الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
صَلاَةُ التَّسْبِيحِ
٢٠ - وَرَدَ فِي صَلاَةِ التَّسْبِيحِ حَدِيثٌ اخْتُلِفَ فِي صِحَّتِهِ. وَلِلْفُقَهَاءِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (صَلاَةِ التَّسْبِيحِ) .
أَمَاكِنُ يُنْهَى عَنِ التَّسْبِيحِ فِيهَا:
٢١ - لَمَّا كَانَ التَّسْبِيحُ نَوْعًا مِنَ الذِّكْرِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الأَْمَاكِنِ التَّالِيَةِ، كَانَ التَّسْبِيحُ مَكْرُوهًا كَذَلِكَ فِيهَا؛ لأَِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْعَامِّ نَهْيٌ عَنِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ تَنْزِيهًا لاِسْمِ اللَّهِ عَنِ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الأَْمَاكِنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ طَبْعًا. فَيُكْرَهُ التَّسْبِيحُ وَغَيْرُهُ مِنَ الذِّكْرِ فِي الْخَلاَءِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، وَالْمَوَاضِعِ الدَّنِسَةِ بِنَجَاسَةٍ أَوْ قَذَارَةٍ، وَعِنْدَ الْجِمَاعِ، وَفِي الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَل، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مَتَى كَانَ بِاللِّسَانِ. أَمَّا بِالْقَلْبِ فَقَطْ فَإِنَّهُ لاَ يُكْرَهُ. وَمَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ لَهُ كَإِنْقَاذِ أَعْمَى مِنَ الْوُقُوعِ فِي بِئْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَحْذِيرِ مَعْصُومٍ مِنْ هَلَكَةٍ كَغَافِلٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَالأَْوْلَى التَّحْذِيرُ بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ فِي مِثْل هَذِهِ الْحَالاَتِ.
كَمَا يُكْرَهُ الذِّكْرُ - وَمِنْهُ التَّسْبِيحُ - لِمَنْ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ فِي الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ. (١)
_________
(١) الفتاوى الهندية ١ / ٥٠، وابن عابدين ١ / ٢٣٠، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ١٠٦، ومواهب الجليل ١ / ٢٧٣ - ٢٧٥، وشرح الزرقاني ١ / ٧٧، وأسنى المطالب ١ / ٤٦، ١٣١، وروضة الطالبين ١ / ٦٦، وكشاف القناع ١ / ٦٣، ٢٤٥، ونيل المآرب ١ / ٨، والإقناع ١ / ١٤ - ١٥، والأذكار للنووي ص ١٢.
التَّعَجُّبُ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ
٢٢ - يَجُوزُ التَّعَجُّبُ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ (١) . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ جُنُبٌ، فَانْسَل، فَذَهَبَ فَاغْتَسَل، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ قَال: أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَال: يَا رَسُول اللَّهِ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِل. فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يَنْجُسُ. (٢)
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أُخْتَ الرُّبَيِّعِ أُمَّ حَارِثَةَ جَرَحَتْ إِنْسَانًا، فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: الْقِصَاصَ الْقِصَاصَ، فَقَالَتْ أُمُّ الرُّبَيِّعِ: يَا رَسُول اللَّهِ أَتَقْتَصُّ مِنْ فُلاَنَةَ؟ وَاللَّهِ لاَ يُقْتَصُّ مِنْهَا. فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: الْقِصَاصُ كِتَابُ اللَّهِ. سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أُمَّ الرُّبَيِّعِ،. (٣)
_________
(١) الأذكار للنووي ٢٩٢ - ٢٩٣، والفتاوى الهندية ١ / ٩٩، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٦ - ٥٨، وكشاف القناع ١ / ٣٨١.
(٢) حديث: " سبحان الله إن المؤمن لا ينجس " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٣٩٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٨١ - ط الحلبي) .
(٣) حديث أنس: " سبحان الله يا أم الربيع. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٣٠٢ - ط الحلبي) .
التَّسْبِيحُ أَمَامَ الْجِنَازَةِ:
٢٣ - يُكْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لِمُشَيِّعِ الْجِنَازَةِ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ، لأَِنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَاتِ، وَلاَ كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي نَفْسِهِ سِرًّا، بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَشْغَل نَفْسَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْكِيرِ فِيمَا يَلْقَاهُ الْمَيِّتُ، وَأَنَّ هَذَا عَاقِبَةُ أَهْل الدُّنْيَا. وَيَتَجَنَّبُ ذِكْرَ مَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْكَلاَمِ، فَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادَةَ ﵁ أَنَّهُ قَال: كَانَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُونَ رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ الْجَنَائِزِ، وَعِنْدَ الْقِتَال، وَعِنْدَ الذِّكْرِ، (١) وَلأَِنَّهُ تَشَبُّهٌ بِأَهْل الْكِتَابِ فَكَانَ مَكْرُوهًا. (٢)
التَّسْبِيحُ عِنْدَ الرَّعْدِ:
٢٤ - التَّسْبِيحُ عِنْدَ الرَّعْدِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَيَقُول سَامِعُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
_________
(١) حديث قيس بن عبادة: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند. . . " أخرجه البيهقي (٤ / ٧٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٣٢ ط دار الإيمان، وفتح القدير ٢ / ٥٧، وابن عابدين ١ / ٥٩٨، الفتاوى الهندية ١ / ١٦٢، وبدائع الصنائع ١ / ٣١٠، والخرشي ٢ / ١٣٨ - ١٣٩، وشرح الزرقاني ٢ / ١٠٨، وحاشية الجمل ٢ / ١٦٦، والأذكار للنووي ص ١٤٥، وكشاف القناع ٢ / ١٢٩ - ١٣٠.
وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ. اللَّهُمَّ لاَ تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا مِنْ قَبْل ذَلِكَ. (١)
فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَال: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ (٢)
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: كُنَّا مَعَ عُمَرَ ﵁ فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَنَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ وَبَرَدٌ، فَقَال لَنَا كَعْبٌ ﵁: مَنْ قَال حِينَ يَسْمَعُ الرَّعْدَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ - ثَلاَثًا - عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الرَّعْدِ، فَقُلْنَا فَعُوفِينَا (٣) .
قَطْعُ التَّسْبِيحِ:
٢٥ - الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُسَبِّحَ وَغَيْرَهُ مِنَ الذَّاكِرِينَ، أَوِ التَّالِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ، إِذَا سَمِعُوا
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٦٨، وقليوبي ١ / ٣١٧ - ٣١٨، وأسنى المطالب ١ / ٢٩٣، وروضة الطالبين ٢ / ٩٥، ونهاية المحتاج ٢ / ٤١٦، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٥٥ - ٥٦، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١ / ٢١٨، ٩ / ٢٩٦، والإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل للمقدسي ١ / ٢٠٩.
(٢) مقالة عبد الله بن الزبير: كان إذا سمع الرعد. . . " أخرجها مالك في الموطأ (٢ / ٩٩٢ - ط الحلبي) وصححها النووي في الأذكار (ص ١٦٤ - ط الحلبي) .
(٣) أثر كعب " من قال حين يسمع الرعد. . . " أخرجه الطبراني وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية لابن علان (٤ / ٢٨٦ - ط المنيرية) .
الْمُؤَذِّنَ - وَهُوَ يُؤَذِّنُ أَذَانًا مَسْنُونًا - يَقْطَعُونَ تَسْبِيحَهُمْ، وَذِكْرَهُمْ وَتِلاَوَتَهُمْ، وَيُجِيبُونَ الْمُؤَذِّنَ. وَهُوَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَهُنَاكَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِالْوُجُوبِ. (١)
ثَوَابُ التَّسْبِيحِ
: ٢٦ - ثَوَابُ التَّسْبِيحِ عَظِيمٌ، (٢) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ قَال سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْل زَبَدِ الْبَحْرِ (٣)
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
_________
(١) مراقي الفلاح ١٠٩ - ١١٠، وابن عابدين ١ / ٢٦٥ - ٢٦٧، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ١٩٦ - ١٩٧، ومواهب الجليل ١ / ٤٢٢، ٤٤٨، والفواكه الدواني ١ / ٢٠٢ دار المعرفة، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ٣٠٨ - ٣٠٩، ونهاية المحتاج ١ / ٤٠٢ - ٤٠٣، وكشاف القناع ١ / ٢٤٥ والمغني لابن قدامة ١ / ٢٠٩ - ٢١٠، والأذكار للنووي ص ١٧ - ١٨.
(٢) موطأ الإمام مالك ١ / ٢٠٩ - ٢١٠، والأذكار للنووي ص ١٧ - ١٨.
(٣) حديث: " من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٩٧١ - ط الحلبي) .
تَسْبِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّسْبِيل لُغَةً وَاصْطِلاَحًا جَعْل الشَّيْءِ فِي سَبِيل اللَّهِ. يُقَال: سَبَّل فُلاَنٌ ضَيْعَتَهُ تَسْبِيلًا: أَيْ جَعَلَهَا فِي سَبِيل اللَّهِ، وَسَبَّلْتَ الثَّمَرَةَ: حَمَلْتَهَا فِي سَبِيل الْخَيْرِ وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ. وَفِي حَدِيثِ وَقْفِ عُمَرَ ﵁ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا (١) أَيِ: اجْعَلْهَا وَقْفًا وَأَبِحْ ثَمَرَتَهَا لِمَنْ وَقَفْتَهَا عَلَيْهِ. وَسَبَّلْتَ الشَّيْءَ: إِذَا أَبَحْتَهُ، كَأَنَّكَ جَعَلْتَ إِلَيْهِ طَرِيقًا مَطْرُوقَةً. وَسَبِيل اللَّهِ عَامٌّ يَقَعُ عَلَى كُل عَمَلٍ خَالِصٍ سُلِكَ بِهِ طَرِيقُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ الْفَرَائِصِ وَالنَّوَافِل وَأَنْوَاعِ التَّطَوُّعَاتِ، وَقَدْ يُطْلَقُ السَّبِيل عَلَى حَوْضِ الْمَاءِ الْمُبَاحِ لِلْوَارِدِينَ. (٢)
وَفِي النَّظْمِ الْمُسْتَعْذَبِ فِي شَرْحِ غَرِيبِ الْمُهَذَّبِ
_________
(١) حديث: " إن شئت حسبت أصلها وتصدقت بها " أخرجه البخاري. فتح الباري ٥ / ٣٥٥ ط السلفية، ومسلم ٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي من حديث ابن عمر.
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح، ومحيط المحيط مادة: " سبل ".
تَسْبِيل الثَّمَرَةِ: أَنْ يَجْعَل الْوَاقِفُ لَهَا سَبِيلًا: أَيْ طَرِيقًا لِمَصْرِفِهَا. وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: تَسْبِيل الْمَنْفَعَةِ: أَيْ إِطْلاَقُ فَوَائِدِ الْعَيْنِ الْمَوْقُوفَةِ مِنْ غَلَّةٍ وَثَمَرَةٍ وَغَيْرِهَا لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَيُطْلَقُ التَّسْبِيل أَيْضًا - اصْطِلاَحًا - عَلَى الْوَقْفِ، يُقَال: سَبَّلْتَ الدَّارَ أَيْ وَقَفْتَهَا. (١)
فَالتَّسْبِيل مِنْ أَلْفَاظِ الْوَقْفِ الصَّرِيحَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، بِأَنْ يَقُول الْوَاقِفُ: سَبَّلْتُ دَارِي لِسُكْنَى فُقَرَاءِ بَلْدَةِ كَذَا وَسَاكِنِيهَا. فَلَفْظُ التَّسْبِيل صَرِيحٌ فِي الْوَقْفِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ وَمَعْرُوفٌ فِيهِ، وَثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِعُمَرَ ﵁: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا (٢) فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْوَقْفِ كَلَفْظِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلاَقِ. وَإِضَافَةُ التَّحْبِيسِ إِلَى الأَْصْل وَالتَّسْبِيل إِلَى الثَّمَرَةِ لاَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مُحَبَّسَةٌ أَيْضًا عَلَى مَا شَرَطَ صَرْفَهَا إِلَيْهِ. (٣)
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لَوْ قَال الْوَاقِفُ: أَرْضِي
_________
(١) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب بذيل صحائف المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٤٧ دار المعرفة، وكشاف القناع ٤ / ٢٤١ م النصر الحديثة.
(٢) الحديث تقم تخريجه (ف ١) .
(٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٤٩، وكشاف القناع ٤ / ٢٤١ م النصر الحديثة، ومنار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٤ المكتب الإسلامي.
هَذِهِ لِلسَّبِيل إِنْ تَعَارَفُوا وَقْفًا مُؤَبَّدًا، كَانَ كَذَلِكَ. وَإِلاَّ سُئِل فَإِنْ قَال: أَرَدْتُ الْوَقْفَ صَارَ وَقْفًا؛ لأَِنَّ لَفْظَهُ يَحْتَمِل ذَلِكَ، أَوْ قَال: أَرَدْتُ مَعْنَى الصَّدَقَةِ فَهُوَ نَذْرٌ، فَيَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَانَتْ مِيرَاثًا. (١)
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلاَمِهِمْ أَنَّ جَعْل الشَّيْءِ فِي السَّبِيل يَقْتَضِي التَّصَدُّقَ بِعَيْنِهِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى مَعْنَى وَقْفِ الْعَيْنِ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَرَتِهَا أَوْ مَنْفَعَتِهَا. (٢)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - التَّسْبِيل قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ؛ لِحَدِيثِ إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ: إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٤) وَفَعَلَهُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ قَدْ مَلَكَ مِائَةَ سَهْمٍ مِنْ خَيْبَرَ فَقَال: قَدْ أَصَبْتُ مَالًا لَمْ أُصِبْ مِثْلَهُ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَقَرَّبَ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى،
_________
(١) البحر الرائق ٥ / ٢٠٥، ٢٠٦، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٥٧ - ٣٥٩.
(٢) الدسوقي ٤ / ٨٤، ٨٥، والحطاب ٦ / ٢٨.
(٣) حديث: " إذا مات الإنسان انقطع عمله. . . " أخرجه مسلم ٣ / ١٢٥٥ ط عيسى الحلبي من حديث أبي هريرة.
(٤) سورة الحج / ٧٧.
فَقَال إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا (١) وَقَال جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذُو مَقْدِرَةٍ إِلاَّ وَقَفَ (٢)
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (صَدَقَةٌ - وَقْفٌ)
.
تَسْجِيلٌ
انْظُرْ: تَوْثِيقٌ
_________
(١) حديث: " إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها " سبق تخريجه (ف ١) .
(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٤٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٤٠، ٢٤١ م النصر الحديثة، وابن عابدين ٣ / ٣٥٨ - ٣٥٩، والبحر الرائق شرح كنز الدقائق ٥ / ٢٠٦ / والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ / ٧٥.
تَسَرِّي
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّسَرِّي فِي اللُّغَةِ: اتِّخَاذُ السُّرِّيَّةِ. يُقَال: تَسَرَّى الرَّجُل جَارِيَتَهُ وَتَسَرَّى بِهَا وَاسْتَسَرَّهَا: إِذَا اتَّخَذَهَا سُرِّيَّةً، وَهِيَ الأَْمَةُ الْمَمْلُوكَةُ يَتَّخِذُهَا سَيِّدُهَا لِلْجِمَاعِ. وَهِيَ فِي الأَْصْل مَنْسُوبَةٌ إِلَى السِّرِّ بِمَعْنَى: الْجِمَاعِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ ضَمُّوا السِّينَ تَجَنُّبًا لِحُصُول اللَّبْسِ، فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السِّرِّيَّةِ وَهِيَ الْحُرَّةُ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُل سِرًّا. وَقِيل هِيَ مِنَ السِّرِّ بِمَعْنَى الإِْخْفَاءِ؛ لأَِنَّ الرِّجَال كَثِيرًا مَا كَانُوا يَتَّخِذُونَ السَّرَارِيَّ سِرًّا، وَيُخْفُونَهُنَّ عَنْ زَوْجَاتِهِمُ الْحَرَائِرِ. وَقِيل: هِيَ مِنَ السُّرِّ بِالضَّمِّ بِمَعْنَى السُّرُورِ، وَسُمِّيَتِ الْجَارِيَةُ سُرِّيَّةً؛ لأَِنَّهَا مَوْضِعُ سُرُورِ الرَّجُل، وَلأَِنَّهُ يَجْعَلُهَا فِي حَالٍ تَسُرُّهَا مِنْ دُونِ سَائِرِ جَوَارِيهِ. (١)
_________
(١) لسان العرب المحيط، بيروت، دار لسان العرب، ١٣٨٩ هـ، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار ٣ / ١١٣، القاهرة، مطبعة بولاق ١٢٧٢ هـ، وفتح القدير لابن الهمام على الهداية للمرغيناني ٤ / ٤٤٠، ٤٤١، القاهرة المطبعة الميمنية، ١٣١٩ هـ.