الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْمُبَرَّزُ فِي الْعَدَالَةِ الْفَائِقُ أَقْرَانَهُ فِيهَا لاَ يُعْذَرُ فِيهِ لِغَيْرِ الْعَدَاوَةِ، وَيُعْذَرُ فِيهِ فِيهَا، وَمِثْلُهَا الْقَرَابَةُ. وَكَذَلِكَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْذَرُ إِلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّاهِدَ عَلَى مَنْ يُخْشَى مِنْهُ لاَ يُسَمَّى لَهُ. (١)

وَمُؤَدَّى ذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِينَ يُعْذَرُ فِيهِمْ إِلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بَعْدَ السُّؤَال وَالْبَحْثِ وَمُشَافَهَةِ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ جَرْحًا سَتَرَهُ، وَقَال لِلْمُدَّعِي: زِدْنِي فِي شُهُودِكَ، أَوْ تَعْدِيلًا عَمِل بِمُقْتَضَاهُ. (٢)

وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَعْمَل بِمُقْتَضَى الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيل، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُول لِلْمُدَّعِي الَّذِي أَحْضَرَ الشُّهُودَ: إِنَّ شُهُودَكَ قَدْ جَرَّحَهُمْ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، وَلاَ يَقُول لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إِنَّ مَنْ شَهِدُوا عَلَيْكَ قَدْ عَدَّلَهُمْ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ.

هَذَا وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

تَزْكِيَةُ رُوَاةِ الأَْحَادِيثِ:

٢٣ - الأَْحْكَامُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هِيَ فِي شُهُودِ الدَّعَاوَى.

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِرُوَاةِ الأَْحَادِيثِ فَقَدْ أَجْمَعَ جَمَاهِيرُ

_________

(١) الخرشي ٧ / ١٥٨ - ١٥٩.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٢٦٥ ط البابي الحلبي.

أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ضَابِطًا لِمَا يَرْوِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا، سَالِمًا مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ وَمَا يُخِل بِالْمُرُوءَةِ مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، ضَابِطًا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ. وَإِنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِالْمَعْنَى اشْتُرِطَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا يُحِيل الْمَعَانِيَ.

وَعَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةً تَثْبُتُ بِتَنْصِيصِ مُعَدِّلَيْنِ عَلَى عَدَالَتِهِ، وَتَارَةً تَثْبُتُ بِالاِسْتِفَاضَةِ، فِيمَنِ اشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ مِنْ أَهْل النَّقْل أَوْ نَحْوِهِمْ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ، وَمَنْ شَاعَ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِالثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذَلِكَ عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيصًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَعَلَيْهِ الاِعْتِمَادُ فِي فَنِّ أُصُول الْفِقْهِ. وَذَلِكَ مِثْل الإِْمَامِ مَالِكٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْحَافِظِ.

وَالتَّعْدِيل مَقْبُولٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَبَبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ؛ لأَِنَّ أَسْبَابَهُ كَثِيرَةٌ يَصْعُبُ حَصْرُهَا، بِخِلاَفِ الْجَرْحِ، فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَل إِلاَّ مُفَسَّرًا مُبَيَّنَ السَّبَبِ؛ لأَِنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فِيمَا يُجَرَّحُ وَلاَ يُجَرَّحُ. (١)

وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ وَأَحْكَامٌ أُخْرَى يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ، وَفِي عِلْمِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ.

_________

(١) علوم الحديث لابن الصلاح ٩٤ - ٩٦.

تَزْكِيَةُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ:

٢٤ - نَهَى اللَّهُ ﷿ عَنْ تَزْكِيَةِ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَل اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ . (٢) وَلَيْسَ مِنَ التَّزْكِيَةِ الْمَذْمُومَةِ بَيَانُ الإِْنْسَانِ لِبَعْضِ صِفَاتِهِ عَلَى سَبِيل التَّعْرِيفِ، حَيْثُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ فِي تَوْلِيَتِهِ، كَمَا حَصَل لِنَبِيِّ اللَّهِ يُوسُفَ ﵇ حَيْثُ قَال: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ . (٣)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مَدْحٌ) .

_________

(١) سورة النجم / ٣٢.

(٢) سورة النساء / ٤٩.

(٣) سورة يوسف / ٥٥.

تَزْوِيجٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّزْوِيجُ لُغَةً: مَصْدَرُ زَوَّجَ. يُقَال: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، وَزَوَّجَهُ امْرَأَةً أَيْ: قَرَنَهُ بِهَا. وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١) أَيْ قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ، وَكُل شَيْئَيْنِ اقْتَرَنَ أَحَدُهُمَا بِالآْخَرِ فَهُمَا زَوْجَانِ، (٢) وَالاِسْمُ مِنَ التَّزْوِيجِ: الزَّوَاجُ.

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ كَمَا عَرَّفَهُ الْحَنَفِيَّةُ: عَقْدٌ يُفِيدُ مِلْكَ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ، وَحِل اسْتِمْتَاعِ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُل عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ. (٣)

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - التَّزْوِيجُ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْحَالاَتِ بَل يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ النَّاسِ مِنْ نَاحِيَةِ قُدْرَتِهِمْ عَلَى مَطَالِبِ الزَّوَاجِ وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِلْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ.

_________

(١) سورة الدخان / ٥٤

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة " زوج ".

(٣) المغني لابن قدامة ٦ / ٤٤٥ ط الرياض، والشرح الصغير ٢ / ٣٣٢، وابن عابدين ٢ / ٢٥٨ ط الأميرية.

فَيَكُونُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا.

فَيَكُونُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا: إِذَا كَانَ الشَّخْصُ فِي حَالَةٍ يَتَيَقَّنُ فِيهَا الْوُقُوعَ فِي الزِّنَى إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَكَانَ قَادِرًا عَلَى النَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَحُقُوقِ الزَّوَاجِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلاَ يَسْتَطِيعُ الاِحْتِرَازَ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَى وَنَحْوِهِ.

وَيَكُونُ حَرَامًا: إِذَا كَانَ الْمَرْءُ فِي حَالَةٍ يَتَيَقَّنُ فِيهَا عَدَمَ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الزَّوْجِيَّةِ وَالإِْضْرَارَ بِالْمَرْأَةِ إِذَا هُوَ تَزَوَّجَ.

وَيَكُونُ مَكْرُوهًا: إِذَا خَافَ الشَّخْصُ الْوُقُوعَ فِي الْجَوْرِ وَالضَّرَرِ إِنْ تَزَوَّجَ؛ لِعَجْزِهِ عَنِ الإِْنْفَاقِ أَوْ عَدَمِ الْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ.

وَيَكُونُ مَنْدُوبًا: فِي حَالَةِ الاِعْتِدَال، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُعْتَدِل الطَّبِيعَةِ، بِحَيْثُ لاَ يَخْشَى الْوُقُوعَ فِي الزِّنَى إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، وَلاَ يَخْشَى أَنْ يَظْلِمَ زَوْجَتَهُ إِنْ تَزَوَّجَ، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الزَّوَاجَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُبَاحٌ، يَجُوزُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ. (١)

مَنْ لَهُ وِلاَيَةُ التَّزْوِيجِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرَّجُل الْحُرَّ الْبَالِغَ الْعَاقِل الرَّشِيدَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يُبَاشِرَ عَقْدَ النِّكَاحِ دُونَ إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ؛ لِمَا لَهُ مِنْ حُرِّيَّةِ

_________

(١) المغني ٦ / ٤٤٦ ط الرياض، وابن عابدين ٢ / ٢٦٠، ٢٦١، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٤، والشرح الصغير ٢ / ٣٣٠، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢١٤، ٢١٥.

التَّصَرُّفِ فِي خَالِصِ حَقِّهِ. كَمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّل غَيْرَهُ فِي تَزْوِيجِهِ، وَأَنْ يُزَوِّجَ غَيْرَهُ بِالْوِلاَيَةِ أَوِ الْوَكَالَةِ.

أَمَّا الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ فَلاَ وِلاَيَةَ لَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهُمَا الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا، أَوِ الْوَصِيُّ عَلَيْهِمَا. وَلاَ يَجُوزُ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ مُبَاشَرَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِمَا.

وَالسَّفِيهُ لاَ يَصِحُّ لَهُ الزَّوَاجُ بِدُونِ إِذْنِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِلاَ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وَأَنْ يُبَاشِرَ الْعَقْدَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ عَقْدٌ غَيْرُ مَالِيٍّ فَصَحَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ الْمَال، فَحُصُولُهُ بِطَرِيقِ الضِّمْنِ، فَلاَ يَمْنَعُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَقْدِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي تَزْوِيجِ الْقَيِّمِ لِلسَّفِيهِ: إِنْ تَزَوَّجَ صَحَّ النِّكَاحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: لاَ يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ.

وَالْوِلاَيَةُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وِلاَيَةُ إِجْبَارٍ، فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهُمَا، بِدُونِ إِذْنِهِمَا، إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ. وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ. (١)

_________

(١) الهداية ١ / ١٩٠، ١٩٩، ٢١٥، ٢١٦، والاختيار ٢ / ٩٤، ٩٦، ٩٧، والبدائع ٢ / ٢٤١، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٤، ٢٨٥، ٢٨٦، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٥٢٩، ٥٤٥، ومنح الجليل ٣ / ٤٣٩، ٤٤٠، والمهذب ٢ / ٣٤، ٣٦، ٣٧، ٤١، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٣، ٢٢٤، ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤، ومنتهى الإرادات ٣ / ١٣، ١٤، ١٥، ١٩، ٢٠، والمغني ٦ / ٤٦٩، ٤٧٠، ٥٠٢، ٥١٥، ٤ / ٥٢٣.

لَكِنِ الاِخْتِلاَفُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الإِْجْبَارِ، هَل الأَْبُ فَقَطْ أَوِ الأَْبُ وَالْجَدُّ، أَوِ الأَْبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ أَوْ غَيْرُهُمَا. وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وِلاَيَةٌ) .

تَزْوِيجُ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا:

٤ - الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ الْحُرَّةُ الرَّشِيدَةُ لاَ يَجُوزُ لَهَا تَزْوِيجُ نَفْسِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بِنَفْسِهَا، وَإِنَّمَا يُبَاشِرُهُ الْوَلِيُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لِحَدِيثِ لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ (١) وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَل بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَل مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لاَ وَلِيَّ لَهُ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ لاَ تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلاَ تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا. (٣)

_________

(١) حديث: " لا نكاح إلا بولي " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٦٨ - ط عزت عبيد دعاس) وأحمد (٤ / ٣٩٤ - ط الميمنية) . وقال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ﷺ (المستدرك ٢ / ١٧٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) .

(٢) حديث " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٦٨ - ط عزت عبيد دعاس، والترمذي ٣ / ٤٠٧ ط عزت عبيد دعاس) وصححه ابن معين كما في الكامل لابن عدي (٣ / ١١١٥ - ط دار الفكر) .

(٣» حديث " لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٠٦ - ط الحلبي) والدارقطني (٣ / ٢٢٨ ط دار المحاسن) واللفظ للدارقطني. وإسناده حسن. (التلخيص لابن حجر ٣ / ١٥٧ ط شركة الطباعة الفنية) .

وَلاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُزَوِّجَ غَيْرَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَرْأَةُ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا. وَقَالُوا: الْبِكْرُ يُجْبِرُهَا الْوَلِيُّ عَلَى النِّكَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إِذْنُهَا. أَمَّا الثَّيِّبُ إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَلاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ، وَتُسْتَأْذَنَ. وَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ بَطَّةَ وَالْقَاضِي. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ لأَِبِيهَا تَزْوِيجَهَا، وَلاَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَأْمِرَهَا، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ. وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الصِّغَرُ، وَلِذَلِكَ لَهُ وِلاَيَةُ إِجْبَارِهَا.

أَمَّا الثَّيِّبُ الْكَبِيرَةُ - فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَلِي عَقْدَ نِكَاحِهَا بِنَفْسِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا بِدُونِ إِذْنِهَا وَرِضَاهَا (١) لِمَا رَوَتْ الْخَنْسَاءُ بِنْتُ خِذَامٍ الأَْنْصَارِيَّةُ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَرَدَّ نِكَاحَهُ (٢) . وَلِحَدِيثِ الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا (٣)

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٢٧٨، والمهذب ٢ / ٣٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٢١٩، ٢٢٣، ٢٢٤، والمغني ٦ / ٤٨٦، ٤٨٨، ٤٩٠، ٤٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ١٣، ١٤، ونيل الأوطار ٦ / ١٢٠ - ١٢١.

(٢) أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٩٤ - ط السلفية) .

(٣) حديث: " الثيب أحق بنفسها من وليها " أخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (٣ / ٢٤٠ ط دار المحاسن) . وأخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٧ ط الحلبي) بلفظ: " الأيم ".

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَهُمْ إِجْبَارُ الْبَالِغَةِ عَلَى النِّكَاحِ بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا، (١) وَلَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ بِنَفْسِهَا. فَفِي الْهِدَايَةِ: يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ الْبَالِغَةِ بِرِضَاهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ عَلَيْهَا وَلِيٌّ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ إِلاَّ بِوَلِيٍّ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا. وَوَجْهُ الْجَوَازِ: أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ فِي خَالِصِ حَقِّهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لِكَوْنِهَا عَاقِلَةً بَالِغَةً مُمَيِّزَةً، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ الْوَلِيُّ بِالتَّزْوِيجِ كَيْ لاَ تُنْسَبَ إِلَى الْوَقَاحَةِ. (٢)

وَالثَّيِّبُ مِنْ بَابِ أَوْلَى إِذَا كَانَتْ كَبِيرَةً، فَإِنَّهَا تَعْقِدُ عَلَى نَفْسِهَا. أَمَّا الصَّغِيرَةُ سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا فَلِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ؛ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الإِْجْبَارِ تَدُورُ مَعَ الصِّغَرِ وُجُودًا وَعَدَمًا. (٣)

وَأَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَلِلْوَلِيِّ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ مُطْلَقًا، وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ. (٤)

وَفِي كُل مَا مَرَّ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (نِكَاحٌ - وِلاَيَةٌ) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٢٤١.

(٢) الهداية ١ / ١٩٦.

(٣) البدائع ٢ / ٢٤١.

(٤) البدائع ٢ / ٢٤١، والهداية ١ / ٢١٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٧، ٢٧٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٢٤، ٢٤١، والمهذب ٢ / ٣٨، ومنتهى الإرادات ٣ / ١٤، ١٥.

تَزْوِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّزْوِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ زَوَّرَ، وَهُوَ مِنَ الزُّورِ، وَالزُّورُ: الْكَذِبُ، قَال تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (١) وَزَوَّرَ كَلاَمَهُ: أَيْ زَخْرَفَهُ، وَهُوَ أَيْضًا: تَزْيِينُ الْكَذِبِ. وَزَوَّرْتُ الْكَلاَمَ فِي نَفْسِي: هَيَّأْتُهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عُمَرَ ﵁: مَا زَوَّرْتُ كَلاَمًا لأَِقُولَهُ إِلاَّ سَبَقَنِي إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ. أَيْ: هَيَّأْتُهُ وَأَتْقَنَتْهُ.

وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ أُخْرَى. (٢)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَحْسِينُ الشَّيْءِ وَوَصْفُهُ بِخِلاَفِ صِفَتِهِ، حَتَّى يُخَيَّل إِلَى مَنْ سَمِعَهُ أَوْ رَآهُ أَنَّهُ بِخِلاَفِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ. فَهُوَ تَمْوِيهُ الْبَاطِل بِمَا يُوهِمُ أَنَّهُ حَقٌّ. (٣)

_________

(١) سورة الفرقان / ٧٢.

(٢) تاج العروس ومختار الصحاح. مادة: " زور ".

(٣) سبل السلام ٤ / ١٣٠ ط الكتب العلمية ببيروت.