْضِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُمَا مَعَ الْفَرْضِ لَيْلَةَ التَّعْرِيسِ (٢) فَنَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ لِنَكُونَ عَلَى طَرِيقَتِهِ. وَهَذَا بِخِلاَفِ الْوِتْرِ، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْوَاجِبُ مُلْحَقٌ بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْعَمَل.
وَقَال النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ فَاتَ النَّفَل
_________
(١) حديث أم سلمة: " قالت: صلى رسول الله ﷺ العصر ثم دخل بيتي. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٣١٥ - ط الميمنية) وقال الهيثمي (٢ / ٢٢٤ - ط القدسي): رجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) حديث: " فعلهما مع الفرض ليلة التعريس " أخرجه مسلم (١ / ٤٧٣ - الحلبي) من حديث أبي قتادة ﵁.
الْمُؤَقَّتُ (كَصَلاَةِ الْعِيدِ وَالضُّحَى) نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَْظْهَرِ، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ فِي الْوَادِي عَنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ إِلَى أَنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وَفِي مُسْلِمٍ نَحْوُهُ. وَقَضَى رَكْعَتَيْ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْمُتَأَخِّرَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ وَلأَِنَّهَا صَلاَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَقُضِيَتْ كَالْفَرَائِضِ، وَسَوَاءٌ السَّفَرُ وَالْحَضَرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَالثَّانِي: لاَ يُقْضَى كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَتْبَعْ غَيْرَهُ كَالضُّحَى قُضِيَ، لِشَبَهِهِ بِالْفَرْضِ فِي الاِسْتِقْلاَل، وَإِنْ تَبِعَ غَيْرَهُ كَالرَّوَاتِبِ فَلاَ. قَال الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: قَضِيَّةُ كَلاَمِهِ (أَيِ النَّوَوِيِّ) أَنَّ الْمُؤَقَّتَ يُقْضَى أَبَدًا وَهُوَ الأَْظْهَرُ، وَالثَّانِي: يَقْضِي فَائِتَةَ النَّهَارِ مَا لَمْ تُضْرَبْ شَمْسُهُ، وَفَائِتَةَ اللَّيْل مَا لَمْ يَطْلُعْ فَجْرُهُ. وَالثَّالِثُ: يَقْضِي مَا لَمْ يُصَل الْفَرْضَ الَّذِي بَعْدَهُ. وَخَرَجَ بِالْمُؤَقَّتِ مَا لَهُ سَبَبٌ كَالتَّحِيَّةِ وَالْكُسُوفِ فَإِنَّهُ لاَ مَدْخَل لِلْقَضَاءِ فِيهِ. نَعَمْ لَوْ فَاتَهُ وِرْدُهُ مِنَ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الأَْذْرَعِيُّ.
_________
(١) حديث: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها " أخرجه مسلم (١ / ٢٧٧ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك ﵁، وأخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٧٠ ط السلفية) دون ذكر النوم.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى شَيْئًا مِنَ التَّطَوُّعِ، إِلاَّ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَالرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ.
وَقَال الْقَاضِي وَبَعْضُ الأَْصْحَابِ: لاَ يُقْضَى إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الظُّهْرِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تُقْضَى جَمِيعُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بَعْضَهَا، وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَيْهَا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: يُسَنُّ قَضَاءُ الرَّوَاتِبِ، إِلاَّ مَا فَاتَ مَعَ فَرْضِهِ وَكَثُرَ، فَالأَْوْلَى تَرْكُهُ، إِلاَّ سُنَّةُ الْفَجْرِ فَيَقْضِيهَا مُطْلَقًا لِتَأَكُّدِهَا (١) .
انْقِلاَبُ الْوَاجِبِ تَطَوُّعًا:
١٩ - قَدْ يَنْقَلِبُ وَاجِبُ الْعِبَادَاتِ إِلَى تَطَوُّعٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِقَصْدٍ أَمْ بِغَيْرِ قَصْدٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَثَلًا فِي الصَّلاَةِ يَقُول ابْنُ نُجَيْمٍ: لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، ثُمَّ غَيَّرَ نِيَّتَهُ فِي الصَّلاَةِ وَجَعَلَهَا تَطَوُّعًا، صَارَتْ تَطَوُّعًا.
وَفِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: إِنْ أَحْرَمَ مُصَلٍّ بِفَرْضٍ، كَظُهْرٍ فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا، بِأَنْ فَسَخَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ نِيَّةِ الصَّلاَةِ،
_________
(١) البدائع ١ / ٢٧٩، ٢٨٧، ٢٩٠، ومنح الجليل ١ / ٢١٠، والدسوقي ١ / ٣١٩، ومغني المحتاج ١ / ٢٢٤، والمغني ٢ / ١٢٨، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٣٠.
صَحَّتْ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ صَلَّى الأَْكْثَرَ مِنْهَا أَوِ الأَْقَل، وَسَوَاءٌ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لاَ؛ لأَِنَّ النَّفَل يَدْخُل فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ، وَكُرِهَ قَلْبُهُ نَفْلًا لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. ثُمَّ قَال: وَيَنْقَلِبُ نَفْلًا مَا بَانَ عَدَمُهُ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ ظَنَّهَا عَلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ، أَوْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِل النَّفَل.
وَمِنْ ذَلِكَ الصِّيَامُ. جَاءَ فِي شَرْحِ مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ: مَنْ قَطَعَ نِيَّةَ صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ، ثُمَّ نَوَى صَوْمًا نَفْلًا صَحَّ نَفْلُهُ، وَإِنْ قَلَبَ صَائِمٌ نِيَّةَ نَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ إِلَى نَفْلٍ صَحَّ، كَقَلْبِ فَرْضِ الصَّلاَةِ نَفْلًا. وَخَالَفَ الْحَجَّاوِيُّ فِي " الإِْقْنَاعِ " فِي مَسْأَلَةِ قَلْبِ الْقَضَاءِ، وَكُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ غَرَضٍ (١) .
وَمِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ. جَاءَ فِي بَدَائِعِ الصَّنَائِعِ: إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى رَجُلٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إِلَيْهِمْ وَقْتَ الدَّفْعِ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي أَمْرِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ بِيَقِينٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصَارِفِهَا لَمْ تُجْزِئْهُ زَكَاةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الإِْعَادَةُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَيَقَعُ تَطَوُّعًا. ثُمَّ قَال الْكَاسَانِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: حُكْمُ الْمُعَجَّل إِذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً: أَنَّهُ إِنْ وَصَل إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ يَكُونُ
_________
(١) الأشباه لابن نجيم ص ٥١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٦٨، ١٦٩، ٤٤٧.
تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ وَصَل إِلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْمَال أَوْ مِنْ يَدِ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ - وَهُوَ السَّاعِي - لأَِنَّهُ حَصَل أَصْل الْقُرْبَةِ. وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لاَ يُحْتَمَل الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ.
وَفِي الْمُهَذَّبِ أَيْضًا: مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِذَا عَقَدَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا انْعَقَدَ غَيْرُهَا مِنْ جِنْسِهَا، كَصَلاَةِ الظُّهْرِ إِذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْل الزَّوَال، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالنَّفْل.
وَفِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ نَذْرًا وَنَفْلًا كَانَ نَفْلًا، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا كَانَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا فِي الأَْصَحِّ (١) .
حُصُول التَّطَوُّعِ بِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَعَكْسُهُ:
٢٠ - هُنَاكَ صُوَرٌ يَحْصُل التَّطَوُّعُ فِيهَا بِأَدَاءِ الْفَرْضِ، وَلَكِنَّ ثَوَابَ التَّطَوُّعِ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِنِيَّتِهِ. جَاءَ فِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ (فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ) قَالُوا: لَوِ اغْتَسَل الْجُنُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلِرَفْعِ الْجَنَابَةِ، ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ، وَحَصَل لَهُ ثَوَابُ غُسْل الْجُمُعَةِ.
وَفِي ابْنِ عَابِدِينَ: مَنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ نَسِيَهَا وَاغْتَسَل لِلْجُمُعَةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ ضِمْنًا،
_________
(١) البدائع ٢ / ٥٠، ٥٢، والمهذب ١ / ٢٠٧، ٢٤٠، والأشباه لابن نجيم ص ٤١.