الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
رَسُول اللَّهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ إِلَى أَنْ قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ (١) .
وَفِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلاَتَهُ قَال النَّبِيُّ ﷺ لَهُ: فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَل رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ (٢) .
قَال الإِْمَامُ الْبَغَوِيُّ ﵀: السُّنَّةُ فِي الرُّكُوعِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنْ يَضَعَ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيُفَرِّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيُسَوِّيَ ظَهْرَهُ وَعُنُقَهُ وَرَأْسَهُ (٣)
التَّسْوِيَةُ فِي إِعْطَاءِ الزَّكَاةِ بَيْنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ
٥ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ فِي الزَّكَاةِ بَيْنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الاِقْتِصَارِ عَلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، وَإِلَى جَوَازِ أَنْ يُعْطِيَهَا شَخْصًا وَاحِدًا مِنَ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، فَلاَ يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ - إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُوَزِّعُ - وَلاَ عَلَى الْمَالِكِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الأَْصْنَافِ، وَلاَ آحَادَ
_________
(١) حديث عائشة ﵂: " كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. . . . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٥٧ ط عيسى البابي) .
(٢) حديث المسيء صلاته " فإذا ركعت فاجعل. . . . . " أخرجه البخاري (٢ / ٢٧٧ ط السلفية) . وأحمد (٤ / ٦٤٠ ط المكتب الإسلامي) واللفظ له.
(٣) شرح السنة للبغوي ٣ / ٩٤.
كُل صِنْفٍ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا: ﴿
قَوْلُهُ ﷺ لِمُعَاذٍ ﵁: أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ (١) فَفِيهِ الأَْمْرُ بِرَدِّ جُمْلَتِهَا فِي الْفُقَرَاءِ، وَهُمْ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُمْ. ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالٌ فَجَعَلَهُ فِي صِنْفٍ ثَانٍ غَيْرِ الْفُقَرَاءِ، وَهُمُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: الأَْقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عِلاَقَةَ، وَزَيْدُ الْخَيْرِ. حَيْثُ قَسَمَ فِيهِمُ الذُّهَيْبَةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنَ الْيَمَنِ.
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْل الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ. وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ ﵁ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ لَهُ بِصَدَقَةِ قَوْمِهِ بِقَوْلِهِ ﵊: فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ (٢) . لَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنَ الأَْفْضَل فِي الْقِسْمَةِ أَنْ يُقَدَّمَ الأَْكْثَرُ حَاجَةً، فَالَّذِي يَلِيهِ. (٣)
_________
(١) حديث معاذ: " أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٢٢ ط السلفية) ومسلم (١ / ٥٠ ط عيسى البابي) .
(٢) حديث: " فانطلق إلى صاحب. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦١ ط عبيد الدعاس) . والترمذي (٣ / ٥٠٣ ط الحلبي) وقال: حديث حسن. وأخرجه الحاكم (٢ / ٢٠٣) وقال حديث صحيح على شرط مسلم.
(٣) البدائع ٢ / ٤٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٠، والقوانين الفقهية ص ١١٦، والمغني لابن قدامة ٢ / ٦٦٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣١.
فَعَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ إِذَا جَمَعَ صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، نَظَرَ مِنْهَا مَا كَانَ مَنِيحَةَ اللَّبَنِ، فَيُعْطِيهَا لأَِهْل بَيْتٍ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ مَا يَكْفِيهِمْ، وَكَانَ يُعْطِي الْعَشَرَةَ لِلْبَيْتِ الْوَاحِدِ ثُمَّ يَقُول: عَطِيَّةٌ تَكْفِي خَيْرٌ مِنْ عَطِيَّةٍ لاَ تَكْفِي (١) .
وَذَهَبَ الإِْمَامُ النَّخَعِيُّ ﵀ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَال كَثِيرًا يَحْتَمِل الأَْصْنَافَ قَسَمَهُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَازَ وَضْعُهُ فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ قَوْل عِكْرِمَةَ إِلَى وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ إِنْ كَانَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ هُوَ الَّذِي يَقْسِمُ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُ الأَْصْنَافِ فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ. وَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ إِنْ تَوَلَّى بِنَفْسِهِ الْقِسْمَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الأَْصْنَافَ السَّبْعَةَ غَيْرَ الْعَامِل إِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ، بِأَنْ سَهُل عَادَةً ضَبْطُهُمْ وَمَعْرِفَةُ عَدَدِهِمْ. وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلاَثَةٍ فَأَكْثَرَ مِنْ كُل صِنْفٍ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إِلَيْهِمُ الزَّكَوَاتِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَأَقَلُّهُ ثَلاَثَةٌ. (٢)
٦ - وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَْصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ سَوَاءٌ قَسَّمَ الإِْمَامُ أَوِ الْمَالِكُ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ
_________
(١) البدائع ٢ / ٤٦.
(٢) تحفة المحتاج ٧ / ١٦٩، ومغني المحتاج ٣ / ١١٦، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣١.
بَعْضِهِمْ أَشَدَّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ ﷾ جَمَعَ بَيْنَهُمْ بِوَاوِ التَّشْرِيكِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونُوا سَوَاءً. (١)
وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ مِنَ الزَّكَاةِ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَْجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ. (٢)
٧ - كَمَا يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، إِذَا كَانَتْ حَاجَاتُهُمْ مُتَسَاوِيَةً، لأَِنَّ عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ فَتَلْزَمُهُ التَّسْوِيَةُ؛ وَلأَِنَّهُ نَائِبُهُمْ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيل. أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَاتُهُمْ فَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاعِيَهَا.
وَلاَ يَجِبُ عَلَى الْمَالِكِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْحَاجَاتِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّفَاوُتُ، لَكِنْ يُسَنُّ لَهُ التَّسْوِيَةُ إِنْ تَسَاوَتْ حَاجَاتُهُمْ، فَإِنْ تَفَاوَتَتِ اسْتُحِبَّ التَّفَاوُتُ بِقَدْرِهَا. (٣)
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) حديث: " إن الله لم يرض بحكم نبي. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٨١ ط عبيد الدعاس) . قال الهيثمي: فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف، وقد وثقه أحمد بن صالح ورد على من تكلم فيه. وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد ٥ / ٢٠٤ ط دار الكتاب العربي) وضعفه السيوطي (فيض القدير ٢ / ٢٥٣ ط المكتبة التجارية) .
(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٦٦٩، وتحفة المحتاج ٧ / ١٧٢، ومغني المحتاج ٣ / ١١٧، وروضة الطالبين ٢ / ٣٣٠.
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْقَسْمِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَسْمَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُل وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا، لأَِنَّ مِنْ مَقَاصِدِ الْقَسْمِ الأُْنْسَ، وَهُوَ حَاصِلٌ مِمَّنْ لاَ يَطَأُ. فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَل يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ، وَيَقُول: أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ (١) .
وَيَقْسِمُ لِلْمَرِيضَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالنُّفَسَاءِ، وَالرَّتْقَاءِ، وَالْقَرْنَاءِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَمَنْ آلَى مِنْهَا أَوْ ظَاهَرَ، وَالشَّابَّةِ، وَالْعَجُوزِ، وَالْقَدِيمَةِ، وَالْحَدِيثَةِ. (٢)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لاَ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (٣) الآْيَةَ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْدِل بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسْمِ وَيَقُول: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تُؤَاخِذُنِي فِيمَا تَمْلِكُ أَنْتَ وَلاَ أَمْلِكُ. (٤)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) حديث: " أين أنا غدا " أخرجه البخاري (الفتح ٨ / ١٤٤ ط السلفية) .
(٢) البدائع ٢ / ٣٣٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٢٨، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٢.
(٣) سورة النساء / ٣.
(٤) حديث: " كان يعدل بين نسائه في القسمة ويقول:. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٠٠ ط عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٤٣٧ ط مصطفى البابي) وهو مرسل كما قال الترمذي والبغوي في شرح السنة (٩ / ١٥١ ط المكتب الإسلامي) .
أَنَّهُ قَال: مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ، فَمَال إِلَى إِحْدَاهُمَا دُونَ الأُْخْرَى، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ. (١)
وَيُسَوِّي فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالْكِتَابِيَّةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلاَئِل مِنْ غَيْرِ فَضْلٍ، وَلأَِنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ فِي سَبَبِ وُجُوبِ الْقَسْمِ وَهُوَ النِّكَاحُ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْقَسْمِ. (٢)
وَتَفْصِيل الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَفِي بَدْءِ الْقَسْمِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَرُوسُ عِنْدَ الدُّخُول وَغَيْرِ ذَلِكَ، يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ) .
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي التَّقَاضِي:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْل بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي كُل شَيْءٍ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَالْخِطَابِ، وَاللَّحْظِ، وَاللَّفْظِ، وَالإِْشَارَةِ، وَالإِْقْبَال، وَالدُّخُول عَلَيْهِ، وَالإِْنْصَاتِ إِلَيْهِمَا، وَالاِسْتِمَاعِ مِنْهُمَا، وَالْقِيَامِ لَهُمَا، وَرَدِّ التَّحِيَّةِ عَلَيْهِمَا، وَطَلاَقَةِ الْوَجْهِ لَهُمَا؛ لِلأَْحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مِنْهَا:
_________
(١) حديث: " من كان له امرأتان فمال إلى. . . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٠٠ ط عبيد الدعاس) والترمذي (٣ / ٤٣٨ ط مصطفى البابي) وصحح ابن حجر إسناده (التلخيص الحبير ٣ / ٢٠١ ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) البدائع ٢ / ٣٣٢، وجواهر الإكليل ١ / ٣٢٧، ومغني المحتاج ٣ / ٢٥٤، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٥.
قَوْلُهُ ﷺ: مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلْيَعْدِل بَيْنَهُمْ فِي لَفْظِهِ وَإِشَارَتِهِ وَمَقْعَدِهِ، وَلاَ يَرْفَعْ صَوْتَهُ عَلَى أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ مَا لاَ يَرْفَعُهُ عَلَى الآْخَرِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلْيُسَوِّ بَيْنَهُمْ فِي النَّظَرِ وَالْمَجْلِسِ وَالإِْشَارَةِ (١)
وَكَتَبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁ أَنْ آسِ بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وَعَدْلِكَ وَمَجْلِسِكَ، حَتَّى لاَ يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ، وَلاَ يَيْأَسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ.
وَلأَِنَّ مُخَالَفَةَ ذَلِكَ يُوهِمُ الْخَصْمَ الآْخَرَ مَيْل الْقَاضِي إِلَى خَصْمِهِ، فَيُضْعِفُهُ ذَلِكَ عَنِ الْقِيَامِ بِحُجَّتِهِ، وَلاَ يُسَارُّ أَحَدَهُمَا دُونَ الآْخَرِ، وَلاَ يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلاَ يَضْحَكُ فِي وَجْهِهِ؛ لأَِنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُخَالَفَةً لِلْمُسَاوَاةِ الْمَطْلُوبَةِ.
وَيَشْمَل هَذَا الشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ وَالأَْبَ وَالاِبْنَ، وَالصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالرَّجُل وَالْمَرْأَةَ (٢)
_________
(١) حديث: " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل. . . " أخرجه البيهقي (١٠ / ١٣٥ ط دار المعرفة) والدارقطني (٤ / ٥٠٢ ط المدني) . وقال البيهقي: إسناده فيه ضعف (١٠ / ١٣٥ ط دار المعرفة) . ولفظ الرواية الأخرى قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٤ / ١٩٧): رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير باختصار، وفيه عماد بن كثير الثقفي وهو ضعيف.
(٢) فتح القدير ٦ / ٣٧٣، والقوانين الفقهية ص ٣٠٠، مغني المحتاج ٤ / ٤٠٠، وروضة الطالبين ١١ / ١٦١، والمغني لابن قدامة ٩ / ٨٠، وحاشية الطحطاوي على الدر ٣ / ١٨٤.
كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ الأَْوَّل فَالأَْوَّل، إِذَا حَضَرَ الْقَاضِي خُصُومٌ وَازْدَحَمُوا؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لِلسَّابِقِ، فَإِنْ جَهِل الأَْسْبَقَ مِنْهُمْ، أَوْ جَاءُوا مَعًا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَقَدَّمَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ؛ إِذْ لاَ مُرَجِّحَ إِلاَّ بِهَا. فَإِنْ حَضَرَ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ: فَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لاَ يَضُرُّ تَقْدِيمُهُمْ عَلَى الْمُقِيمِينَ قَدَّمَهُمْ؛ لأَِنَّهُمْ عَلَى جَنَاحِ السَّفَرِ؛ وَلِئَلاَّ يَتَضَرَّرُوا بِالتَّخَلُّفِ. وَكَذَلِكَ النِّسْوَةُ يُقَدَّمْنَ عَلَى الرِّجَال طَلَبًا لِسَتْرِهِنَّ مَا لَمْ يَكْثُرْ عَدَدُهُنَّ أَيْضًا.
١٠ - وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ تَسْوِيَةِ الْمُسْلِمِ مَعَ خَصْمِهِ الْكَافِرِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى وُجُوبِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي كُل الأُْمُورِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا؛ لأَِنَّ تَفْضِيل الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ وَرَفْعَهُ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَسْرٌ لِقَلْبِهِ، وَتَرْكٌ لِلْعَدْل الْوَاجِبِ التَّطْبِيقِ بَيْنَ النَّاسِ جَمِيعًا.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى جَوَازِ رَفْعِ الْمُسْلِمِ عَلَى خَصْمِهِ الْكَافِرِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى السُّوقِ، فَوَجَدَ دِرْعَهُ مَعَ يَهُودِيٍّ، فَعَرَفَهَا فَقَال: دِرْعِي سَقَطَتْ وَقْتَ كَذَا فَقَال الْيَهُودِيُّ: دِرْعِي وَفِي يَدَيَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَاضِي الْمُسْلِمِينَ. فَارْتَفَعَا إِلَى شُرَيْحٍ ﵁، فَلَمَّا رَآهُ شُرَيْحٌ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأَجْلَسَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَجَلَسَ مَعَ الْيَهُودِيِّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَال
عَلِيٌّ: إِنَّ خَصْمِيَ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَجَلَسْتُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، (١) وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ (٢) اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ يَا شُرَيْحٌ.
وَلِحَدِيثِ: الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى (٣)
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَْوْلاَدِ فِي الْعَطِيَّةِ
١١ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأَْوْلاَدِ فِي الْعَطِيَّةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَايَا مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً.
لأَِنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ فَضَّل عَائِشَةَ ﵂ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَوْلاَدِهِ فِي هِبَةٍ، وَفَضَّل عُمَرُ ﵁ ابْنَهُ عَاصِمًا بِشَيْءٍ مِنَ الْعَطِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَوْلاَدِهِ.
وَلأَِنَّ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ
_________
(١) حاشية الطحطاوي على الدر المختار ٣ / ١٨٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٥، ومغني المحتاج ٤ / ٤٠٠، والمغني لابن قدامة ٩ / ٨٢.
(٢) حديث: " لا تساووهم في المجالس " أخرجه البيهقي (١٠ / ١٣٦ ط دار المعرفة) وضعفه. وكذلك ابن حجر في تلخيص الحبير (٤ / ١٩٢ ط المدني) .
(٣) حديث: " الإسلام يعلو ولا يعلى " أخرجه الدارقطني (٣ / ٢٥٢ ط المدني) والبيهقي (٦ / ٢٠٥ ط دار المعرفة) . وعلقه البخاري (٣ / ٢١٨ ط السلفية) وحسن ابن حجر إسناده.
النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي (١) مَا يَدُل عَلَى الْجَوَازِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ، وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْمُبَارَكِ، وَطَاوُسٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ ﵀: إِلَى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الأَْوْلاَدِ فِي الْهِبَةِ. فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّةٍ، أَوْ فَاضَل بَيْنَهُمْ فِيهَا أَثِمَ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا رَدُّ مَا فَضَّل بِهِ الْبَعْضَ، وَإِمَّا إِتْمَامُ نَصِيبِ الآْخَرِ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَال: وَهَبَنِي أَبِي هِبَةً. فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ ﵂: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَأَتَى رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: إِنَّ أُمَّ هَذَا أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لاِبْنِهَا، فَقَال ﷺ يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَال: نَعَمْ. قَال: كُلُّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْل هَذَا؟ قَال: لاَ. قَال: فَأَرْجِعْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ قَال: اتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ. إِنَّ لِبَنِيكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِل بَيْنَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي (٢) .
_________
(١) حديث: " فأشهد على هذا غيري " أخرجه مسلم (٣ / ١٢٤٣ ط الحلبي) .
(٢) حديث: " فأرجعه " وفي رواية " اتقوا الله واعدلوا " أخرجه البخاري (٥ / ٢١١ ط السلفية) . ومسلم (٣ / ١٢٤١ ط عيسى الحلبي) . والرواية الثانية والرابعة عند مسلم (٣ / ١٢٤٣ ط الحلبي)، والرواية الثالثة عند البخاري (الفتح ٥ / ٢١١ ط السلفية) . والحديث عند أحمد (٤ / ٢٦٩ ط المكتب الإسلامي) بلفظ: " قال: لا. قال: فلا تشهدني إذا. إني لا أشهد على جور، إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم ".