الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

عَنْهَا بِذَلِكَ، وَلاَ يَحْتَاجُ لِفَكٍّ مِنَ الأَْبِ، وَيَجُوزُ لِلأَْبِ تَرْشِيدُهَا قَبْل الدُّخُول إِذَا بَلَغَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي وِصَايَةِ الْوَصِيِّ أَوِ الْمُقَدَّمِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ الْفَكِّ مِنْهُمَا بَعْدَ الدُّخُول.

ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الأُْنْثَى مَعْلُومَةَ الرُّشْدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَرْشِيدُهَا مُطْلَقًا: أَيْ قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ لِكُلٍّ مِنَ الأَْبِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُقَدَّمِ.

وَأَمَّا مَجْهُولَةُ الرُّشْدِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلأَْبِ تَرْشِيدُهَا قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ، وَلِلْوَصِيِّ تَرْشِيدُهَا بَعْدَ الدُّخُول لاَ قَبْلَهُ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُقَدَّمِ تَرْشِيدُهَا لاَ قَبْل الدُّخُول وَلاَ بَعْدَهُ (١) .

مَا يَكُونُ بِهِ التَّرْشِيدُ:

٤ - لَيْسَ لِلتَّرْشِيدِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، فَكَمَا يَكُونُ صَرَاحَةً يَكُونُ دَلاَلَةً أَيْضًا (٢) .

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ تَرْشِيدَ الصَّبِيِّ يَكُونُ بِقَوْل الْوَلِيِّ لِلْعُدُول: اشْهَدُوا أَنِّي فَكَكْتُ الْحَجْرَ عَنْ فُلاَنٍ مَحْجُورِي، وَأَطْلَقْتُ لَهُ التَّصَرُّفَ، وَمَلَّكْتُ لَهُ أَمْرَهُ.

وَتَرْشِيدُ الأُْنْثَى يَكُونُ بِقَوْلِهِ لَهَا: رَشَّدْتُكِ، أَوْ أَطْلَقْتُ يَدَكِ، أَوْ رَفَعْتُ الْحَجْرَ عَنْكِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (٣) .

_________

(١) الدسوقي ٢ / ٢٢٣، ٣ / ٢٩٦، ٢٩٨، ٢٩٩.

(٢) مجلة الأحكام العدلية م (٩٧١)، وروضة الطالبين ٤ / ١٨١، ١٨٢، وكشاف القناع ٣ / ٤٥٢.

(٣) الدسوقي ٢ / ٢٢٣، ٣ / ٢٩٦.

ضَمَانُ الْمَال إِذَا أَخْطَأَ الْوَلِيُّ فِي التَّرْشِيدِ:

٥ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ وَصِيَّ الصَّغِيرِ إِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ قَبْل ثُبُوتِ رُشْدِهِ، فَضَاعَ الْمَال فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ الصَّغِيرُ، يَصِيرُ الْوَصِيُّ ضَامِنًا. وَأَمَّا إِذَا بَلَغَ وَلَمْ يَعْلَمْ رُشْدَهُ وَسَفَهَهُ، فَأَعْطَى الْوَصِيُّ لَهُ مَالَهُ، وَثَبَتَ كَوْنُهُ مُفْسِدًا وَغَيْرَ رَشِيدٍ، فَيَلْزَمُ الْوَصِيَّ الضَّمَانُ عَلَى مَا فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ وَالشَّلَبِيِّ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: لاَ يَلْزَمُ الْوَصِيَّ ضَمَانٌ عَلَى مَا أَفَادَهُ صَاحِبُ تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الْحَامِدِيَّةِ (١) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْوَلِيَّ لاَ يَضْمَنُ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفَهُ بَعْدَ تَرْشِيدِهِ؛ لأَِنَّ الْوَلِيَّ فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ (٢) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَلَمْ يَنُصُّوا عَلَى مَسْأَلَةِ الضَّمَانِ.

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م / ٩٨٣، ودرر الحكام ٢ / ٦٢٩، ٦٣٢.

(٢) الخرشي، وحاشية العدوي عليه ٥ / ٢٩٤، وكتاب الفروع ٤ / ٣٢٤، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥٢٥.

تَرَضِّي

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّرَضِّي: طَلَبُ الرِّضَا. وَالرِّضَا: خِلاَفُ السُّخْطِ. وَالتَّرَضِّي عَنْ فُلاَنٍ قَوْل: ﵁ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِكَلِمَةِ التَّرَضِّي عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّرَحُّمُ:

٢ - التَّرَحُّمُ: مِنَ الرَّحْمَةِ، وَلَهَا فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٌ مِنْهَا: الرِّقَةُ، وَالْخَيْرُ، وَالنِّعْمَةُ، وَالنُّبُوَّةُ. وَمِنْهُ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿وَاَللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) أَيْ بِنُبُوَّتِهِ.

وَالتَّرَحُّمُ قَوْل: ﵀، وَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِ: أَيْ قُلْتَ لَهُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَرَحَّمَ عَلَيْهِ قَال:

_________

(١) لسان العرب المحيط مادة: " رضا "، ودستور العلماء مادة: " ترضي، وترحم ".

(٢) سورة البقرة / ١٠٥.

رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَرَاحَمَ الْقَوْمُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (١) .

فَالتَّرَضِّي دُعَاءٌ بِالرِّضَا، وَالتَّرَحُّمُ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّرَضِّي بِاخْتِلاَفِ الْمُتَرَضَّى عَنْهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أ - التَّرَضِّي عَمَّنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ:

٤ - يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي عَمَّنِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ: كَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَلُقْمَانَ، وَذِي الْكِفْل وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ: أَنَّ الدُّعَاءَ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِمْ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَلَكِنَّ الأَْرْجَحَ أَنْ يُقَال: ﵃؛ لأَِنَّ مَرْتَبَتَهُمْ غَيْرُ مَرْتَبَةِ الأَْنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُمْ أَنْبِيَاءَ (٢) .

ب - التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ:

٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃، لأَِنَّهُمْ كَانُوا يُبَالِغُونَ فِي طَلَبِ الرِّضَا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ

_________

(١) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والصحاح في اللغة والعلوم، ومتن اللغة، ومختار الصحاح مادة: " رحم " ودستور العلماء مادة: " ترضى، وترحم ".

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٠ ط دار إحياء التراث العربي، والأذكار ص ١٠٩.

وَتَعَالَى، وَيَجْتَهِدُونَ فِي فِعْل مَا يُرْضِيهِ، وَيَرْضَوْنَ بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الاِبْتِلاَءِ مِنْ عِنْدِهِ أَشَدَّ الرِّضَا، فَهَؤُلاَءِ أَحَقُّ بِالرِّضَا (١) .

وَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا ابْنَ صَحَابِيٍّ كَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَال: ﵄؛ لِتَشْمَلَهُ وَأَبَاهُ. وَإِذَا كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنَ الصَّحَابَةِ قَال: ﵃ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ ﵃ (٢) .

ج - التَّرَضِّي عَنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ:

٦ - قَال صَاحِبُ عُمْدَةِ الأَْبْرَارِ: يَجُوزُ التَّرَضِّي عَنِ السَّلَفِ مِنَ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِّيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٣) .

فَفِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ ذِكْرُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذَا، مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ.

وَكَمَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ مِثْل: التَّقْوِيمِ، وَالْبَزْدَوِيِّ، وَالسَّرَخْسِيِّ، وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا بَعْدَ ذِكْرِ الأَْسَاتِذَةِ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِ نَفْسِهِ رَضِيَ اللَّهُ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨٠.

(٢) الأذكار ص ١٠٩، والفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٢ / ٣٤٢ - ط المكتبة الإسلامية.

(٣) سورة البينة / ٧، ٨.

فَلَوْ لَمْ يَجُزِ الدُّعَاءُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا ذَكَرُوهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَهَكَذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بَيْنَ أَهْل الْعِلْمِ بِالاِبْتِدَاءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ، حَيْثُ يَقُولُونَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ وَعَنْ وَالِدَيْكَ إِلَى آخِرِهِ.

وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، بَل اسْتَحْسَنُوا الدُّعَاءَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَكَانُوا يُعَلِّمُونَ ذَلِكَ لِتَلاَمِذَتِهِمْ، فَعَلَيْهِ عَمَل الأُْمَّةِ (١) .

د - الْمُحَافَظَةُ عَلَى كِتَابَةِ التَّرَضِّي:

٧ - يَنْبَغِي أَنْ يُحَافَظَ عَلَى كِتَابَةِ التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ الأَْخْيَارِ، وَلاَ يَسْأَمُ مِنْ تَكْرَارِهِ، وَمَنْ أَغْفَلَهُ حُرِمَ حَظًّا عَظِيمًا، وَإِذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ بِالتَّرَضِّي كَانَتِ الْعِنَايَةُ بِهِ أَشَدَّ (٢) .

هـ - مَا يَجِبُ عَلَى سَامِعِ التَّرَضِّي:

٨ - يَنْبَغِي لِسَامِعِ التَّرَضِّي عَنِ الصَّحَابَةِ وَلَوْ حَال الْخُطْبَةِ أَنْ يَتَرَضَّى عَنْهُمْ، كَمَا يَنْبَغِي لِسَامِعِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ لأَِنَّهُ أَفْضَل مِنَ الإِْنْصَاتِ (٣) .

وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (خُطْبَةٌ) .

_________

(١) ذيل الجواهر المضية ٢ / ٥٥٧، ٥٥٨، وابن عابدين ١ / ٣٥، ونهاية المحتاج ١ / ٤٨، والمجموع ١ / ١٤.

(٢) تدريب الراوي ص ٢٩٢، ٢٩٣ ط المكتبة العلمية.

(٣) بغية المسترشدين ص ٨٣ ط مصطفى البابي الحلبي.

تَرْكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّرْكُ لُغَةً: وَدْعُكَ الشَّيْءَ، وَيُقَال: تَرَكْتُ الشَّيْءَ: إِذَا خَلَّيْتَهُ، وَتَرَكْتُ الْمَنْزِل: إِذَا رَحَلْتَ عَنْهُ، وَتَرَكْتُ الرَّجُل: إِذَا فَارَقْتَهُ. ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي، فَقِيل: تَرَكَ حَقَّهُ: إِذَا أَسْقَطَهُ، وَتَرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ: إِذَا لَمْ يَأْتِ بِهَا، فَإِنَّهُ إِسْقَاطٌ لِمَا ثَبَتَ شَرْعًا (١)

وَالتَّرْكُ فِي اصْطِلاَحِ أَكْثَرِ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ: كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الإِْيقَاعِ، فَهُوَ فِعْلٌ نَفْسِيٌّ، وَقِيل: إِنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْهْمَال:

٢ - الإِْهْمَال: التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ،

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير. مادة " ترك ".

(٢) جمع الجوامع ١ / ٢١٣ وما بعدها، والأحكام للآمدي ١ / ١٤٧، وشرح مسلم الثبوت ١ / ١٣٢، والمستصفى ١ / ٩٠، وأصول السرخسي ١ / ٩٠، وشرح العضد ٢ / ١٣، ١٤، وحاشية الدسوقي ٢ / ١١٠، ٤ / ٣٠١، والمنثور للزركشي ١ / ٢٨٤، والأشباه لابن نجيم ص ٢٦، ٢٩.

وَيُقَال: أَهْمَلَهُ إِهْمَالًا إِذَا خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ، وَيَأْتِي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِمَعْنَى التَّرْكِ (١) .

ب - التَّخْلِيَةُ:

٣ - التَّخْلِيَةُ: التَّرْكُ وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي: تَمْكِينِ الشَّخْصِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ دُونَ حَائِلٍ (٢) .

فَالتَّرْكُ أَعَمُّ مِنَ التَّخْلِيَةِ.

ج - الإِْسْقَاطُ وَالإِْبْرَاءُ:

٤ - الإِْسْقَاطُ: إِزَالَةُ الْمِلْكِ أَوِ الْحَقِّ لاَ إِلَى مَالِكٍ أَوْ مُسْتَحِقٍّ.

وَالإِْبْرَاءُ: إِسْقَاطُ الشَّخْصِ حَقًّا لَهُ فِي ذِمَّةِ آخَرَ أَوْ قِبَلَهُ (٣) .

وَكِلاَهُمَا يُسْتَعْمَل فِي مَوْطِنِ التَّرْكِ إِلاَّ أَنَّ التَّرْكَ أَعَمُّ فِي اسْتِعْمَالاَتِهِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا - التَّرْكُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

أ - التَّرْكُ وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ:

٥ - اقْتِضَاءُ التَّرْكِ فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ

_________

(١) المعجم الوسيط، والمصباح المنير، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٤٥.

(٢) المعجم الوسيط وتاج العروس ومتن اللغة، وابن عابدين ٤ / ٤٣، والفروق في اللغة ص ١٠٦، والبدائع ٥ / ٢٤٤، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٤٥، والقليوبي ٢ / ٢١٥، والمغني ٤ / ١٢٥ و١٢٦.

(٣) لسان العرب، والمصباح المنير، وابن عابدين ٤ / ٢٧٦، والموسوعة الفقهية (الكويت) ٤ / ٢٢٦.

بِفِعْل الْمُكَلَّفِ هُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ.

وَاقْتِضَاءُ التَّرْكِ لِشَيْءٍ إِنْ كَانَ جَازِمًا فَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ جَازِمٍ فَهُوَ لِلْكَرَاهَةِ، وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لاِقْتِضَاءِ الْفِعْل فِي الْخِطَابِ فَهُوَ لِلإِْبَاحَةِ (١) .

وَانْظُرِ الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ.

ب - التَّرْكُ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ:

٦ - يَتَعَلَّقُ التَّكْلِيفُ بِالتَّرْكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ؛ إِذِ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ هُوَ الْكَفُّ، أَيْ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الْفِعْل إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِعْلٌ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتِ الْقَاعِدَةُ الأُْصُولِيَّةُ (لاَ تَكْلِيفَ إِلاَّ بِفِعْلٍ) وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الأَْمْرِ، وَفِي النَّهْيِ عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ وَهُوَ التَّرْكُ فِعْلٌ، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ التَّرْكَ مِنْ مُقْتَضَى النَّهْيِ، وَالنَّهْيُ تَكْلِيفٌ، وَالتَّكْلِيفُ إِنَّمَا يَرِدُ بِمَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ، وَالْعَدَمُ الأَْصْلِيُّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا؛ لأَِنَّ الْقُدْرَةَ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ أَثَرٍ وُجُودِيٍّ، وَالْعَدَمُ نَفْيٌ مَحْضٌ، فَيُمْتَنَعُ إِسْنَادُهُ إِلَيْهَا. وَلأَِنَّ الْعَدَمَ الأَْصْلِيَّ - أَيِ الْمُسْتَمِرَّ - حَاصِلٌ، وَالْحَاصِل لاَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ ثَانِيًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مُقْتَضَى النَّهْيِ لَيْسَ هُوَ الْعَدَمَ ثَبَتَ أَنَّهُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ.

_________

(١) جمع الجوامع ١ / ٨٠، والتلويح على التوضيح ١ / ١٣، والبدخشي والأسنوي ١ / ٤٠.

كَذَلِكَ قَالُوا: إِنَّ مُمْتَثِل التَّكْلِيفِ مُطِيعٌ وَالطَّاعَةُ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلثَّوَابِ، وَلاَ يُثَابُ إِلاَّ عَلَى شَيْءٍ (وَأَلاَّ يَفْعَل) عَدَمٌ مَحْضٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ شَيْءٌ فَكَيْفَ يُثَابُ عَلَى لاَ شَيْءَ؟ .

وَقَال قَوْمٌ، مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ: إِنَّ التَّرْكَ غَيْرُ فِعْلٍ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ بِأَنْ لاَ يَشَاءَ فِعْلَهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ (١) .

وَانْظُرِ: الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ.

هَذَا، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ لاَ يُشْتَرَطُ لَهُ قَصْدُ التَّرْكِ امْتِثَالًا، بَل يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّرْكِ. إِنَّمَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّرْكِ امْتِثَالًا لِحُصُول الثَّوَابِ (٢) .

لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٣) .

وَفِي تَقْرِيرَاتِ الشِّرْبِينِيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ: فِي التَّكْلِيفِ بِالنَّهْيِ ثَلاَثَةُ أُمُورٍ:

الأَْوَّل: الْمُكَلَّفُ بِهِ، وَهُوَ مُطْلَقُ التَّرْكِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الاِمْتِثَال، بَل مَدَارُهُ عَلَى إِقْبَال النَّفْسِ عَلَى الْفِعْل، ثُمَّ كَفِّهَا عَنْهُ.

_________

(١) الأسنوي ٢ / ٥٥، والآمدي ١ / ١٤٧، وجمع الجوامع ١ / ٢١٣ وما بعدها، وشرح العضد ٢ / ١٣، ١٤، والمستصفى ١ / ٩٠، والتقرير والتحبير ٢ / ٨١ و٨٢.

(٢) جمع الجوامع ١ / ٢١٦، والذخيرة ص ٦٢.

(٣) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٩ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٥١٥ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.