الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّمْثِيل:
٢ - التَّمْثِيل: مَصْدَرُ مَثَّل مِنْ مَثَّلْتُ بِالْقَتِيل مَثْلًا: إِذَا جَدَعْتَهُ وَظَهَرَتْ آثَارُ فِعْلِكَ عَلَيْهِ تَنْكِيلًا، وَالتَّشْدِيدُ فِي مَثَّل لِلْمُبَالَغَةِ (١) فَبَيْنَ التَّصْلِيبِ وَالتَّمْثِيل مُبَايَنَةٌ؛ لأَِنَّ التَّصْلِيبَ رَبْطٌ لِلْعُقُوبَةِ، أَمَّا التَّمْثِيل فَهُوَ مُجَرَّدُ الْجَدْعِ وَالتَّقْطِيعِ.
ب - الصَّبْرُ:
٣ - الصَّبْرُ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: نَصْبُ الإِْنْسَانِ لِلْقَتْل، أَوْ أَنْ يُمْسِكَ الطَّائِرُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ ذَوَاتِ الرُّوحِ يُصْبِرُ حَيًّا، ثُمَّ يُرْمَى بِشَيْءٍ حَتَّى يُقْتَل (٢) .
فَالصَّبْرُ أَعَمُّ مِنَ التَّصْلِيبِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِلاَ صَلْبٍ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَتَنَاوَل الْحُكْمُ أَمْرَيْنِ:
أ - الصَّلْبُ، وَهُوَ الْقِتْلَةُ الْمَعْرُوفَةُ.
ب - الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصَّلِيبِ.
أَوَّلًا: حُكْمُ التَّصْلِيبِ (بِمَعْنَى الْقِتْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ)
٤ - الصَّلْبُ قِتْلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ أَنْ يُرْفَعَ الْمُرَادُ قَتْلُهُ عَلَى جِذْعٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ قَائِمَةٍ، وَتُمَدُّ
_________
(١) لسان العرب مادة: " مثل ".
(٢) لسان العرب.
يَدَاهُ عَلَى خَشَبَةٍ مُعْتَرِضَةٍ، وَتُرْبَطُ رِجْلاَهُ بِالْخَشَبَةِ الْقَائِمَةِ، وَيُتْرَكُ عَلَيْهَا هَكَذَا حَتَّى يَمُوتَ. وَقَدْ تَسَمَّرَ يَدَاهُ وَرِجْلاَهُ بِالْخَشَبِ. وَقَدْ يُقْتَل أَوَّلًا، وَيُصْلَبُ بَعْدَ زُهُوقِ رُوحِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ لِلتَّشْهِيرِ بِهِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِتْلَةُ شَائِعَةً فِي الأُْمَمِ السَّابِقَةِ كَالْفُرْسِ وَالرُّومَانِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ. وَنَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ فِعْل فِرْعَوْنَ بِأَعْدَائِهِ. وَفِي قِصَّةِ يُوسُفَ ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآْخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُل الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ (١)
وَقَدْ حَرَّمَ الإِْسْلاَمُ هَذِهِ الْقِتْلَةَ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعْذِيبِ الشَّدِيدِ وَالْمُثْلَةِ وَالتَّشْهِيرِ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِْحْسَانَ عَلَى كُل شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ (٢) وَنَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ (٣)
_________
(١) سورة يوسف / ٤١.
(٢) حديث: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٤٨ ط عيسى الحلبي) . وأحمد (٤ / ١٢٤ ط المكتب الإسلامي) . واللفظ له.
(٣) حديث: " نهى عن المثلة، ولو بالكلب العقور " قال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده منقطع. (مجمع الزوائد ٦ / ٢٤٩ ط دار الكتاب العربي) . ولكنه ثبت بلفظ أنه " نهى عن النهبة والمثلة " دون الزيادة، أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٦٤٣ ط السلفية) .
٥ - وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الأَْصْل جَرَائِمُ مُحَدَّدَةٌ جُعِلَتْ عُقُوبَتُهَا الصَّلْبَ بَعْدَ الْقَتْل لِعَوَارِضَ خَاصَّةٍ اقْتَضَتْهَا. وَهَذِهِ الْجَرَائِمُ هِيَ مَا يَلِي:
أ - الإِْفْسَادُ فِي الأَْرْضِ:
جُعِلَتْ عُقُوبَةُ الإِْفْسَادِ فِي الأَْرْضِ بِالْمُحَارَبَةِ (قَطْعِ الطَّرِيقِ) الصَّلْبَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . (١)
وَإِنَّمَا كَانَ الصَّلْبُ عُقُوبَةً فِي هَذِهِ الْجَرِيمَةِ؛ لأَِنَّ قُطَّاعَ الطُّرُقِ يَسْتَأْسِدُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُرَوِّعُونَ الآْمَنِينَ، وَيُظْهِرُونَ الْفَسَادَ، فَجُعِل الصَّلْبُ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ لِيَرْتَدِعَ بِهِ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصَّلْبِ:
فَقِيل: هُوَ حَدٌّ لاَ بُدَّ مِنْ إِقَامَتِهِ.
وَقِيل: الإِْمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ
_________
(١) سورة المائدة / ٣٢، ٣٣.
الْعُقُوبَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الآْيَةِ. (١) عَلَى تَرْتِيبٍ وَتَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (حِرَابَةٌ) .
كَيْفِيَّةُ تَنْفِيذِ عُقُوبَةِ الصَّلْبِ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ:
٦ - بِاسْتِقْرَاءِ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ يَتَبَيَّنُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِصَلْبِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ: أَنْ يُحْمَل عَلَى الْخَشَبَةِ حَيًّا، ثُمَّ يُتْرَكَ عَلَيْهَا حَتَّى يَمُوتَ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالأَْوْزَاعِيُّ: يُصْلَبُ حَيًّا، ثُمَّ يُقْتَل مَصْلُوبًا بِطَعْنِهِ بِحَرْبَةٍ؛ لأَِنَّ الصَّلْبَ عُقُوبَةٌ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ الْحَيُّ لاَ الْمَيِّتُ؛ وَلأَِنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى الْمُحَارَبَةِ، فَيُشْرَعُ فِي الْحَيَاةِ كَسَائِرِ الْجَزَاءَاتِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُقْتَل أَوَّلًا، ثُمَّ يُصْلَبُ بَعْدَ قَتْلِهِ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّمَ ذِكْرَ الْقَتْل عَلَى ذِكْرِ الصَّلْبِ، فَيُلْتَزَمُ هَذَا التَّرْتِيبُ حَيْثُ اجْتَمَعَا؛ وَلأَِنَّ الْقَتْل إِذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ كَانَ قَتْلًا بِالسَّيْفِ؛ وَلأَِنَّ فِي قَتْلِهِ بِالصَّلْبِ تَعْذِيبًا لَهُ وَمُثْلَةً، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنِ الْمُثْلَةِ.
أَمَّا الْمُدَّةُ الَّتِي يَبْقَى فِيهَا الْمَصْلُوبُ عَلَى الْخَشَبَةِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يُصْلَبُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُصْلَبُ قَدْرَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٢٩٠، ط ٣. القاهرة مكتبة المنار ١٣٦٧ هـ، والدر وحاشية ابن عابدين ٣ / ٢١٣، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي وعميرة ٤ / ١٩٩، ٢٠٠.
(٢) لم يذكروا التسمير، والظاهر أنه لا ينبغي استعماله، لما تقدم من النهي من المثلة، بل يكتفى بالربط.
مَا يَشْتَهِرُ أَمْرُهُ، دُونَ تَحْدِيدٍ بِمُدَّةٍ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُنْزَل إِذَا خِيفَ تَغَيُّرُهُ. (١)
ب - مَنْ قَتَل غَيْرَهُ عَمْدًا بِالصَّلْبِ حَتَّى مَاتَ:
٧ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لِوَلِيِّ الْمَقْتُول أَنْ يُطَالِبَ بِقَتْل الْجَانِي قِصَاصًا بِمِثْل مَا قَتَل بِهِ. قَالُوا: وَهَذَا مَعْنَى الْقِصَاصِ، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ وَالْمُمَاثَلَةُ، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ. فَإِنْ قُتِل بِالسَّيْفِ، وَكَانَ الْجَانِي قَدْ قَتَل بِأَشَدَّ مِنْهُ كَانَ الْوَلِيُّ قَدْ تَرَكَ الْمُمَاثَلَةَ، وَهِيَ شَيْءٌ مِنْ حَقِّهِ. وَمُقْتَضَى هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ صَلْبُ الْقَاتِل حَتَّى الْمَوْتِ، إِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِالصَّلْبِ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ، فَعَلَى هَذَا لاَ يَتَأَتَّى عُقُوبَةُ الصَّلْبِ قِصَاصًا. وَمَعَ ذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا اقْتَصَّ بِغَيْرِ السَّيْفِ عُزِّرَ، وَوَقَعَ الْقِصَاصُ مَوْقِعَهُ. (٢)
ج - التَّصْلِيبُ فِي عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ:
٨ - قَال الْمَاوَرْدِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجُوزُ صَلْبُ الْمُعَزَّرِ حَيًّا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَقَطْ (أَيْ وَيُطْلَقُ بَعْدَهَا)
_________
(١) الدر بحاشية ابن عابدين ٣ / ٢١٣، والشرح الكبير بهامش الدسوقي ٤ / ٣٤٩، وقليوبي ٤ / ٢٠٠، والمغني ٨ / ٩٠، ٢٩١.
(٢) الدر بحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٤٦، والمغني ٧ / ٦٨٨.
فَقَدْ صَلَبَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَجُلًا عَلَى جَبَلٍ يُقَال لَهُ أَبُو نَابٍ (١) قَال: وَلاَ يُمْنَعُ مُدَّةَ صَلْبِهِ مِنْ طَعَامٍ وَلاَ شَرَابٍ وَلاَ وُضُوءٍ لِصَلاَةٍ. وَيُصَلِّي مُومِئًا، وَيُعِيدُ الصَّلاَةَ بَعْدَ أَنْ يُطْلَقَ سَرَاحُهُ. وَنَقَل ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشَّافِعِيَّةِ وَأَقَرُّوهُ. وَقَال صَاحِبُ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَال بِتَمْكِينِ الْمَصْلُوبِ فِي هَذِهِ الْحَال مِنَ الصَّلاَةِ مُطْمَئِنًّا، يَعْنِي أَنْ يُصَلِّيَ مُرْسَلًا صَلاَةً تَامَّةً، ثُمَّ يُعَادُ صَلْبُهُ. وَنَقَل ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّبْصِرَةِ قَوْل الْمَاوَرْدِيُّ وَأَقَرَّهُ.
وَيَجُوزُ التَّعْزِيرُ بِالصَّلْبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَيُرَاعَى مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَقَالُوا: يُصَلِّي الْمَصْلُوبُ حِينَئِذٍ بِالإِْيمَاءِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلاَّ ذَلِكَ، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ إِطْلاَقِهِ. (٢)
_________
(١) حديث: " صلب رسول الله ﷺ رجلا على. . . . ". لم نعثر عليه في المصادر التي بين أيدينا من كتب الحديث، وإنما أورده الماوردي في الأحكام السلطانية (ص ٢٣٧ ط مصطفى الحلبي) . وأصل فعل التصليب ورد في شأن الرعاة العرنيين فيما أخرجه النسائي (٧ / ٩٥ ط التجارية) . وأصله في البخاري.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٩ القاهرة ط مصطفى الحلبي ١٣٢٧ هـ، ومغني المحتاج ٤ / ١٩٢، والتبصرة لابن فرحون بهامش فتح العلي المالك ٢ / ٣٠٤ القاهرة ط مصطفى الحلبي ١٣٧٨ هـ، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٦ / ١٢٥ الرياض، مكتبة النصر.
ثَانِيًا: الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصُّلْبَانِ
صِنَاعَةُ الصَّلِيبِ وَاتِّخَاذُهُ:
٩ - لاَ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَصْنَعَ صَلِيبًا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِصِنَاعَتِهِ، (١) وَالْمُرَادُ صِنَاعَةُ مَا يُرْمَزُ بِهِ إِلَى التَّصْلِيبِ. وَلَيْسَ لَهُ اتِّخَاذُهُ، وَسَوَاءٌ عَلَّقَهُ أَوْ نَصَبَهُ أَوْ لَمْ يُعَلِّقْهُ وَلَمْ يَنْصِبْهُ. وَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِظْهَارُ هَذَا الشِّعَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَاكِنِهِمُ الْعَامَّةِ أَوِ الْخَاصَّةِ، وَلاَ جَعْلُهُ فِي ثِيَابِهِ، لِمَا رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ قَال: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَال: يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ (٢) وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَال: " قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي بِمَحْقِ الْمَزَامِيرِ وَالْمَعَازِفِ وَالأَْوْثَانِ وَالصُّلُبِ وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. (٣)
١٠ - يُكْرَهُ الصَّلِيبُ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ كَالْقَلَنْسُوَةِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْخَوَاتِمِ. قَال ابْنُ حَمْدَانَ: وَيُحْتَمَل التَّحْرِيمُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ صَالِحٌ عَنِ
_________
(١) الآداب الشرعية ٣ / ٥١٣.
(٢) حديث: " أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٢٧٨ ط مصطفى الحلبي) . وقال: هذا حديث غريب.
(٣) حديث: " إن الله بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني بمحق. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٢٦٨ ط المكتب الإسلامي) . والطبراني في المعجم الكبير (٨ / ٢٣٢ ط الوطن العربي) . وقال الهيثمي وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٥ / ٦٩) ط الكتاب العربي.
الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَصَوَّبَهُ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ. (١)
وَدَلِيل ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ الَّذِي يُفِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْطَعُ صُورَةَ الصَّلِيبِ مِنَ الثَّوْبِ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ عَنْ أُمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ فَرَأَتْ عَلَى امْرَأَةٍ بُرْدًا فِيهِ تَصْلِيبٌ، فَقَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: اطْرَحِيهِ. اطْرَحِيهِ. فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى نَحْوَ هَذَا فِي الثَّوْبِ قَضَبَهُ. (٢) وَقَال إِبْرَاهِيمُ: أَصَابَ أَصْحَابُنَا خَمَائِصَ فِيهَا صُلُبٌ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهَا بِالسُّلُوكِ يَمْحُونَهَا بِذَلِكَ.
الْمُصَلِّي وَالصَّلِيبُ:
١١ - يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ فِي قِبْلَتِهِ صَلِيبٌ؛ لأَِنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالنَّصَارَى فِي عِبَادَتِهِمْ، وَالتَّشَبُّهُ بِهِمْ فِي الْمَذْمُومِ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ.
وَلَمْ نَجِدْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ نَصًّا فِي ذَلِكَ. (٣)
_________
(١) الآداب الشرعية ٣ / ٥١٢، ٥١٣، وكشاف القناع ١ / ٢٨٠، والإنصاف ١ / ٤٧٤، والمغني ١ / ٥٩٠.
(٢) حديث: " كان إذا رأى نحو هذا في الثوب قضبه " أخرجه أحمد (٦ / ١٤٠ ط المكتب الإسلامي) . قال الساعاتي: لم أقف عليه لغير الإمام أحمد وسنده جيد. (الفتح الرباني ١٧ / ٢٨٥ ط دار الشهاب) .
(٣) ابن عابدين ١ / ٤٣٥. واللجنة ترى أن هذه المسألة لا ينبغي أن يكون في حظرها خلاف.
الْقَطْعُ فِي سَرِقَةِ الصَّلِيبِ:
١٢ - لاَ قَطْعَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي سَرِقَةِ الصَّلِيبِ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَلَوْ جَاوَزَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا. وَذَلِكَ لأَِنَّهُ مُنْكَرٌ، فَتُتَأَوَّل الإِْبَاحَةُ لِلسَّارِقِ بِتَأْوِيل نِيَّةِ الْكَسْرِ نَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ. قَال فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: بِخِلاَفِ الدِّرْهَمِ الَّذِي عَلَيْهِ الصُّورَةُ، فَإِنَّهُ مَا أُعِدَّ لِلْعِبَادَةِ، فَلاَ تَثْبُتُ شُبْهَةُ إِبَاحَةِ الْكَسْرِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ يُقْطَعُ بِهِ إِنْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلٍ فِي حِرْزٍ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ؛ لِكَمَال الْمَالِيَّةِ وَلِوُجُودِ الْحِرْزِ. أَمَّا إِنْ كَانَ فِي مُصَلاَّهُمْ فَسَرَقَهُ، فَلاَ قَطْعَ لِعَدَمِ الْحِرْزِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَعَلَى الأَْوَّل لَوْ كَانَ السَّارِقُ ذِمِّيًّا وَسَرَقَ مِنْ حِرْزٍ فَيُقْطَعُ؛ لأَِنَّ الذِّمِّيَّ لاَ تَأْوِيل لَهُ. قَال: إِلاَّ أَنْ يُقَال تَأْوِيل غَيْرِهِ يَكْفِي فِي وُجُودِ الشُّبْهَةِ فَلاَ يُقْطَعُ (١) وَيَظْهَرُ أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ جَارٍ عَلَى مِثْل مَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي آخِرِ كَلاَمِهِ، فَإِنَّهُ لاَ قَطْعَ عِنْدَهُمْ فِي سَرِقَةِ الْخَمْرِ، وَلَوْ سَرَقَهَا ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ، فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي سَرِقَةِ الصَّلِيبِ كَذَلِكَ (٢) .
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ فِي سَرِقَةِ الْمُحَرَّمِ مِنْ صَلِيبٍ
_________
(١) ابن عابدين ٣ / ١٩٨، ١٩٩، وفتح القدير / ١٣٣، وكشاف القناع ٦ / ١٣١.
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٣٣٦.
وَغَيْرِهِ بَيْنَ حَالَتَيْنِ، فَقَالُوا: إِنْ سَرَقَهُ بِقَصْدِ الإِْنْكَارِ فَلاَ قَطْعَ، وَإِلاَّ فَالأَْصَحُّ - عَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ - أَنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ إِنْ بَلَغَ مَكْسُورُهُ نِصَابًا. (١)
إِتْلاَفُ الصَّلِيبِ:
١٣ - مَنْ كَسَرَ صَلِيبًا لِمُسْلِمٍ فَلاَ ضَمَانَ فِيهِ اتِّفَاقًا. وَإِنْ كَانَ لأَِهْل الذِّمَّةِ، فَإِنْ أَظْهَرُوهُ كَانَتْ إِزَالَتُهُ وَاجِبَةً، وَلاَ ضَمَانَ أَيْضًا.
وَإِنْ كَانَ اقْتِنَاؤُهُمْ لَهُ عَلَى وَجْهٍ يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، كَالَّذِي يَجْعَلُونَهُ فِي دَاخِل كَنَائِسِهِمْ أَوْ بُيُوتِهِمْ، يُسِرُّونَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُظْهِرُونَهُ، فَإِنْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ وَجَبَ رَدُّهُ اتِّفَاقًا. أَمَّا إِنْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ بِذَلِكَ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فِيهِ الضَّمَانُ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ فِي ضَمَانِ الْمُسْلِمِ خَمْرَ الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي حَقِّهِمْ كَتَقَوُّمِ الْخَل فِي حَقِّنَا. وَقَدْ أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَضْمَنُ الْمُسْلِمُ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ لِمُسْلِمٍ وَلاَ لِذِمِّيٍّ، وَهَكَذَا إِذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ؛ لأَِنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لأَِنَّهُمْ تَبَعٌ لَنَا
_________
(١) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٤ / ١٨٧.