الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 5

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ خَاتَمٌ شِبْهُ - نُحَاسٍ أَصْفَرَ - فَقَال لَهُ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَْصْنَامِ (١) فَطَرَحَهُ. ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ فَقَال: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْل النَّارِ فَطَرَحَهُ. فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَال: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالًا (٢) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ التَّخَتُّمَ بِالْجِلْدِ وَالْعَقِيقِ وَالْقَصْدِيرِ وَالْخَشَبِ جَائِزٌ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّهُ يُبَاحُ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَالْفَيْرُوزِ وَاللُّؤْلُؤِ، أَمَّا الْعَقِيقُ فَقِيل: يُسْتَحَبُّ تَخَتُّمُهُمَا

_________

(١) من حيث أن ذلك الخاتم من جنس ما قد يتخذ منه الصنم

(٢) حديث: " إن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم شبه. . . . " أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي. وقال: هذا حديث غريب. وصححه ابن حبان قال ابن حجر: في سنده أبو طيبة، قال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به، قال ابن حبان في الثقات: يخ (سنن أبي داود ٤ / ٤٢٨ ط عزت عبيد دعاس، وتحفة الأحوذي ٥ / ٤٨٣، ٤٨٤ نشر السلفية، وسنن النسائي ٨ / ١٧٢ ط المطبعة المصرية بالأزهر، وموارد الظمآن ص ٣٥٣ نشر دار الكتب العلمية، وفتح الباري ١٠ / ٣٢٣ ط السلفية، وعمدة القاري ٢٢ / ٣٣ ط المنيرية، وشرح السنة للبغوي ٩ / ١٢٠، ١٢١) .

بِهِ، وَقِيل: يُبَاحُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ لِمَا فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَقَدْ سُئِل الإِْمَامُ أَحْمَدُ: مَا السُّنَّةُ؟ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إِلاَّ مِنَ الْفِضَّةِ. قَال صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ: الدُّمْلُجُ فِي مَعْنَى الْخَاتَمِ. (١)

وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي التَّخَتُّمِ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

وَالْحَاصِل كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْفِضَّةِ حَلاَلٌ لِلرِّجَال بِالْحَدِيثِ، وَبِالذَّهَبِ وَالْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ حَرَامٌ عَلَيْهِمُ بِالْحَدِيثِ، وَبِالْحَجَرِ حَلاَلٌ عَلَى اخْتِيَارِ شَمْسِ الأَْئِمَّةِ وَقَاضِي خَانْ أَخْذًا مِنْ قَوْل الرَّسُول وَفِعْلِهِ ﷺ؛ لأَِنَّ حِل الْعَقِيقِ لَمَّا ثَبَتَ بِهِمَا ثَبَتَ حِل سَائِرِ الأَْحْجَارِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ حَجَرٍ وَحَجَرٍ، وَحَرَامٌ عَلَى اخْتِيَارِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي أَخْذًا مِنْ عِبَارَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَلاَ يَتَخَتَّمُ إِلاَّ بِالْفِضَّةِ. فَإِنَّهَا يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ الْقَصْرُ فِيهَا بِالإِْضَافَةِ إِلَى الذَّهَبِ، وَلاَ يَخْفَى مَا بَيْنَ الْمَأْخَذَيْنِ مِنَ التَّفَاوُتِ. (٢)

وَاخْتَلَفَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا فِي التَّخَتُّمِ بِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْمَجْمُوعِ طَرَفٌ مِنْ هَذَا الْخِلاَفِ، وَهُوَ: قَال صَاحِبُ الإِْبَانَةِ: يُكْرَهُ

_________

(١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٥٧ - ٣٥٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٩٤ - ٩٥، كشاف القناع ٢ / ٢٣٧

(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٢٩ - ٢٣٠

الْخَاتَمُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ شَبَهٍ - نَوْعٍ مِنَ النُّحَاسِ - وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ، وَأَضَافَ إِلَيْهِمَا الْخَاتَمَ مِنْ رَصَاصٍ، وَقَال صَاحِبُ التَّتِمَّةِ: لاَ يُكْرَهُ الْخَاتَمُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ لِحَدِيثِ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا، فَفِيهِ قَوْلُهُ لِلَّذِي أَرَادَ تَزَوُّجَهَا: انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ (١) .

وَفِي حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيِّ: وَلاَ بَأْسَ بِلُبْسِ غَيْرِ الْفِضَّةِ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ. (٢)

رَابِعًا: مَوْضِعُ التَّخَتُّمِ:

١١ - لَمْ يَخْتَلِفِ الْفُقَهَاءُ فِي مَوْضِعِ التَّخَتُّمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ؛ لأَِنَّهُ تَزَيُّنٌ فِي حَقِّهَا، وَلَهَا أَنْ تَضَعَ خَاتَمَهَا فِي أَصَابِعِ يَدَيْهَا أَوْ رِجْلَيْهَا أَوْ حَيْثُ شَاءَتْ.

وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعِ التَّخَتُّمِ لِلرَّجُل، بَل إِنَّ فُقَهَاءَ بَعْضِ الْمَذَاهِبِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ:

فَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَخَتُّمُ الرَّجُل فِي خِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى، دُونَ سَائِرِ أَصَابِعِهِ، وَدُونَ الْيُمْنَى.

وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْعَل خَاتَمَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى،

وَسَوَّى الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ؛ لأَِنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ

_________

(١) حديث: " انظر ولو خاتما من حديد ". أخرجه البخاري ضمن حديث طويل (فتح الباري ٩ / ١٣١ ط السلفية)

(٢) المجموع ٤ / ٤٦٤، وقليوبي وعميرة ٢ / ٢٤

الرِّوَايَاتُ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَقَوْل بَعْضِهِمْ: إِنَّهُ فِي الْيَمِينِ مِنْ عَلاَمَاتِ أَهْل الْبَغْيِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّ النَّقْل الصَّحِيحَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْفِي ذَلِكَ. (١)

وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ التَّخَتُّمُ فِي الْيَسَارِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ، وَجَعْل الْخَاتَمِ فِي الْخِنْصَرِ، وَكَانَ مَالِكٌ يَلْبَسُهُ فِي يَسَارِهِ، قَال أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ: صَحَّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ وَفِي يَسَارِهِ، وَاسْتَقَرَّ الأَْكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، فَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ مَكْرُوهٌ، وَيَتَخَتَّمُ فِي الْخِنْصَرِ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ أَتَتِ السُّنَّةُ عَنْهُ ﷺ وَالاِقْتِدَاءُ بِهِ حَسَنٌ. وَلأَِنَّ كَوْنَهُ فِي الْيَسَارِ أَبْعَدُ عَنِ الإِْعْجَابِ. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل لُبْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ فِي خِنْصَرِ يَمِينِهِ، وَإِنْ شَاءَ فِي خِنْصَرِ

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٣٠. وحديث: " تختم النبي ﷺ في يده اليمنى ". أخرجه البغوي بإسناده عن أنس ﵁ بلفظ " إن النبي ﷺ كان يتختم في يمينه، ويجعل فصه في باطن كفه " وقال شعيب الأرناؤوط محقق شرح السنة: إسناده حسن. (شرح السنة للبغوي ١٢ / ٦ وحديث: " تختم النبي ﷺ في يده اليسرى " أخرجه مسلم من حديث أنس ﵁ بلفظ " كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى " (صحيح مسلم ٣ / ١٦٥٩ ط الحلبي)

(٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٦٠

يَسَارِهِ، كِلاَهُمَا صَحَّ فِعْلُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ فِي الْيَمِينِ أَفْضَل لأَِنَّهُ زِينَةٌ، وَالْيَمِينُ أَشْرَفُ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: فِي الْيَسَارِ أَفْضَل. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ تَخَتَّمَ فِي يَمِينِهِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (١) لِمَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: نَهَانِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي أُصْبُعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ قَال: فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي خِنْصَرِ الْيَسَارِ أَفْضَل مِنْ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ الْيَمِينِ، نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الأَْثْرَمِ وَغَيْرِهِ التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى، قَال الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي الْخِنْصَرِ لِكَوْنِهِ طَرَفًا، فَهُوَ أَبْعَدُ عَنِ الاِمْتِهَانِ فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ؛ وَلأَِنَّهُ لاَ يَشْغَل الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لُبْسُ الْخَاتَمِ فِي سَبَّابَةٍ وَوُسْطَى لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ. وَظَاهِرُهُ

_________

(١) المجموع ٤ / ٤٦٢ - ٤٦٣، وقليوبي وعميرة ٢ / ٢٤

(٢) حديث: " نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في أصبعي. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٥٩ ط الحلبي)

لاَ يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي الإِْبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَل اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ. (١)

خَامِسًا: وَزْنُ خَاتَمِ الرَّجُل:

١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَزْنِ الْمُبَاحِ لِخَاتَمِ الرَّجُل:

فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، قَال الْحَصْكَفِيُّ: لاَ يَزِيدُ الرَّجُل خَاتَمَهُ عَلَى مِثْقَالٍ. (٢)

وَرَجَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ قَوْل صَاحِبِ الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ لاَ يَبْلُغُ بِهِ الْمِثْقَال، وَاسْتَدَل بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَل النَّبِيَّ ﷺ قَائِلًا: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ - يَعْنِي الْخَاتَمَ - فَقَال ﷺ: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ، وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالًا (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلذَّكَرِ لُبْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ إِنْ كَانَ وَزْنَ دِرْهَمَيْنِ (٤) شَرْعِيَّيْنِ أَوْ أَقَل، فَإِنْ زَادَ عَنْ دِرْهَمَيْنِ حَرُمَ. (٥)

وَلَمْ يُحَدِّدِ الشَّافِعِيَّةُ وَزْنًا لِلْخَاتَمِ الْمُبَاحِ، قَال

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٢٣٦، ومطالب أولي النهى ٢ / ٩٢

(٢) المثقال هو وزن الدينار الإسلامي من الذهب ويعادل ٤. ٢٥ جراما

(٣) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٢٩ - ٢٣٠ والحديث سبق تخريجه (ف / ١٠)

(٤) وزن الدرهم الشرعي يعادل ٢. ٩٧٥ جراما

(٥) جواهر الإكليل ١ / ١٠

الْخَطِيبُ الشِّرْبِينِيُّ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الأَْصْحَابُ لِمِقْدَارِ الْخَاتَمِ الْمُبَاحِ، وَلَعَلَّهُمُ اكْتَفَوْا فِيهِ بِالْعُرْفِ، أَيْ عُرْفِ الْبَلَدِ وَعَادَةِ أَمْثَالِهِ فِيهَا، فَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ إِسْرَافًا. . . هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَال الأَْذْرَعِيُّ: الصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِدُونِ مِثْقَالٍ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِلاَبِسِ الْخَاتَمِ الْحَدِيدِ: مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْل النَّارِ فَطَرَحَهُ وَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَال: اتَّخِذْهُ مِنْ وَرِقٍ وَلاَ تُتِمَّهُ مِثْقَالًا (١) قَال: وَلَيْسَ فِي كَلاَمِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ. وَهَذَا لاَ يُنَافِي مَا ذُكِرَ لاِحْتِمَال أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عُرْفَ بَلَدِهِ وَعَادَةَ أَمْثَالِهِ. (٢)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا فَأَكْثَرَ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْدِيدٌ، مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ، وَإِلاَّ حَرُمَ (قَالُوا) لأَِنَّ الأَْصْل التَّحْرِيمُ، وَإِنَّمَا خَرَجَ الْمُعْتَادُ لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْل الصَّحَابَةِ. (٣)

سَادِسًا: عَدَدُ خَوَاتِمِ الرَّجُل:

١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَعَدُّدِ خَوَاتِمِ الرَّجُل:

فَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُبَاحُ لِلرَّجُل أَكْثَرُ

_________

(١) حديث: " مالي أرى عليك حلية أهل النار. . . " سبق تخريجه (ف / ١٠)

(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٩٢

(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٣٦

مِنْ خَاتَمٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْخَاتَمُ حَرُمَ وَلَوْ كَانَ فِي حُدُودِ الْوَزْنِ الْمُبَاحِ شَرْعًا. (١)

وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي تَعَدُّدِ الْخَاتَمِ، وَنَقَل صَاحِبُ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ جَانِبًا مِنْ هَذَا الْخِلاَفِ فِي قَوْلِهِ: وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا: وَلَوْ اتَّخَذَ الرَّجُل خَوَاتِيمَ كَثِيرَةً لِيَلْبَسَ الْوَاحِدَ مِنْهَا بَعْدَ الْوَاحِدِ جَازَ، فَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ فِي الاِتِّخَاذِ دُونَ اللُّبْسِ، وَفِيهِ خِلاَفٌ مَشْهُورٌ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ فِيهِ أَنَّهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى سَرَفٍ. (٢)

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوِ اتَّخَذَ الرَّجُل لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ، فَالأَْظْهَرُ جَوَازُهُ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ، وَالأَْظْهَرُ جَوَازُ لُبْسِ الرَّجُل خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا إِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَادَةِ. (٣)

وَلَمْ نَجِدْ كَلاَمًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

سَابِعًا: النَّقْشُ عَلَى الْخَاتَمِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ النَّقْشِ عَلَى الْخَاتَمِ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْشُ اسْمِ صَاحِبِ الْخَاتَمِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْشِ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ أَوِ الذِّكْرِ:

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَنْقُشَ لَفْظَ الْجَلاَلَةِ أَوْ أَلْفَاظَ الذِّكْرِ عَلَى الْخَاتَمِ، وَلَكِنَّهُ

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ١٠

(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٩٢

(٣) كشاف القناع ٢ / ٢٣٨

يَجْعَلُهُ فِي كُمِّهِ إِنْ دَخَل الْخَلاَءَ، وَفِي يَمِينِهِ إِذَا اسْتَنْجَى.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى الْخَاتَمِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ نَصًّا، قَال إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: لاَ يَدْخُل الْخَلاَءَ بِهِ، وَقَال فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَل أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ، قَال: وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، وَهِيَ تَفْتَقِرُ إِلَى دَلِيلٍ وَالأَْصْل عَدَمُهُ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: يَحْرُمُ أَنْ يَنْقُشَ عَلَيْهِ صُورَةَ حَيَوَانٍ، وَيَحْرُمُ لُبْسُهُ وَالصُّورَةُ عَلَيْهِ كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ، وَلَمْ يَرَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَأْسًا فِي نَقْشِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لاَ يُبْصَرُ عَنْ بُعْدٍ. (١)

ثَامِنًا: فَصُّ الْخَاتَمِ:

١٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِخَاتَمِ الرَّجُل الْمُبَاحِ فَصٌّ مِنْ مَادَّتِهِ الْفِضِّيَّةِ أَوْ مِنْ مَادَّةٍ أُخْرَى عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:

قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يَجْعَل فَصَّ خَاتَمِهِ عَقِيقًا أَوْ فَيْرُوزَجًا أَوْ يَاقُوتًا أَوْ نَحْوَهُ، وَلاَ بَأْسَ بِسَدِّ ثَقْبِ الْفَصِّ بِمِسْمَارِ الذَّهَبِ لِيَحْفَظَ بِهِ الْفَصَّ؛ لأَِنَّهُ قَلِيلٌ، فَأَشْبَهَ الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ فَلاَ يُعَدُّ لاَبِسًا لَهُ، وَيَجْعَل الرَّجُل فَصَّ خَاتَمِهِ إِلَى

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٣٠، وحاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٦٠، والمجموع ٤ / ٤٦٣، وقليوبي وعميرة ٢ / ٢٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٩٥

بَطْنِ كَفِّهِ بِخِلاَفِ النِّسَاءِ؛ لأَِنَّهُ لِلزِّينَةِ فِي حَقِّهِنَّ دُونَ الرِّجَال. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِالْفِضَّةِ فِي حِلْيَةِ الْخَاتَمِ. . . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْحِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: تَكُونُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْفِضَّةِ فِي خَاتَمٍ مِنْ شَيْءٍ جَائِزٍ غَيْرَ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ، كَالْجِلْدِ وَالْعُودِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَجُوزُ، فَيُجْعَل الْفَصُّ فِيهِ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: يَكُونُ الْخَاتَمُ كُلُّهُ مِنَ الْفِضَّةِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: كَانَ خَاتَمُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ وَرِقٍ، وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا (٢) أَيْ كَانَ صَانِعُهُ حَبَشِيًّا، أَوْ كَانَ مَصْنُوعًا كَمَا يَصْنَعُهُ أَهْل الْحَبَشَةِ فَلاَ يُنَافِي رِوَايَةَ: أَنَّ فَصَّهُ مِنْهُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ لِلذَّكَرِ خَاتَمٌ بَعْضُهُ ذَهَبٌ وَلَوْ قَل.

وَقَالُوا: يُجْعَل فَصُّ الْخَاتَمِ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ أَتَتِ السُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالاِقْتِدَاءُ بِهِ حَسَنٌ، فَإِذَا أَرَادَ الاِسْتِنْجَاءَ خَلَعَهُ كَمَا يَخْلَعُهُ عِنْدَ إِرَادَةِ الْخَلاَءِ. (٣)

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٣٠، والاختيار لتعليل المختار ٤ / ١٥٩

(٢) حديث: " كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق. . . ". أخرجه مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ (صحيح مسلم ٣ / ١٦٥٨ ط الحلبي)

(٣) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢ / ٣٥٨ - ٣٦٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٠