الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 12

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

لَكِنَّ تَصْحِيحَ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا. يَقُول الْكَاسَانِيُّ: الأَْصْل عِنْدَنَا أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الْفَسَادِ، فَإِنْ كَانَ قَوِيًّا بِأَنْ دَخَل فِي صُلْبِ الْعَقْدِ - وَهُوَ الْبَدَل أَوِ الْمُبْدَل - لاَ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، كَمَا إِذَا بَاعَ عَبْدًا بأَلْفِ دِرْهَمٍ وَرِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ، فَحَطَّ الْخَمْرَ عَنِ الْمُشْتَرِي فَهُوَ فَاسِدٌ وَلاَ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا.

وَإِنْ كَانَ الْفَسَادُ ضَعِيفًا، وَهُوَ مَا لَمْ يَدْخُل فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، بَل فِي شَرْطٍ جَائِزٍ يَحْتَمِل الْجَوَازَ بِرَفْعِ الْمُفْسِدِ، كَمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ خِيَارٍ لَمْ يُوَقَّتْ، أَوْ وُقِّتَ إِلَى وَقْتٍ مَجْهُولٍ كَالْحَصَادِ، أَوْ لَمْ يُذْكُرِ الْوَقْتُ، وَكَمَا فِي الْبَيْعِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ، فَإِذَا أَسْقَطَ الأَْجَل مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِيهِ قَبْل حُلُولِهِ وَقَبْل فَسْخِهِ جَازَ الْبَيْعُ لِزَوَال الْمُفْسِدِ، وَلَوْ كَانَ إِسْقَاطُ الأَْجَل بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَلَى مَا حَرَّرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ.

وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْبِيَاعَاتِ الْفَاسِدَةِ بِسَبَبِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْبَائِعِ فِي التَّسْلِيمِ إِذَا سَلَّمَ الْبَائِعَ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ - كَمَا إِذَا بَاعَ جِذْعًا لَهُ فِي سَقْفٍ، أَوْ آجُرًّا لَهُ فِي حَائِطٍ، أَوْ ذِرَاعًا فِي دِيبَاجٍ - أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُهُ إِلاَّ بِالنَّزْعِ وَالْقَطْعِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْبَائِعِ، وَالضَّرَرُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ، فَكَانَ هَذَا عَلَى التَّقْدِيرِ بَيْعُ مَا لاَ يَجِبُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا، فَيَكُونُ فَاسِدًا. فَإِنْ نَزَعَهُ الْبَائِعُ

أَوْ قَطَعَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي قَبْل أَنْ يَفْسَخَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ جَازَ الْبَيْعُ؛ لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْجَوَازِ ضَرَرُ الْبَائِعِ بِالتَّسْلِيمِ، فَإِذَا سَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِ وَرِضَاهُ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ، فَجَازَ الْبَيْعُ وَلَزِمَ (١) .

وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ طِبْقًا لِقَاعِدَةِ: إِذَا زَال الْمَانِعُ مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضِي عَادَ الْحُكْمُ.

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ قَسَّمَهُ وَسَلَّمَهُ جَازَ. وَاللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفُ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ، وَالزَّرْعُ وَالنَّخْل فِي الأَْرْضِ، وَالتَّمْرُ فِي النَّخِيل بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاعِ؛ لأَِنَّهَا مَوْجُودَةٌ، وَامْتِنَاعُ الْجَوَازِ لِلاِتِّصَال، فَإِذَا فَصَّلَهَا وَسَلَّمَهَا جَازَ لِزَوَال الْمَانِعِ (٢) .

وَمِثْل ذَلِكَ: إِذَا رَهَنَ الأَْرْضَ بِدُونِ الْبِنَاءِ، أَوْ بِدُونِ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ، أَوْ رَهَنَ الزَّرْعَ وَالشَّجَرَ بِدُونِ الأَْرْضِ، أَوْ رَهَنَ الشَّجَرَ بِدُونِ الثَّمَرِ، أَوْ رَهَنَ الثَّمَرَ بِدُونِ الشَّجَرِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَرْهُونَ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَرْهُونٍ، وَهَذَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ. وَلَوْ جُذَّ الثَّمَرُ وَحُصِدَ الزَّرْعُ وَسُلِّمَ مُنْفَصِلًا جَازَ لِزَوَال الْمَانِعِ (٣) .

_________

(١) البدائع ٥ / ١٦٨، ١٧٨ - ١٧٩، وابن عابدين ٤ / ١١٩، والاختيار ٢ / ٢٥ - ٢٦.

(٢) البدائع ٦ / ١١٩، والزيلعي ٥ / ٩٤.

(٣) البدائع ٦ / ١٤٠.

تَصْحِيحُ الْعَقْدِ بِاعْتِبَارِهِ عَقْدًا آخَرَ:

١٣ - هَذَا، وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إِذَا أَمْكَنَ تَحْوِيلُهُ إِلَى عَقْدٍ آخَرَ صَحِيحٍ لِتَوَافُرِ أَسْبَابِ الصِّحَّةِ فِيهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصِّحَّةُ عَنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَمْ عَنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ نَظَرًا لاِخْتِلاَفِهِمْ فِي قَاعِدَةِ (هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا) . (١) وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ بِالأَْمْثِلَةِ الآْتِيَةِ:

١٤ - فِي الأَْشْبَاهِ لاِبْنِ نُجَيْمٍ: الاِعْتِبَارُ لِلْمَعْنَى لاَ لِلأَْلْفَاظِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: الْكَفَالَةُ، فَهِيَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَْصِيل حَوَالَةً، وَهِيَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَتِهِ كَفَالَةً. (٢)

وَفِي الاِخْتِيَارِ: شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ يَتَسَاوَى الشَّرِيكَانِ فِي التَّصَرُّفِ وَالدَّيْنِ وَالْمَال الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الشَّرِكَةُ. . فَلاَ تَنْعَقِدُ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، فَإِذَا عَقَدَ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ الْمُفَاوَضَةَ صَارَتْ عِنَانًا عِنْدَهُمَا، لِفَوَاتِ شَرْطِ الْمُفَاوَضَةِ وَوُجُودِ شَرْطِ الْعِنَانِ، وَكَذَلِكَ كُل مَا فَاتَ مِنْ شَرَائِطِ الْمُفَاوَضَةِ

_________

(١) درر الحكام ١ / ١٨، ١٩ مادة (٣)، وأشباه ابن نجيم ص ٢٧٠، وأشباه السيوطي ص ١٨٤، والمنثور ٢ / ٣٧١، وإعلام الموقعين ٣ / ٩٥، والقواعد لابن رجب ص ٤٩.

(٢) الأشباه لابن نجيم ص ٢٠٧، وابن عابدين ٤ / ٢٤٦، وانظر درر الحكام ١ / ١٨، ١٩، شرح المادة (٣) .

يُجْعَل عِنَانًا إِذَا أَمْكَنَ، تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ. (١)

وَفِي الاِخْتِيَارِ أَيْضًا: عَقْدُ الْمُضَارَبَةِ، إِنْ شُرِطَ فِيهِ الرِّبْحُ لِلْمُضَارِبِ فَهُوَ قَرْضٌ؛ لأَِنَّ كُل رِبْحٍ لاَ يُمْلَكُ إِلاَّ بِمِلْكِ رَأْسِ الْمَال، فَلَمَّا شُرِطَ لَهُ جَمِيعُ الرِّبْحِ فَقَدْ مَلَّكَهُ رَأْسَ الْمَال، وَإِنْ شُرِطَ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَال كَانَ إِبْضَاعًا، وَهَذَا مَعْنَاهُ عُرْفًا وَشَرْعًا. (٢)

وَجَاءَ فِي مِنَحِ الْجَلِيل: مَنْ أَحَال عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَأَعْلَمَ الْمُحَال، صَحَّ عَقْدُ الْحَوَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُ لَمْ تَصِحَّ، وَتَنْقَلِبُ حَمَالَةً أَيْ كَفَالَةً. (٣)

وَفِي أَشْبَاهِ السُّيُوطِيِّ: هَل الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ مَعَانِيهَا؟ خِلاَفٌ. التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ فِي الْفُرُوعِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: إِذَا قَال: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا عَلَى أَلْفٍ. إِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ فَسَدَ وَلاَ تَجِبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ، وَإِنْ قُلْنَا: عِتْقٌ بِعِوَضٍ، صَحَّ وَوَجَبَ الْمُسَمَّى. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ قَبْل قَبْضِهِ بِمِثْل الثَّمَنِ الأَْوَّل، فَهُوَ إِقَالَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، وَخَرَّجَهُ السُّبْكِيُّ عَلَى الْقَاعِدَةِ، وَالتَّخْرِيجُ لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ قَال: إِنِ اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ

_________

(١) الاختيار ٣ / ١٢ - ١٣.

(٢) الاختيار ٣ / ٢٠، والمغني ٥ / ٣٥.

(٣) منح الجليل ٣ / ٢٣٢.

اعْتَبَرْنَا الْمَعْنَى فَإِقَالَةٌ. (١)

ثَالِثًا - تَصْحِيحُ الْعِبَادَةِ إِذَا طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يُفْسِدُهَا:

١٥ - مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي تَطْرَأُ عَلَى الْعِبَادَةِ مَا لاَ يُمْكِنُ إِزَالَتُهُ أَوْ تَلاَفِيهِ كَالأَْكْل وَالشُّرْبِ وَالْكَلاَمِ وَالْحَدَثِ وَالْجِمَاعِ، فَهَذِهِ الأُْمُورُ لاَ يُمْكِنُ تَلاَفِيهَا، وَهِيَ تُعْتَبَرُ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْعِبَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ. هَذَا مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي التَّفْصِيل فِيهَا بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، وَبَيْنَ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ وَالْجَهْل، وَمَا هُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ أَوْ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.

فَإِذَا طَرَأَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَةِ فَفَسَدَتْ فِعْلًا - عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ مُفْسِدًا - فَلاَ مَجَال لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَيَلْزَمُ إِعَادَتُهَا إِنِ اتَّسَعَ وَقْتُهَا، أَوْ قَضَاؤُهَا إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِعَادَةٌ - قَضَاءٌ) .

وَالْكَلاَمُ هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَطْرَأُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ مِنَ الْمُفْسِدَاتِ مَعَ إِمْكَانِ إِزَالَةِ الْمُفْسِدِ أَوْ تَلاَفِيهِ لِتَصِحَّ الْعِبَادَةُ، مِثْل طُرُوءِ النَّجَاسَةِ أَوْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَمَا شَابَهُ ذَلِكَ.

وَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى: أَنَّهُ إِذَا طَرَأَ عَلَى الْعِبَادَةِ مَا شَأْنُهُ أَنْ يُفْسِدَهَا لَوِ اسْتَمَرَّ وَأَمْكَنَ تَلاَفِيهِ وَإِزَالَتُهُ وَجَبَ فِعْل ذَلِكَ لِتَصْحِيحِ الْعِبَادَةِ.

_________

(١) الأشباه للسيوطي ص ١٨٣ - ١٨٤، ١٨٥ ط عيسى الحلبي.

وَنَظَرًا لِتَعَذُّرِ حَصْرِ مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِل لِكَثْرَةِ فُرُوعِهَا فِي أَبْوَابِ الْعِبَادَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، فَيُكْتَفَى بِذِكْرِ بَعْضِ الأَْمْثِلَةِ الَّتِي تُوَضِّحُ ذَلِكَ:

١٦ - مَنِ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ، وَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَثْنَاءَ الصَّلاَةِ اسْتَدَارَ إِلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهَا، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ.

وَكَذَلِكَ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَبَانَ لَهُ يَقِينُ الْخَطَأِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ خَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيرُ إِلَى جِهَةِ الصَّوَابِ وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى.

وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْل قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ نَسْخُ الْقِبْلَةِ وَهُمْ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا، وَاسْتَحْسَنَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْل أَهْل قُبَاءَ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالإِْعَادَةِ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (اسْتِقْبَالٌ - قِبْلَةٌ - صَلاَةٌ) .

١٧ - مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ - وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ - فَأَزَالَهَا سَرِيعًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَال: بَيْنَمَا رَسُول اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ

_________

(١) الاختيار ١ / ٤٧، وابن عابدين ١ / ٢٩١، وجواهر الإكليل ١ / ٤٥، وأسنى المطالب ١ / ١٣٩، والمغني ١ / ٤٤٥. وحديث: " نسخ القبلة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٠٦ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٧٥ - ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.

فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُول اللَّهِ ﷺ صَلاَتَهُ قَال: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ . قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَال ﷺ: إِنَّ جِبْرِيل أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا. (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (نَجَاسَةٌ - صَلاَةٌ) .

١٨ - مَنْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ - بِأَنْ أَطَارَتِ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ - فَإِنْ أَعَادَهَا سَرِيعًا صَحَّتْ صَلاَتُهُ. (٢)

وَلَوْ صَلَّى عُرْيَانًا لِعَدَمِ وُجُودِ سُتْرَةٍ، ثُمَّ وَجَدَ سُتْرَةً قَرِيبَةً مِنْهُ سَتَرَ بِهَا مَا وَجَبَ سَتْرُهُ، وَبَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلاَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى أَهْل قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيل الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إِلَيْهَا وَأَتَمُّوا صَلاَتَهُمْ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (عَوْرَةٌ - صَلاَةٌ) .

١٩ - إِنْ خَفَّ فِي الصَّلاَةِ مَعْذُورٌ بِعُذْرٍ مُسَوِّغٍ لِلاِسْتِنَادِ أَوِ الْجُلُوسِ أَوِ الاِضْطِجَاعِ انْتَقَل لِلأَْعْلَى، كَمُسْتَنِدٍ قَدَرَ عَلَى الاِسْتِقْلاَل،

_________

(١) البدائع ١ / ٢٢١، والدسوقي ١ / ٧٠، والمهذب ١ / ٩٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٥٣. وحديث أبي سعيد الخدري: " إن جبريل أتاني فأخبرني. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٤٢٦ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٢٦٠ - ٤ دائرة المعارف العثمانية) وصححه.

(٢) ابن عابدين ١ / ٢٧٣، والبدائع ١ / ٢٣٩، والدسوقي ١ / ٢٢، والمهذب ١ / ٧٣، ٩٤، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١٤٣ - ١٤٤، ١٤٦.

وَجَالِسٍ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ انْتَقَل وُجُوبًا، فَإِنْ تَرَكَهُ بَطَلَتْ صَلاَتُهُ (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (عُذْرٌ - صَلاَةٌ) .

٢٠ - مَنْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ طَوَافِهِ بِنَجَسٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ طَرَحَهُ أَوْ غَسَلَهُمَا، وَبَنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ إِنْ لَمْ يُطِل، وَإِلاَّ بَطَل طَوَافُهُ لِعَدَمِ الْمُوَالاَةِ. (٢)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (طَوَافٌ) .

٢١ - هَذَا، وَمِنْ تَصْحِيحِ الْعِبَادَةِ مَا يَدْخُل تَحْتَ قَاعِدَةِ: بُطْلاَنُ الْخُصُوصِ لاَ يُبْطِل الْعُمُومَ.

جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ: لَوْ تَحَرَّمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَحَضَرَتْ جَمَاعَةٌ، قَال الشَّافِعِيُّ: أَحْبَبْتُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَتَكُونُ نَافِلَةً، وَيُصَلِّي الْفَرْضَ، فَصَحَّحَ النَّفَل مَعَ إِبْطَال الْفَرْضِ.

وَإِذَا تَحَرَّمَ بِالصَّلاَةِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْل وَقْتِهَا ظَانًّا دُخُولَهُ بَطَل خُصُوصُ كَوْنِهَا ظُهْرًا، وَيَبْقَى عُمُومُ كَوْنِهَا نَفْلًا فِي الأَْصَحِّ.

وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْل أَشْهُرِهِ فَفِي انْعِقَادِهِ عُمْرَةً قَوْلاَنِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. (٣) وَحَكَاهُ فِي الْمُهَذَّبِ قَوْلًا وَاحِدًا، قَال: لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَإِذَا عَقَدَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا انْعَقَدَ غَيْرُهَا مِنْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥١١، وجواهر الإكليل ١ / ٥٦، والمنثور في القواعد ١ / ١١٧، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧٢.

(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٧٤.

(٣) المنثور في القواعد ١ / ١١٣، ١١٤، ١١٥.

جِنْسِهَا، كَصَلاَةِ الظُّهْرِ إِذَا أَحْرَمَ بِهَا قَبْل الزَّوَال، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ إِحْرَامُهُ بِالنَّفْل. (١)

٢٢ - وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَكَادُ تَكُونُ مُطَّرِدَةً فِي بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْجُمْلَةِ، فَفِي شَرْحِ منتهى الإرادات: مَنْ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فِي الصَّلاَةِ - كَتَرْكِ الْقِيَامِ بِلاَ عُذْرٍ - انْقَلَبَ فَرْضُهُ نَفْلًا؛ لأَِنَّهُ كَقَطْعِ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ، فَتَبْقَى نِيَّةُ الصَّلاَةِ. وَيَنْقَلِبُ نَفْلًا كَذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل وَقْتُهُ؛ لأَِنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِل النَّفَل. (٢)

٢٣ - وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ قَبِيل مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ: لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلاَنِ الْوَصْفِ بُطْلاَنُ الأَْصْل.

جَاءَ فِي الْهِدَايَةِ: مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَل الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ.

وَإِذَا فَسَدَتِ الْفَرْضِيَّةُ لاَ يَبْطُل أَصْل الصَّلاَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لأَِنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لأَِصْل الصَّلاَةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلاَنِ الْوَصْفِ بُطْلاَنُ الأَْصْل (٣) .

_________

(١) المهذب ١ / ٢٠٧.

(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ١٦٩.

(٣) الهداية ١ / ٧٣.

وَقَال الْكَاسَانِيُّ فِي بَابِ الزَّكَاةِ: حُكْمُ الْمُعَجَّل مِنَ الزَّكَاةِ، إِذَا لَمْ يَقَعْ زَكَاةً أَنَّهُ إِنْ وَصَل إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ يَكُونُ تَطَوُّعًا، سَوَاءٌ وَصَل إِلَى يَدِهِ مِنْ يَدِ رَبِّ الْمَال، أَوْ مِنْ يَدِ الإِْمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ وَهُوَ السَّاعِي؛ لأَِنَّهُ حَصَل أَصْل الْقُرْبَةِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لاَ يُحْتَمَل الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ وُصُولِهَا إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ. (١)

رَابِعًا - تَصْحِيحُ الْمَسَائِل فِي الْمِيرَاثِ:

٢٤ - تَصْحِيحُ مَسَائِل الْفَرَائِضِ: أَنْ تُؤْخَذَ السِّهَامُ مِنْ أَقَل عَدَدٍ يُمْكِنُ عَلَى وَجْهٍ لاَ يَقَعُ الْكَسْرُ عَلَى وَاحِدٍ مِنَ الْوَرَثَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِدُونِ الضَّرْبِ - كَمَا فِي صُورَةِ الاِسْتِقَامَةِ - أَوْ بَعْدَ ضَرْبِ بَعْضِ الرُّءُوسِ - كَمَا فِي صُورَةِ الْمُوَافَقَةِ - أَوْ فِي كُل الرُّءُوسِ - كَمَا فِي صُورَةِ الْمُبَايَنَةِ. (٢)

مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي تَصْحِيحِ الْمَسَائِل الْفَرْضِيَّةِ:

٢٥ - لِتَصْحِيحِ الْمَسَائِل الْفَرْضِيَّةِ قَوَاعِدُ يُكْتَفَى مِنْهَا بِمَا أَوْرَدَهُ عَنْهَا شَارِحُ السِّرَاجِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال: يَحْتَاجُ ذَلِكَ إِلَى سَبْعَةِ أُصُولٍ:

_________

(١) البدائع ٢ / ٥٠ - ٥٢.

(٢) شرح السراجية للشريف الجرجاني ٢١٣ ط الكردي بمصر وحاشية الفناري عليه.