الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ الْخَاتَمُ بِفَصٍّ وَبِغَيْرِ فَصٍّ، وَأَضَافَ النَّوَوِيُّ: وَيُجْعَل الْفَصُّ مِنْ بَاطِنِ كَفِّهِ أَوْ ظَاهِرِهَا، وَبَاطِنُهَا أَفْضَل لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ. وَقَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَيُسَنُّ جَعْل فَصِّ الْخَاتَمِ دَاخِل الْكَفِّ. (١)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلرَّجُل جَعْل فَصِّ خَاتَمِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ وَلِمُسْلِمٍ كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا.
وَقَالُوا: يُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنَ الذَّهَبِ فَصُّ خَاتَمٍ إِذَا كَانَ يَسِيرًا. . . اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَمَجْدُ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ مَيْل ابْنِ رَجَبٍ، قَال فِي الإِْنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: يَسِيرُ الذَّهَبِ التَّابِعُ لِغَيْرِهِ كَالطِّرَازِ وَنَحْوِهِ جَائِزٌ فِي الأَْصَحِّ مِنْ مَذْهَبِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ
وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الآْنِيَةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: الأَْفْضَل أَنْ يَجْعَل الرَّجُل فَصَّ الْخَاتَمِ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ: " كَانَ يَفْعَل ذَلِكَ " (٢) وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄
_________
(١) المجموع ٤ / ٤٦٣، وقليوبي وعميرة ٢ / ٢٤
(٢) حديث: " جعل النبي ﷺ فص الخاتم. . . " أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ " أن رسول الله ﷺ لبس خاتم فضة في يمينه، فيه فص حبشي، كان يجعل فصه مما يلي كفه ". (صحيح مسلم ٣ / ١٦٥٨ ط الحلبي)
وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ. (١)
تَاسِعًا: تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ فِي الْوُضُوءِ:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ أَثْنَاءَ غَسْل الْيَدِ، إِنْ كَانَ ضَيِّقًا وَلاَ يُعْلَمُ وُصُول مَاءِ الْوُضُوءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، فَإِنْ كَانَ الْخَاتَمُ وَاسِعًا، أَوْ كَانَ ضَيِّقًا وَعَلِمَ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ فَإِنَّ تَحْرِيكَهُ لاَ يَجِبُ، بَل يَكُونُ مُسْتَحَبًّا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ تَحْوِيل خَاتَمِ الْمُتَوَضِّئِ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَوْ كَانَ ضَيِّقًا إِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ، وَعَلَى الْمُتَوَضِّئِ إِزَالَةُ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِنْ كَانَ يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ وَإِلاَّ فَلاَ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ بِإِزَالَةِ مَا يَمْنَعُ وُصُول الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ خَاصًّا بِالْخَاتَمِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، بَل هُوَ عَامٌّ فِي كُل حَائِلٍ كَشَمْعٍ وَزِفْتٍ وَوَسَخٍ. (٢)
عَاشِرًا: تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ فِي الْغُسْل:
١٧ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: مِمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْغُسْل
_________
(١) كشاف القناع ٢ / ٢٣٦، ومطالب أولي النهى ٢ / ٩٣
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٨٦، وجواهر الإكليل ١ / ١٤، وقليوبي وعميرة ١ / ٤٩، ومسائل الإمام أحمد ص ٨
الْمُجْزِئُ أَنْ يُعَمِّمَ بَدَنَهُ بِالْغَسْل، حَتَّى مَا تَحْتَ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، فَيُحَرِّكُهُ لِيَتَحَقَّقَ وُصُول الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهُ، وَلَوْ كَانَ الْخَاتَمُ ضَيِّقًا لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهُ نَزَعَهُ وُجُوبًا.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِ الْجَسَدِ فِي الْغُسْل، وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَلاَ يَلْزَمُ تَحْرِيكُهُ، كَالْوُضُوءِ. كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ خِلاَفًا لاِبْنِ رُشْدٍ (١) .
حَادِي عَشَرَ: نَزْعُ الْخَاتَمِ فِي التَّيَمُّمِ:
١٨ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ التَّيَمُّمَ نَزْعُ خَاتَمِهِ لِيَصِل التُّرَابُ إِلَى مَا تَحْتَهُ عِنْدَ الْمَسْحِ، وَلاَ يَكْفِي تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ؛ لأَِنَّ التُّرَابَ كَثِيفٌ لاَ يَسْرِي إِلَى مَا تَحْتَ الْخَاتَمِ بِخِلاَفِ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ بِالْمَسْحِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ فَيَنْزِعَ الْخَاتَمَ أَوْ يُحَرِّكَهُ (٢) .
ثَانِيَ عَشَرَ: الْعَبَثُ بِالْخَاتَمِ فِي الصَّلاَةِ:
١٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْعَبَثَ فِي الصَّلاَةِ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٠٤، والخرشي ١ / ١٦٦، ومغني المحتاج ١ / ٧٣، وكشاف القناع ١ / ١٥٥
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ١٠١، وكشاف القناع ١ / ١٧٨
مَكْرُوهٌ، وَالْعَبَثُ: هُوَ كُل فِعْلٍ لَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْمُصَلِّي، وَمِنْهُ كَفُّهُ لِثَوْبِهِ وَعَبَثُهُ بِهِ وَبِجَسَدِهِ وَبِالْحَصَى وَبِالْخَاتَمِ، وَتَفْصِيلُهُ وَالْخِلاَفُ فِيهِ يُنْظَرُ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُبْطِلاَتِ. (١)
ثَالِثَ عَشَرَ: التَّخَتُّمُ فِي الإِْحْرَامِ:
٢٠ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ التَّخَتُّمَ بِخَاتَمِهِ حَال إِحْرَامِهِ؛ لأَِنَّ التَّخَتُّمَ لَيْسَ لُبْسًا وَلاَ تَغْطِيَةً، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: أَوْثِقُوا عَلَيْكُمْ نَفَقَاتِكُمْ - أَيْ بِشَدِّ الْهِمْيَانِ فِي الْوَسَطِ وَفِيهِ كِيسُ النَّفَقَةِ - وَرَخَّصَ فِي الْخَاتَمِ وَالْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي الإِْحْرَامِ وَلَوْ فِضَّةً زِنَتُهُ دِرْهَمَانِ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ إِنْ طَال. (٢)
رَابِعَ عَشَرَ: زَكَاةُ الْخَاتَمِ:
٢١ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ - وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْحِلْيَةَ الْمُبَاحَةَ - وَمِنْهَا
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٤٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ٥٥، وقليوبي وعميرة ١ / ١٩٠، ومغني المحتاج ١ / ١٩٩، وكشاف القناع ١ / ٢٧٢
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٦٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٨٦، وقليوبي وعميرة ١ / ٥١٨، والمغني ٣ / ٣٠٥
خَاتَمُ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ لِلْمَرْأَةِ، وَخَاتَمُ الْفِضَّةِ الْمُبَاحِ لِلرَّجُل - لاَ زَكَاةَ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إِلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَعَوَامِل الْمَاشِيَةِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ الْمُبَاحِ لِلرَّجُل الزَّكَاةُ - بِشَرْطِ النِّصَابِ - لأَِنَّ الْفِضَّةَ خُلِقَتْ ثَمَنًا، فَيُزَكِّيهَا كَيْفَ كَانَتْ (١) . وَتَفْصِيلُهُ فِي الزَّكَاةِ
خَامِسَ عَشَرَ: دَفْنُ الْخَاتَمِ مَعَ الشَّهِيدِ وَغَيْرِهِ:
٢٢ - يُنْزَعُ عَنِ الْمَيِّتِ قَبْل دَفْنِهِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ خَاتَمٍ وَغَيْرِهِ (٢) لأَِنَّ دَفْنَهُ مَعَ الْمَيِّتِ إِضَاعَةٌ لِلْمَال، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. أَمَّا الشَّهِيدُ فَقَدِ اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُنْزَعُ عَنْهُ عِنْدَ دَفْنِهِ الْجِلْدُ وَالسِّلاَحُ وَالْفَرْوُ وَالْحَشْوُ وَالْخُفُّ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَكُل مَا لاَ يُعْتَادُ لُبْسُهُ غَالِبًا، وَالْخَاتَمُ مِثْل هَذِهِ بَل أَوْلَى؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ (٣) وَلأَِنَّ مَا يُتْرَكُ عَلَى الشَّهِيدِ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٢٨، وقليوبي وعميرة ٢ / ٢٣، والمغني ٣ / ١٥
(٢) كشاف القناع ٢ / ٩٧
(٣) حديث ابن عباس أن النبي ﷺ " أمر بقتلى أحد. . . " أخرجه أبو داود وابن ماجه واللفظ له، قال الشوكاني: في إسنادهما علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة، وعطاء بن السائب وفيه مقال. (سنن أبي داود ٣ / ٤٩٨ ط عزت عبيد دعاس، وسنن ابن ماجه ١ / ٤٨٥ ط الحلبي، ونيل الأوطار ٤ / ٦١ ط دار الجيل)
يُتْرَكُ لِيَكُونَ كَفَنًا، وَالْكَفَنُ مَا يُلْبَسُ لِلسَّتْرِ، وَالْخَاتَمُ لاَ يُلْبَسُ لِلسَّتْرِ فَيُنْزَعُ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: نُدِبَ دَفْنُ الشَّهِيدِ بِخُفٍّ وَقَلَنْسُوَةٍ وَمِنْطَقَةٍ قَل ثَمَنُهَا، وَبِخَاتَمٍ قَل فَصُّهُ أَيْ قِيمَتُهُ، فَلاَ يُنْزَعُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَفِيسَ الْفَصِّ (١) .
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٦١٠، وبدائع الصنائع ١ / ٣٢٤، ومغني المحتاج ١ / ٣٥١، وكشاف القناع ٢ / ٩٧ - ٢ / ٩٩، وجواهر الإكليل ١ / ١١٥
تَخْدِيرٌ
التَّعْرِيفُ
١ - الْخَدَرُ - بِالتَّحْرِيكِ - اسْتِرْخَاءٌ يَغْشَى بَعْضَ الأَْعْضَاءِ أَوِ الْجَسَدَ كُلَّهُ. وَالْخَدَرُ: الْكَسَل وَالْفُتُورُ.
وَخَدَّرَ الْعُضْوَ تَخْدِيرًا: جَعَلَهُ خَدِرًا، وَحَقَنَهُ بِمُخَدِّرٍ لإِزَالَةِ إِحْسَاسِهِ
وَيُقَال: خَدَّرَهُ الشَّرَابُ وَخَدَّرَهُ الْمَرَضُ
وَالْمُخَدِّرُ: مَادَّةٌ تُسَبِّبُ فِي الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِقْدَانَ الْوَعْيِ بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، كَالْبَنْجِ وَالْحَشِيشِ وَالأَْفْيُونِ، وَالْجَمْعُ مُخَدِّرَاتٌ، وَهِيَ مُحْدَثَةٌ (١)
. وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلتَّخْدِيرِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّفْتِيرُ:
٢ - فَتَرَ عَنِ الْعَمَل فُتُورًا: انْكَسَرَتْ حِدَّتُهُ وَلاَنَ بَعْدَ شِدَّتِهِ، وَمِنْهُ: فَتَرَ الْحَرُّ إِذَا انْكَسَرَ، (٢)
_________
(١) لسان العرب وتاج العروس والوسيط مادة: " خدر "
(٢) المصباح المنير " فتر "
فَيَكُونُ التَّفْتِيرُ تَكْسِيرًا لِلْحِدَةِ، وَتَلْيِينًا بَعْدَ الشِّدَّةِ. وَعَلَى هَذَا فَالتَّفْتِيرُ أَعَمُّ مِنَ التَّخْدِيرِ؛ إِذِ التَّخْدِيرُ نَوْعٌ مِنَ التَّفْتِيرِ.
ب - الإِْغْمَاءُ:
٣ - أُغْمِيَ عَلَيْهِ: عَرَضَ لَهُ مَا أَفْقَدَهُ الْحِسَّ وَالْحَرَكَةَ. وَالإِْغْمَاءُ: فُتُورٌ غَيْرُ أَصْلِيٍّ يُزِيل عَمَل الْقُوَى لاَ بِمُخَدِّرٍ.
فَالتَّخْدِيرُ مُبَايِنٌ لِلإِْغْمَاءِ. (١)
ج - الإِْسْكَارُ:
٤ - أَسْكَرَهُ الشَّرَابُ أَزَال عَقْلَهُ، فَالإِْسْكَارُ: إِزَالَةُ الشَّرَابِ لِلْعَقْل دُونَ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ، فَيَكُونُ التَّخْدِيرُ أَعَمَّ مِنَ الإِْسْكَارِ. (٢)
وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى لَهَا صِلَةٌ بِالتَّخْدِيرِ كَالْمُفْسِدِ
وَالْمُرَقِّدِ. قَال الْحَطَّابُ: فَائِدَةٌ تَنْفَعُ الْفَقِيهَ، يَعْرِفُ بِهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْكِرِ وَالْمُفْسِدِ وَالْمُرَقِّدِ، فَالْمُسْكِرُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ، وَالْمُفْسِدُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل دُونَ الْحَوَاسِّ لاَ مَعَ نَشْوَةٍ وَفَرَحٍ كَعَسَل الْبَلاَدِرِ، وَالْمُرَقِّدُ: مَا غَيَّبَ الْعَقْل وَالْحَوَاسَّ كَالسَّكْرَانِ (٣) .
_________
(١) المعجم الوسيط، والتعريفات للجرجاني
(٢) المصباح المنير مادة: " سكر "
(٣) الحطاب ١ / ٩٠، والفتاوى الكبرى الفقهية ٤ / ٢٣١
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الْمُخَدِّرَاتُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَخْتَلِفُ لاِخْتِلاَفِ أُصُولِهَا الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْهَا.
وَتَنَاوُل الْمُخَدِّرَاتِ كَالْحَشِيشَةِ (١) وَالأَْفْيُونِ (٢) وَالْقَاتِّ (٣) وَالْكُوكَايِينِ (٤) وَالْبَنْجِ (٥) وَالْكُفْتَةِ (٦)
_________
(١) الحشيشة: يطلق هذا اللفظ غالبا في الشرق على مادة مخدرة تحضر من نبات القنب، وتستعمل الأجزاء المختلفة من النبات لتحضير مستحضرات تسمى بأسماء مختلفة، مثل البانج والكراسي والجنجا والكيف. قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة السادسة من الهجرة والموسوعة العربية الميسرة ص ٧٢١)
(٢) الأفيون: يطلق على العصارة اللبنية المجففة التي تجنى من تشقق ثمر الخشخاش غير الناضج، ويحتوي الأفيون على قلويات كثيرة أهمها المورفين والكوريين والبابفرين والشيابين وغيرها. (المعجم الوسيط (أفن)، والموسوعة العربية الميسرة ص ١٨٣، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩٥ ط بولاق)
(٣) القات: نبات من الفصيلة السلسترية، يزرع لأوراقه التي تمضغ خضراء، قليله منبه، وكثيره مخدر، موطنه الحبشة، ويزرع بكثرة في اليمن ويسمى شاي العرب. (المعجم الوسيط، والمنجد، والموسوعة العربية الميسرة ص ١٣٥٩)
(٤) الكوكايين: أحد قلويات أوراق الكوكا، يستعمل في الطب كمخدر موضعي، وبعض الناس يستعملونه لطرق غير مشروعة، واستمرار استعماله يحدث خمولا في الجهاز العصبي يؤدي إلى الجنون. (الموسوعة العربية الميسرة ص ١٥٠٦)
(٥) البنج: نبات سام من الفصيلة الباذنجانية، ويستعمل في الطب للتخدير، (المعجم الوسيط والمنجد مادة: " بنج ".)
(٦) الكفتة: نبات له تأثير كتأثير القات. (الفتاوى الفقهية الكبرى ٤ / ٢٢٥)
وَجَوْزَةِ الطِّيبِ (١) وَالْبُرْشِ (٢) وَغَيْرِهَا بِالْمَضْغِ أَوِ التَّدْخِينِ أَوْ غَيْرِهِمَا يَنْتُجُ عَنْهُ تَغْيِيبُ الْعَقْل، وَقَدْ يُؤَدِّي إِلَى الإِْدْمَانِ، مِمَّا يُسَبِّبُ تَدَهْوُرًا فِي عَقْلِيَّةِ الْمُدْمِنِينَ وَصِحَّتِهِمْ، وَتَغَيُّرِ الْحَال الْمُعْتَدِلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ.
قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كُل مَا يُغَيِّبُ الْعَقْل فَإِنَّهُ حَرَامٌ، وَإِنْ لَمْ تَحْصُل بِهِ نَشْوَةٌ وَلاَ طَرَبٌ، فَإِنَّ تَغْيِيبَ الْعَقْل حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، أَيْ إِلاَّ لِغَرَضٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا. (٣)
٦ - وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى حُرْمَةِ تَنَاوُل الْمُخَدِّرَاتِ الَّتِي تَغْشَى الْعَقْل، وَلَوْ كَانَتْ لاَ تُحْدِثُ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ الَّتِي لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا الْمُسْكِرُ الْمَائِعُ.
وَكَمَا أَنَّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حَرُمَ قَلِيلُهُ مِنَ الْمَائِعَاتِ، كَذَلِكَ يَحْرُمُ مُطْلَقًا مَا يُخَدِّرُ مِنَ الأَْشْيَاءِ الْجَامِدَةِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَقْل أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ.
وَذَلِكَ إِذَا تَنَاوَل قَدْرًا مُضِرًّا مِنْهَا. دُونَ مَا يُؤْخَذُ مِنْهَا مِنْ أَجْل الْمُدَاوَاةِ؛ لأَِنَّ حُرْمَتَهَا لَيْسَتْ لِعَيْنِهَا، بَل لِضَرَرِهَا.
٧ - وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ تَنَاوُل الْبَنْجِ وَالْحَشِيشَةِ
_________
(١) جوزة الطيب: وسمي بذلك لعطريته ودخوله في الأطياب، وهو ثمر شجرة في عظم شجرة الرمان. (التذكرة لداود الأنطاكي ١ / ١٠١ ط محمد على صبيح)
(٢) البرش: وهو مركب من الأفيون والبنج. (تذكرة داود الأنطاكي ١ / ٦٦)
(٣) مجموعة فتاوى ابن تيمية ٣٤ / ١٩٨، ٢٠٤، ٢١١