الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ
أ - الْكَذِبُ:
٢ - الْكَذِبُ هُوَ: الإِْخْبَارُ بِمَا لَيْسَ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّزْوِيرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ، فَالتَّزْوِيرُ يَكُونُ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل، وَالْكَذِبُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْقَوْل.
وَالْكَذِبُ قَدْ يَكُونُ مُزَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُزَيَّنٍ، وَالتَّزْوِيرُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي الْكَذِبِ الْمُمَوَّهِ. (١)
ب - الْخِلاَبَةُ:
٣ - الْخِلاَبَةُ هِيَ: الْمُخَادَعَةُ، وَتَكُونُ بِسَتْرِ الْعَيْبِ، وَتَكُونُ بِالْكَذِبِ وَغَيْرِهِ. (٢)
ج - التَّلْبِيسُ:
٤ - التَّلْبِيسُ مِنَ اللَّبْسِ، وَهُوَ اخْتِلاَطُ الأَْمْرِ، وَهُوَ سَتْرُ الْحَقِيقَةِ وَإِظْهَارُهَا بِخِلاَفِ مَا هِيَ عَلَيْهَا. (٣)
د - التَّغْرِيرُ:
٥ - التَّغْرِيرُ هُوَ: الْخَدِيعَةُ وَالإِْيقَاعُ فِي الْبَاطِل وَفِيمَا انْطَوَتْ عَاقِبَتُهُ.
هـ - الْغِشُّ:
٦ - الْغِشُّ مَصْدَرُ غَشَّهُ إِذَا لَمْ يُمَحِّضْهُ النُّصْحَ، بَل خَدَعَهُ.
_________
(١) تاج العروس.
(٢) اللسان وتاج العروس والمصباح.
(٣) التعريفات للجرجاني.
وَالْغِشُّ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل، فَالتَّزْوِيرُ وَالْغِشُّ لَفْظَانِ مُتَقَارِبَانِ.
والتَّدْلِيسُ:
٧ - التَّدْلِيسُ: كِتْمَانُ الْعَيْبِ، وَهُوَ فِي الْبَيْعِ كِتْمَانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ عَنِ الْمُشْتَرِي.
وَالتَّدْلِيسُ أَخَصُّ مِنَ التَّزْوِيرِ؛ لأَِنَّهُ خَاصٌّ بِكِتْمَانِ الْعَيْبِ فِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ، أَمَّا التَّزْوِيرُ فَهُوَ أَعَمُّ، لأَِنَّهُ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل وَفِي السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ وَغَيْرِهَا.
ز - التَّحْرِيفُ:
٨ - التَّحْرِيفُ: تَغْيِيرُ الْكَلاَمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَالْعُدُول بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ.
ج - التَّصْحِيفُ:
٩ - وَالتَّصْحِيفُ: هُوَ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى الْمُرَادُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ فِي مُصْطَلَحِ (تَدْلِيسٌ) (وَتَحْرِيفٌ) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
١٠ - الأَْصْل فِي التَّزْوِيرِ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا فِي الشَّهَادَةِ لإِبْطَال حَقٍّ أَوْ إِثْبَاتِ بَاطِلٍ. (١)
وَالدَّلِيل عَلَى حُرْمَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا
_________
(١) المغني ٩ / ٢٦٠.
الرِّجْسَ مِنَ الأَْوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْل الزُّورِ﴾ (١)
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّهِ. قَال الإِْشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، ثُمَّ قَال: أَلاَ وَقَوْل الزُّورِ. فَمَا يَزَال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. (٢)
١١ - وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنْ حُرْمَةِ التَّزْوِيرِ أُمُورٌ:
مِنْهَا الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَتَطْيِيبُ خَاطِرِ زَوْجَتِهِ لِيُرْضِيَهَا، وَالإِْصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ. (٣)
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا: لاَ يَحِل الْكَذِبُ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: يُحَدِّثُ الرَّجُل امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ (٤) وَمِنْهُ: الْكَذِبُ لِدَفْعِ ظَالِمٍ عَلَى مَالٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَوْ عِرْضٍ، وَفِي سَتْرِ مَعْصِيَةٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. (٥) وَقَدْ نُقِل عَنْ النَّوَوِيِّ: الظَّاهِرُ إِبَاحَةُ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فِي الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ، وَلَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَوْلَى.
_________
(١) سورة الحج / ٣٠.
(٢) حديث: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٤٠٥ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٩١ ط عيسى الحلبي) .
(٣) فتح الباري ٦ / ١٥٦.
(٤) حديث: " لا يحل الكذب إلا في ثلاث. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٤٥٩، ٤٦١ ط المكتب الإسلامي)، والترمذي (تحفة الأحوذي ٦ / ٧٠ ط الليثي) . واللفظ له وقال: هذا حديث حسن.
(٥) قليوبي ٣ / ٢١٥.
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ هُوَ مِنَ الْمُسْتَثْنَى الْجَائِزِ بِالنَّصِّ. (١)
قَال ﷺ: الْحَرْبُ خُدْعَةٌ (٢)، وَفِيهِ: الأَْمْرُ بِاسْتِعْمَال الْحِيلَةِ فِي الْحَرْبِ مَهْمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ. وَفِيهِ: التَّحْرِيضُ عَلَى أَخْذِ الْحَذَرِ فِي الْحَرْبِ، وَالنَّدْبُ إِلَى خِدَاعِ الْكُفَّارِ.
وَقَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَمَا أَمْكَنَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ، فَلاَ يَجُوزُ. وَأَصْل الْخُدَعِ إِظْهَارُ أَمْرٍ وَإِضْمَارُ خِلاَفِهِ. (٣)
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَْشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَال مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: نَعَمْ. قَال: فَأَتَاهُ، فَقَال: هَذَا - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّانَا وَسَأَلَنَا الصَّدَقَةَ. قَال: وَأَيْضًا وَاَللَّهِ لَتَمَلُّنَّهُ قَال: فَإِنَّا اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَال: فَلَمْ يَزَل يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ. (٤)
_________
(١) فتح الباري ٦ / ١٥٨ - ١٥٩، والمغني ٨ / ٣٦٩.
(٢) حديث: " الحرب خدعة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٥٨) ط السلفية.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) حديث: " مَنْ لكعب بن الأشرف. . .؟ " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٥٩ ط السلفية) .
فَقَوْلُهُ: عَنَّانَا أَيْ: كَلَّفَنَا بِالأَْوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَقَوْلُهُ: سَأَلَنَا الصَّدَقَةَ أَيْ: طَلَبَهَا مِنَّا لِيَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا، وَقَوْلُهُ: نَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ أَيْ نَكْرَهُ فِرَاقَهُ. فَقَوْلُهُ لَهُ مِنْ قَبِيل التَّعْرِيضِ وَالتَّمْوِيهِ وَالتَّزْوِيرِ، حَتَّى يَأْمَنَهُ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ قَتْلِهِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: ائْذَنْ لِي أَنْ أَقُول. قَال: قُل (١) فَيَدْخُل فِيهِ الْكَذِبُ تَصْرِيحًا وَتَلْوِيحًا
وَفِي سِيرَةِ ابْنِ هِشَامٍ: أَتَى نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَإِنَّ قَوْمِي لَمْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي، فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا أَنْتَ فِينَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَخَذِّل عَنَّا إِنِ اسْتَطَعْتَ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَال لَهُمْ: لاَ تُقَاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ - الأَْحْزَابِ - حَتَّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْنًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِيكُمْ ثِقَةً لَكُمْ عَلَى أَنْ تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ مُحَمَّدًا، حَتَّى تُنَاجِزُوهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَال لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَفِرَاقِي مُحَمَّدًا، وَأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَمْرٌ قَدْ رَأَيْتُ عَلَيَّ حَقًّا أَنْ أُبَلِّغَكُمُوهُ، نُصْحًا لَكُمْ. تَعْلَمُوا أَنَّ مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ:
_________
(١) وفي وراية: " ائذن لي أن أقول. قال: قل " أخرجه البخاري (فتح الباري ٧ / ٣٣٦) ط السلفية.
إِنَّا قَدْ نَدِمْنَا عَلَى مَا فَعَلْنَا، فَهَل يُرْضِيكَ أَنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ الْقَبِيلَتَيْنِ، مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ، رِجَالًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَنُعْطِيكَهُمْ، فَتَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ نَكُونَ مَعَكَ عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ حَتَّى نَسْتَأْصِلَهُمْ؟ فَأَرْسَل إِلَيْهِمْ: أَنْ نَعَمْ. فَإِنْ بَعَثَتْ إِلَيْكُمْ يَهُودُ يَلْتَمِسُونَ مِنْكُمْ رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ فَلاَ تَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ مِنْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا.
ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى غَطَفَانَ، فَقَال لَهُمْ مِثْل مَا قَال لِقُرَيْشٍ، وَحَذَّرَهُمْ مَا حَذَّرَهُمْ
وَأَرْسَل أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَرُءُوسُ غَطَفَانَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: فَاغْدُوا لِلْقِتَال حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا وَنَفْرُغَ مِمَّا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ: وَلَسْنَا بِاَلَّذِينَ نُقَاتِل مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا مِنْ رِجَالِكُمْ، يَكُونُونَ بِأَيْدِينَا ثِقَةً لَنَا، حَتَّى نُنَاجِزَ مُحَمَّدًا، فَإِنَّا نَخْشَى إِنْ ضَرَّسَتْكُمُ الْحَرْبُ وَاشْتَدَّ عَلَيْكُمُ الْقِتَال أَنْ تَنْشَمِرُوا إِلَى بِلاَدِكُمْ وَتَتْرُكُونَا، وَالرَّجُل فِي بَلَدِنَا، وَلاَ طَاقَةَ لَنَا بِذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا رَجَعَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُل بِمَا قَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، قَالَتْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ: وَاَللَّهِ إِنَّ الَّذِي حَدَّثَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ. فَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ: إِنَّا وَاَللَّهِ لاَ نَدْفَعُ إِلَيْكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ رِجَالِنَا، فَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْقِتَال فَاخْرُجُوا فَقَاتِلُوا. فَقَالَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ، حِينَ انْتَهَتِ الرُّسُل إِلَيْهِمْ بِهَذَا: إِنَّ الَّذِي ذَكَرَ لَكُمْ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ لَحَقٌّ مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ إِلاَّ أَنْ يُقَاتِلُوا، فَإِنْ رَأَوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ انْشَمَرُوا إِلَى
بِلاَدِهِمْ، وَخَلَّوْا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُل فِي بَلَدِكُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ: إِنَّا وَاَللَّهِ لاَ نُقَاتِل مَعَكُمْ مُحَمَّدًا حَتَّى تُعْطُونَا رَهْنًا. فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَخَذَل اللَّهُ بَيْنَهُمْ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فِي لَيَالٍ شَاتِيَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَجَعَلَتْ تَكْفَأُ قُدُورَهُمْ، وَتَطْرَحُ أَبْنِيَتَهُمْ. (١)
ثَانِيًا: الْقَضَاءُ بِشَهَادَةِ الزُّورِ:
١٢ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلَى أَنَّ قَضَاءَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، وَلاَ يُزِيل الشَّيْءَ عَنْ صِفَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ الْعُقُودُ مِنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْفُسُوخِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الأَْمْلاَكُ الْمُرْسَلَةُ (أَيِ الَّتِي لَمْ يُبَيَّنْ سَبَبُ مِلْكِهَا مِنْ إِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ) وَغَيْرُ الْمُرْسَلَةِ. (٢) وَاسْتَدَلُّوا: بِخَبَرِ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَل بَعْضَكُمْ أَنْ
_________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٣ / ٢٤٠ - ٢٤٢ وحديث: " نعيم بن مسعود أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي. . . " (سيرة ابن هشام ٣ / ٢٤٠ ط مصطفى الحلبي) رواه عن ابن إسحاق. وساقه ابن إسحاق من غير إسناد. وقال ابن كثير في وانظر دلائل النبوة للبيهقي (٣ / ٣٩٨ ط دار الكتب العلمية) .
(٢) المغني ٩ / ٥٨، والأم للشافعي ٧ / ٤٠، وقليوبي ٤ / ٣٠٤، والشرح الصغير ٢ / ٢٩٥.
يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ (١) .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْقَضَاءَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ يَنْفُذُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فِي الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ، حَيْثُ كَانَ الْمَحَل قَابِلًا، وَالْقَاضِي غَيْرُ عَالِمٍ. لِقَوْل عَلِيٍّ ﵁ لاِمْرَأَةٍ أَقَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَنْكَرَتْ، فَقَضَى لَهُ عَلِيٌّ. فَقَالَتْ لَهُ: لَمْ يَتَزَوَّجْنِي، فَأَمَّا وَقَدْ قَضَيْتَ عَلَيَّ فَجَدِّدْ نِكَاحِي، فَقَال: لاَ أُجَدِّدُ نِكَاحَكِ، الشَّاهِدَانِ زَوَّجَاكِ (٢) .
وَمَحَل تَفْصِيل هَذَا فِي مُصْطَلَحِ: (قَضَاءٌ) (وَشَهَادَةٌ) .
التَّزْوِيرُ فِي الأَْيْمَانِ
١٣ - الأَْصْل أَنَّ التَّزْوِيرَ فِي الْيَمِينِ حَرَامٌ، وَهِيَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ: وَهِيَ الَّتِي يَكْذِبُ فِيهَا الْحَالِفُ عَامِدًا عَالِمًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي يَكْذِبُ فِيهَا الْحَالِفُ عَمْدًا، أَوْ يَشُكُّ فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ يَظُنُّ مِنْهُ ظَنًّا غَيْرَ قَوِيٍّ.
وَقَدْ يَكُونُ تَزْوِيرُ الْيَمِينِ جَائِزًا أَوْ وَاجِبًا - عَلَى
_________
(١) حديث: " إنما أنا بشر. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٣٣٩ ط السلفية) .
(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٣٣ - ٣٣٤.
الْخِلاَفِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - فِيمَا إِذَا تَعَيَّنَ تَزْوِيرُ الْيَمِينِ عِنْدَ الإِْكْرَاهِ عَلَيْهَا أَوِ الاِضْطِرَارِ إِلَيْهَا، لِدَفْعِ الأَْذَى عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَظْلُومٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيل أَحْكَامِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ فِي مُصْطَلَحِ: (أَيْمَانٌ) (١)
تَضْمِينُ شُهُودِ الزُّورِ:
١٤ - يَضْمَنُ شُهُودُ الزُّورِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ مِنْ ضَمَانٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ مَالًا رُدَّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إِتْلاَفًا فَعَلَى الشُّهُودِ ضَمَانُهُ؛ لأَِنَّهُمْ سَبَبُ إِتْلاَفِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، (٢) وَالْحَنَابِلَةُ (٣) إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ، إِذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ، كَأَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِقَتْلٍ عَمْدٍ عُدْوَانٍ، أَوْ بِرِدَّةٍ، أَوْ بِزِنًى وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَقُتِل بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا، وَأَقَرَّا بِتَعَمُّدِ قَتْلِهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ؛ لِعِلْمِهِمَا أَنَّهُ يُقْتَل بِشَهَادَتِهِمَا. فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا لِتَعَمُّدِ الْقَتْل بِتَزْوِيرِ الشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّ شَهَادَتَهُمَا سَبَبُ الْقَتْل، وَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ بِنَفْسِ التَّزْوِيرِ وَالْكَذِبِ.
وَتَجِبُ عَلَيْهِمَا الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ إِذَا آل الأَْمْرُ إِلَيْهَا بَدَل الْقِصَاصِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا شَهِدَا زُورًا بِمَا
_________
(١) الموسوعة الفقهية ٧ / ٢٨٢، ٢٨٦، ٢٨٧.
(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٣١١.
(٣) المغني ٩ / ٢٦٢، ٨ / ٦٤٥.
يُوجِبُ الْقَطْعَ قِصَاصًا فَقُطِعَ، أَوْ فِي سَرِقَةٍ لَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، وَإِذَا سَرَى أَثَرُ الْقَطْعِ إِلَى النَّفْسِ فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ. كَمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاضِي إِذَا قَضَى زُورًا بِالْقِصَاصِ، وَكَانَ يَعْلَمُ بِكَذِبِ الشُّهُودِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (١) وَالْحَنَفِيَّةُ (٢): إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ. لأَِنَّ الْقَتْل بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَتْلٌ بِالسَّبَبِ، وَالْقَتْل تَسَبُّبًا لاَ يُسَاوِي الْقَتْل مُبَاشَرَةً، وَلِذَا قَصَرَ أَثَرُهُ فَوَجَبَتْ بِهِ الدِّيَةُ لاَ الْقِصَاصُ. وَمَحَل وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ إِذَا تَبَيَّنَ كَذِبُ الشُّهُودِ، أَوْ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ. أَمَّا إِذَا رَجَعُوا قَبْلَهُ وَبَعْدَ الْحُكْمِ فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَلاَ غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ، بَل يُعَزَّرُونَ.
وَيَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شُهُودِ الزُّورِ إِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَى، وَيُقَامُ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ سَوَاءٌ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ قَبْل الاِسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، إِلاَّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ مَعَ حَدِّ الْقَذْفِ إِذَا شَهِدُوا بِالزِّنَى عَلَى مُحْصَنٍ، فَرُجِمَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِمْ. (٣) وَلِلتَّفْصِيل فِي أَحْكَامِ الْقِصَاصِ وَالْقَذْفِ يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (جِنَايَةٌ، حُدُودٌ، قِصَاصٌ) وَكَذَلِكَ (شَهَادَةٌ) (وَقَضَاءٌ) .
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ٢٩٥.
(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٣٩.
(٣) المغني ٨ / ٢١٥، ونهاية المحتاج ٨ / ٣١١.