الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
تَرَسُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلتَّرَسُّل فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: التَّمَهُّل وَالتَّأَنِّي. يُقَال: تَرَسَّل فِي قِرَاءَتِهِ بِمَعْنَى: تَمَهَّل وَاتَّأَدَ فِيهَا. وَتَرَسَّل الرَّجُل فِي كَلاَمِهِ وَمَشْيِهِ: إِذَا لَمْ يَعْجَل (١) . وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل (٢): أَيْ تَأَنَّ وَلاَ تَعْجَل.
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ اصْطِلاَحًا عَنْ هَذَا، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الأَْذَانِ: التَّمَهُّل وَالتَّأَنِّي وَتَرْكُ الْعَجَلَةِ، وَيَكُونُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَ كُل جُمْلَتَيْنِ مِنْ جُمَل الأَْذَانِ تَسَعُ الإِْجَابَةَ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلاَ مَدٍّ مُفْرِطٍ (٣) .
٢ - وَالْحَدْرُ يُقَابِل التَّرَسُّل، وَلَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومعجم متن اللغة دار مكتبة الحياة بيروت. مادة: " رسل ".
(٢) حديث: " إذا أذنت فترسل ". أخرجه الترمذي (١ / ٣٧٣ - ط الحلبي) وضعفه ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٠٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) ابن عابدين ١ / ٢٥٩، والاختيار شرح المختار ١ / ٤٢ ط دار المعرفة، ومراقي الفلاح / ١٠٦، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب بذيل المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٥، ونهاية المحتاج للرملي ١ / ٣٩١، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٧ م الرياض الحديثة، ومواهب الجليل بشرح مختصر خليل ١ / ٤٣٧ م الرياض الحديثة، ومواهب الجليل بشرح مختصر خليل ١ / ٤٣٧ م النجاح ليبيا.
مِنْهَا: الإِْسْرَاعُ فِي الْقِرَاءَةِ. يُقَال: حَدَرَ الرَّجُل الأَْذَانَ وَالإِْقَامَةَ وَالْقِرَاءَةَ وَحَدَرَ فِيهَا كُلِّهَا حَدْرًا مِنْ بَابِ قَتَل: إِذَا أَسْرَعَ (١) . وَفِي حَدِيثِ الأَْذَانِ: إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ (٢) أَيْ أَسْرِعْ وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ ذَلِكَ.
وَالْحَدْرُ سُنَّةٌ فِي الإِْقَامَةِ، مَكْرُوهٌ فِي الأَْذَانِ (٣) . لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ ﵁: يَا بِلاَل إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ (٤)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ لِلتَّرَسُّل:
٣ - لِلتَّرَسُّل أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ.
فَهُوَ فِي الأَْذَانِ مَسْنُونٌ.
وَصِفَتُهُ: أَنْ يَتَمَهَّل الْمُؤَذِّنُ فِيهِ بِسَكْتَةٍ بَيْنَ كُل
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة: " حدر " وكشاف القناع ١ / ٢٣٨ م النصر الحديثة.
(٢) حديث: " إذا أذنت فترسل. . . ". سبق تخريجه (ف / ١)
(٣) كشاف القناع ١ / ٢٣٨ م النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٧ م الرياض الحديثة، وابن عابدين ١ / ٢٦٠، والاختيار شرح المختار ١ / ٤٣ ط دار المعرفة، ومراقي الفلاح ١٠٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٥، ونهاية المحتاج للرملي ١ / ٣٩٠ - ٣٩١، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٤٣٧.
(٤) حديث: " يا بلال إذا أذنت فترسل. . . " سبق تخريجه (ف / ١) .
جُمْلَتَيْنِ مِنْهُ تَسَعُ إِجَابَةَ السَّامِعِ لَهُ، وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَمْطِيطٍ وَلاَ مَدٍّ مُفْرِطٍ وَلاَ تَطْرِيبٍ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِبِلاَلٍ: يَا بِلاَل إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ مُؤَذِّنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ قَال: " إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّل (١) وَمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَال لاِبْنِ عُمَرَ: إِنِّي لأَُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. قَال: وَأَنَا أَبْغَضُكَ فِي اللَّهِ. إِنَّك تُغَنِّي فِي أَذَانِكَ.
هَذَا مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ (٢) .
وَالتَّرَسُّل فِي الإِْقَامَةِ مَكْرُوهٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ يُقِيمُ الصَّلاَةَ أَنْ يُسْرِعَ فِيهَا وَلاَ يَتَرَسَّل؛ لِلأَْحَادِيثِ السَّابِقَةِ (٣) .
هَذَا، وَالأَْذَانُ قَدْ شُرِعَ لِلإِْعْلاَمِ بِدُخُول
_________
(١) حديث: " إذا أذنت فترسل. . . " سبق تخريجه (ف / ١) .
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٥٩، والاختيار شرح المختار ١ / ٤٣ ط دار المعرفة، ومراقي الفلاح ١٠٦، ونهاية المحتاج للرملي ١ / ٣٩١، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٥، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٤٣٧ م النجاح ليبيا، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦ / ٢٣٠ (ط الثامنة) والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٧ م الرياض الحديثة، كشاف القناع ١ / ٢٣٨ م. النصر الحديثة.
(٣) ابن عابدين ١ / ٢٦٠، والاختيار شرح المختار ١ / ٤٣ ط دار المعرفة، ومراقي الفلاح ١٠٦، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٥، نهاية المحتاج للرملي ١ / ٣٩١، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٧ م الرياض الحديثة، كشاف القناع ١ / ٢٣٨ م النصر الحديثة، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٤٣٧ م النجاح ليبيا.
الْوَقْتِ وَتَنْبِيهِ الْغَائِبِينَ إِلَيْهِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْحُضُورِ لِلصَّلاَةِ. أَمَّا الإِْقَامَةُ فَقَدْ شُرِعَتْ لإِعْلاَمِ الْحَاضِرِينَ بِالتَّأَهُّبِ لِلصَّلاَةِ وَالْقِيَامِ لَهَا، وَلِذَا كَانَ التَّرَسُّل فِي الأَْذَانِ أَبْلَغَ فِي الإِْعْلاَمِ، أَمَّا الإِْقَامَةُ فَلاَ حَاجَةَ فِيهَا إِلَى التَّرَسُّل (١) . وَلِذَا ثُنِّيَ الأَْذَانُ وَأُفْرِدَتِ الإِْقَامَةُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَْذَانَ وَيُوتِرَ الإِْقَامَةَ (٢) . زَادَ حَمَّادٌ فِي حَدِيثِهِ " إِلاَّ الإِْقَامَةَ "، وَاسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ الأَْذَانُ فِي مَكَانٍ عَالٍ بِخِلاَفِ الإِْقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّوْتُ فِي الأَْذَانِ أَرْفَعَ مِنْهُ فِي الإِْقَامَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الأَْذَانُ مُرَتَّلًا وَالإِْقَامَةُ مُسْرِعَةً، وَسُنَّ تَكْرَارُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ مَرَّتَيْنِ فِي الإِْقَامَةِ؛ لأَِنَّهَا الْمَقْصُودَةُ مِنَ الإِْقَامَةِ بِالذَّاتِ (٣) . (ر: أَذَانٌ، إِقَامَةٌ) .
_________
(١) مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٤٦٤، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٥، ونهاية المحتاج للرملي ١ / ٣٩٠، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٠٧ م الرياض الحديثة.
(٢) حديث: " أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة ". أخرجه البخاري (٢ / ٨٢ - الفتح ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٨٦ - ط الحلبي) .
(٣) عون المعبود شرح سنن أبي داود ٢ / ٢٠١ - ٢٠٣ ط دار الفكر.
تَرْسِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرْسِيمُ لُغَةً مَصْدَرُ رَسَمَ. جَاءَ فِي الْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ: رَسَمَ الثَّوْبَ: خَطَّطَهُ خُطُوطًا خَفِيَّةً. وَالاِسْمُ: الرَّسْمُ.
وَلِلرَّسْمِ مَعَانٍ مِنْهَا الأَْثَرُ يُقَال: رَسَمَتِ النَّاقَةُ: إِذَا أَثَّرَتْ فِي الأَْرْضِ مِنْ شِدَّةِ الْوَطْءِ.
وَرَسَمَ الْغَيْثُ الدِّيَارَ يَرْسُمُهَا رَسْمًا: إِذَا عَفَاهَا وَأَبْقَى أَثَرَهَا لاَصِقًا بِالأَْرْضِ. وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى الأَْمْرِ بِالشَّيْءِ يُقَال: رَسَمَ لَهُ كَذَا إِذَا أَمَرَهُ بِهِ فَارْتَسَمَ: أَيِ امْتَثَل بِهِ (١) .
وَالتَّرْسِيمُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ - كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ - هُوَ: التَّضْيِيقُ عَلَى الشَّخْصِ، وَتَحْدِيدُ حَرَكَتِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى آخَرَ (٢) .
_________
(١) المعجم الوسيط، لسان العرب، ومتن اللغة، ومحيط المحيط، مادة: " رسم ".
(٢) تحفة الحبيب على شرح الخطيب والإقناع ٣ / ١٢٠، وحاشية البجيرمي على شرح المنهج ٣ / ٧٣، وحاشية القليوبي ٣ / ٤.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارِ ذِي التَّرْسِيمِ:
٢ - جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيِّ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: لاَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى إِقْرَارٍ نَحْوَ مَحْبُوسٍ وَذِي تَرْسِيمٍ؛ لِوُجُودِ أَمَارَةِ الإِْكْرَاهِ (١) .
كَمَا لاَ يَصِحُّ مِنَ الْمَحْبُوسِ وَذِي التَّرْسِيمِ إِقْرَارُهُ بِحَقٍّ أَوْ مَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ. قَال فِي شَرْحِ مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى: تُقْبَل مِنْ مُقِرٍّ وَنَحْوِهِ دَعْوَى إِكْرَاهٍ عَلَى إِقْرَارٍ بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى إِكْرَاهٍ، كَتَهْدِيدِ قَادِرٍ عَلَى مَا هُدِّدَ بِهِ مِنْ ضَرْبٍ أَوْ حَبْسٍ، وَتَرْسِيمٍ عَلَيْهِ أَوْ سِجْنِهِ أَوْ أَخْذِ مَالِهِ وَنَحْوِهِ؛ لِدَلاَلَةِ الْحَال عَلَيْهِ (٢) .
_________
(١) القليوبي ٣ / ٤.
(٢) مطالب أولي النهى ٦ / ٦٥٧.
تَرْشِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرْشِيدُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّشْدِ، وَهُوَ الصَّلاَحُ وَإِصَابَةُ الصَّوَابِ. وَرَشَّدَهُ الْقَاضِي تَرْشِيدًا: جَعَلَهُ رَشِيدًا (١) .
وَالتَّرْشِيدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: رَفْعُ الْحَجْرِ عَنِ الصَّغِيرِ بَعْدَ اخْتِبَارِهِ،
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَكُونُ الرُّشْدُ بِالصَّلاَحِ فِي الْمَال (٢) . وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الصَّلاَحُ فِي الدِّينِ وَالْمَال (٣)
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْعَاقِل أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِ، وَيَأْذَنَ لَهُ بِالتِّجَارَةِ لِلاِخْتِبَارِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ
_________
(١) المصباح مادة: " رشد ".
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٩٤، ٩٥ ط بيروت - لبنان، وبدائع الصنائع للكاساني ٧ / ١٧٠، ١٧١ ط الجمالية بمصر، والخرشي على مختصر خليل ٥ / ٢٩٤ ط دار صادر بيروت، والمغني والشرح الكبير ٤ / ٥١٥ وما بعدها.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ٣٥٠ ط المكتبة الإسلامية.
فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١) أَذِنَ اللَّهُ ﷾ فِي ابْتِلاَءِ الْيَتَامَى، وَالاِبْتِلاَءُ: الاِخْتِبَارُ، وَذَلِكَ بِالتِّجَارَةِ، فَكَانَ الإِْذْنُ بِالاِبْتِلاَءِ إِذْنًا بِالتِّجَارَةِ، وَإِذَا اخْتَبَرَهُ: فَإِنْ آنَسَ مِنْهُ رُشْدًا وَقَدْ بَلَغَ دَفَعَ الْبَاقِيَ إِلَيْهِ لِلآْيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَأْنَسْ مِنْهُ رُشْدًا مَنَعَهُ مِنْهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ، فَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَ سَفِيهًا مُفْسِدًا مُبَذِّرًا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ عَنْهُ مَالَهُ. عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَوْ صَارَ شَيْخًا، حَتَّى يُؤْنَسَ رُشْدُهُ بِالاِخْتِبَارِ. لَكِنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنَّ الاِخْتِبَارَ يَكُونُ بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُهُ، فَأَوْلاَدُ التُّجَّارِ غَيْرُ أَوْلاَدِ الدَّهَاقِينَ وَالْكُبَرَاءِ، وَكَذَا أَبْنَاءُ الْمُزَارِعِينَ، وَأَصْحَابُ الْحِرَفِ، وَكُل وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ يُخْتَبَرُ فِيمَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ، وَالأُْنْثَى يُفَوَّضُ إِلَيْهَا مَا يُفَوَّضُ إِلَى رَبَّةِ الْبَيْتِ، فَإِنْ وُجِدَتْ ضَابِطَةً لِمَا فِي يَدِهَا مُسْتَوْفِيَةً مِنْ وَكِيلِهَا فَهِيَ رَشِيدَةٌ.
وَوَقْتُ الاِخْتِبَارِ عِنْدَهُمْ قَبْل الْبُلُوغِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لأَِصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ فَظَاهِرُ الآْيَةِ أَنَّ ابْتِلاَءَهُمْ قَبْل الْبُلُوغِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَمَّاهُمْ يَتَامَى، وَإِنَّمَا يَكُونُونَ يَتَامَى قَبْل الْبُلُوغِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَدَّ اخْتِبَارَهُمْ إِلَى الْبُلُوغِ بِلَفْظِ:
_________
(١) سورة النساء / ٦
حَتَّى، فَدَل عَلَى أَنَّ الاِخْتِبَارَ قَبْلَهُ.
وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الآْخَرُ لأَِصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الاِخْتِبَارَ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَالاِخْتِبَارُ وَاجِبٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَخْتَبِرُ الْوَلِيُّ وُجُوبًا رُشْدَ الصَّبِيِّ فِي الدِّينِ وَالْمَال لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ، أَمَّا فِي الدِّينِ: فَبِمُشَاهَدَةِ حَالِهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَالْمُعَامَلاَتِ، وَتَجَنُّبِ الْمَحْظُورَاتِ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ، وَمُخَالَطَةِ أَهْل الْخَيْرِ، وَأَمَّا فِي الْمَال: فَكَمَا قَال الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ بَلَغَ سَفِيهًا مُفْسِدًا مُبَذِّرًا يَمْنَعُ عَنْهُ مَالَهُ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَا لَمْ يُؤْنَسْ رُشْدُهُ قَبْلَهَا، فَإِذَا بَلَغَ السِّنَّ الْمَذْكُورَةَ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ وُجُوبًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا؛ لأَِنَّهُ بَلَغَ سِنًّا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ جَدًّا؛ وَلأَِنَّ الْمَنْعَ لِلتَّأْدِيبِ فَإِذَا بَلَغَ هَذِهِ السِّنَّ انْقَطَعَ رَجَاءُ التَّأْدِيبِ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (٢) .
مَنْ يَتَوَلَّى التَّرْشِيدَ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى: أَنَّ تَرْشِيدَ الصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ وَأُونِسَ مِنْهُ الرُّشْدُ، أَوِ الْمَجْنُونُ إِذَا عَقَل يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ
_________
(١) الخرشي ٥ / ٢٩٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٥٠ - ٣٥٣، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٥١٥ وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٩٤، ٩٥، وبدائع الصنائع ٧ / ١٧٠، ١٧١.
مِنَ الْوَلِيِّ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحَاكِمِ أَيْضًا عِنْدَ الاِخْتِلاَفِ.
وَالأُْنْثَى عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالذَّكَرِ، فَيَدْفَعُ إِلَيْهَا مَالَهَا إِذَا بَلَغَتْ وَأُونِسَ رُشْدُهَا، سَوَاءٌ تَزَوَّجَتْ أَمْ لَمْ تَتَزَوَّجْ. وَهُنَاكَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْحَجْرَ لاَ يَزُول عَنِ الأُْنْثَى حَتَّى تَتَزَوَّجَ وَتَلِدَ، أَوْ تَمْضِيَ عَلَيْهَا سَنَةٌ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ تَرْشِيدِ الصَّبِيِّ وَتَرْشِيدِ الصَّبِيَّةِ، وَفَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ بَيْنَ التَّرْشِيدِ لِلأُْنْثَى إِذَا كَانَتْ مَعْلُومَةَ الرُّشْدِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَفَرَّقُوا أَيْضًا بَيْنَ التَّرْشِيدِ فِي الأَْبِ وَالْوَصِيِّ وَالْمُقَدَّمِ.
أَمَّا الصَّبِيُّ فَإِنْ كَانَ فِي وِلاَيَةِ الأَْبِ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ مَعَ حِفْظِهِ لِمَالِهِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَفُكَّ الأَْبُ الْحَجْرَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي وِصَايَةِ الْوَصِيِّ أَوِ الْمُقَدَّمِ فَلاَ بُدَّ مِنَ الْفَكِّ مِنْهُمَا، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي.
وَفِي الأُْنْثَى يَكُونُ الْحَجْرُ عَلَيْهَا لِحِينِ بُلُوغِهَا مَعَ حِفْظِ الْمَال، وَدُخُول الزَّوْجِ بِهَا وَشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى حُسْنِ تَصَرُّفِهَا.
فَإِنْ كَانَتْ فِي وِلاَيَةِ الأَْبِ، فَإِنَّ الْحَجْرَ يَنْفَكُّ
_________
(١) الفتاوى الهندية ٥ / ٥٤، ومجلة الأحكام العدلية م (٩٦٨، ٩٧٤، ٩٧٥) والدسوقي ٢ / ٢٢٣، وروضة الطالبين ٤ / ١٨١، ٣٦٥ وما بعدها، والقليوبي ٢ / ٣٠٢، وكشاف القناع ٣ / ٤٥٢، وكتاب الفروع ٤ / ٣١٣ - ٣٢٦، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٠٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥٢٥.