الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ جَوَازِ تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ - وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ طِيبٍ - لأَِنَّهُ زِينَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَبِمُشْطٍ ذِي أَسْنَانٍ مُنْفَرِجَةٍ دُونَ الْمَضْمُومَةِ. وَقَيَّدَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ جَوَازَ تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ بِأَسْنَانِ الْمُشْطِ الْوَاسِعَةِ بِالْعُذْرِ (١) .

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي (إِحْدَادٌ، وَامْتِشَاطٌ) .

كَيْفِيَّةُ التَّرْجِيل:

٦ - يُسْتَحَبُّ التَّيَامُنُ فِي التَّرْجِيل، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ (٢) .

الإِْغْبَابُ فِي التَّرْجِيل:

يُسَنُّ تَرْجِيل الشَّعْرِ وَدُهْنُهُ غِبًّا (٣)، فَالاِسْتِكْثَارُ

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٦٨٦، ومواهب الجليل ٤ / ١٥٥ ط ليبيا، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٣، وروضة الطالبين ٨ / ٤٠٨، والكافي ٣ / ٣٢٨ ط المكتب الإسلامي، والاختيار ٢ / ٢٣٦، والبناية شرح الهداية ٤ / ٨٠٥ ط دار الفكر، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٦١٧، ونيل الأوطار ٦ / ٣٣٤ ط الحلبي، والموسوعة الفقهية ٢ / ١٠٧.

(٢) حديث: " كان يعجبه التيامن في تنعله. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٦٩ - ط السلفية) . وانظر عمدة القاري ٣ / ٢٩ - ٣٢ و٢٢ / ٦٠، وسبل السلام ١ / ٥٠، ٥١ ط الحلبي، والعدة على شرح عمدة الأحكام ١ / ٢٠٩، وقليوبي ١ / ٥٤، ٥٥، وفتح الباري ١ / ٢٦٩، ٢٧٠ ط السلفية.

(٣) الغب بكسر المعجمة وتشديد الباء: أن يفعل يوما ويترك يوما. قال السندي: والمراد كراهة المداومة عليه، وخصوصية الفعل يوما والترك يوما غير مراد. (حاشية السندي على سنن النسائي ٨ / ١٣٢) .

مِنَ التَّرْجِيل وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ مَكْرُوهٌ إِلاَّ لِحَاجَةٍ؛ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّرَجُّل إِلاَّ غِبًّا (١) .

وَلِمَا رَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُل يَوْمٍ (٢) .

_________

(١) حديث: " نهي عن الترجل إلا غبا " أخرجه أبو داود (٤ / ٣٩٢ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٣ / ٢٣٤ - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.

(٢) حديث: " نهي أن يمتشط أحدنا كل يوم. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٣٠ - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (١ / ١٣٠ - ط المكتبة التجارية) وصححه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٣٦٧ - ط السلفية) وانظر المجموع للنووي ١ / ٢٩٣ نشر المكتبة السلفية، وكشاف القناع ١ / ٧٤ ط عالم الكتب، ومطالب أولي النهى ١ / ٨٥ نشر المكتب الإسلامي، ونيل الأوطار ١ / ١٤٧ ط الحلبي، وحاشية السندي على سنن النسائي ٨ / ١٣٢، ١٣٣.

تَرَحُّمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّرَحُّمُ: مِنَ الرَّحْمَةِ، وَمِنْ مَعَانِيهَا: الرِّقَةُ، وَالْعَطْفُ، وَالْمَغْفِرَةُ

وَالتَّرَحُّمُ: طَلَبُ الرَّحْمَةِ، وَهُوَ أَيْضًا الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِكَ: ﵀. وَتَرَحَّمْتَ عَلَيْهِ: أَيْ قُلْتَ لَهُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَرَحَّمَ عَلَيْهِ: قَال لَهُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. وَتَرَاحَمَ الْقَوْمُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّرَضِّي:

٢ - التَّرَضِّي مِنَ الرِّضَا، وَهُوَ ضِدُّ السُّخْطِ،

_________

(١) لسان العرب المحيط، وتاج العروس، والصحاح في اللغة والعلوم، ومتن اللغة، ومختار الصحاح مادة: " رحم " ودستور العلماء مادة: " ترضى، وترحم ".

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٠، ونهاية المحتاج ١ / ٢٢.

وَالتَّرَضِّي: طَلَبُ الرِّضَا، وَالتَّرَضِّي أَيْضًا: أَنْ تَقُول: ﵁ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَالتَّرَضِّي دُعَاءٌ بِالرُّضْوَانِ، وَالتَّرَحُّمُ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ.

وَلِلتَّفْصِيل ر: (تَرَضِّي) .

ب - التَّبْرِيكُ:

٣ - التَّبْرِيكُ: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ، وَهِيَ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، يُقَال: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ وَعَلَيْكَ وَلَكَ وَبَارَكَكَ، كُلُّهَا بِمَعْنَى: زَادَكَ خَيْرًا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٢)

وَتَبَرَّكَ بِهِ: أَيْ تَيَمَّنَ (٣) .

فَالتَّبْرِيكُ بِمَعْنَى: الدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ، يَتَّفِقُ مَعَ التَّرَحُّمِ فِي نَفْسِ هَذَا الْمَعْنَى، أَيِ الدُّعَاءِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّرَحُّمِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، وَعَلَى التَّابِعِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ الصَّالِحِينَ، وَعَلَى سَائِرِ الأَْخْيَارِ، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.

وَأَمَّا التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي

_________

(١) لسان العرب المحيط مادة: " رضا " ودستور العلماء مادة: " ترضى وترحم ".

(٢) سورة النمل / ٨.

(٣) مختار الصحاح.

الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا، فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي:

أ - التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى آلِهِ فِي الصَّلاَةِ:

٥ - وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي التَّشَهُّدِ أَوْ خَارِجَهُ. وَقَدْ وَرَدَ التَّرَحُّمُ عَلَى الرَّسُول ﷺ فِي التَّشَهُّدِ، وَهُوَ عِبَارَةُ: " السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " (١) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ التَّشَهُّدِ فِي مُصْطَلَحِهِ.

أَمَّا التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى اسْتِحْبَابِ زِيَادَةِ: " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ " فِي الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ.

وَعِبَارَةُ الرِّسَالَةِ لاِبْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ: اللَّهُمَّ صَل عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَرَحِمْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ.

وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَال: قُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ: قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَال: قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَل صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آل

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٤، ٣٤٥، والأذكار ص ١٠٧، والفتوحات الربانية ٣ / ٣٢٩.

مُحَمَّدٍ، كَمَا جَعَلْتَهَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آل إِبْرَاهِيمَ إِنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ (١) .

قَال الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: فَهَذِهِ الأَْحَادِيثُ - وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الأَْسَانِيدِ - إِلاَّ أَنَّهَا يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، أَقْوَاهَا أَوَّلُهَا، وَيَدُل مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ لِلزِّيَادَةِ أَصْلًا. وَأَيْضًا الضَّعِيفُ يُعْمَل بِهِ فِي فَضَائِل الأَْعْمَال (٢) .

وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ الاِقْتِصَارُ عَلَى صِيغَةِ الصَّلاَةِ دُونَ إِضَافَةِ (التَّرَحُّمِ) كَمَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، بَل ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ " وَارْحَمْ مُحَمَّدًا. . . إِلَخْ " بِدْعَةٌ لاَ أَصْل لَهَا، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ وَتَخْطِئَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَتَجْهِيل فَاعِلِهِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَنَا كَيْفِيَّةَ الصَّلاَةِ. فَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِقْصَارٌ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِدْرَاكٌ عَلَيْهِ.

وَانْتَصَرَ لَهُمْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ، فَقَال: وَلاَ يُحْتَجُّ بِالأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا وَاهِيَةٌ جِدًّا. إِذْ لاَ يَخْلُو سَنَدُهَا مِنْ كَذَّابٍ أَوْ مُتَّهَمٍ بِالْكَذِبِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ

_________

(١) حديث: " قد علمنا كيف نسلم عليك. . . " أخرجه بهذا اللفظ المعمرين في عمل اليوم والليلة كما في الفتوحات الربانية لابن علان (٣ / ٣٣٠ ط المنيرية) وضعفه ابن حجر كما نقله ابن علان في المصدر السابق.

(٢) الفتوحات الربانية ٣ / ٣٢٧ وما بعدها.

السُّبْكِيُّ: أَنَّ مَحَل الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ (١) .

ب - التَّرَحُّمُ فِي التَّسْلِيمِ مِنَ الصَّلاَةِ:

٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الأَْكْمَل فِي التَّسْلِيمِ فِي الصَّلاَةِ أَنْ يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ (٢) وَغَيْرِهِمَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ (٣) .

فَإِنْ قَال: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ - وَلَمْ يَزِدْ - يُجْزِئُهُ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٤) وَالتَّحْلِيل يَحْصُل بِهَذَا الْقَوْل، وَلأَِنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِيرٌ لِلثَّنَاءِ فَلَمْ يَجِبْ، كَقَوْلِهِ: وَبَرَكَاتُهُ. وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ - الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُ الاِقْتِصَارُ عَلَى: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، لأَِنَّ الصَّحِيحَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٤، والأذكار ص ١٠٧، والفتوحات الربانية ٣ / ٢٢٧ وما بعدها.

(٢) حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي (٢ / ٨٩ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح، وحديث جابر بن سمرة أخرجه مسلم (١ / ٣٢٢ - ط الحلبي) .

(٣) ابن عابدين ١ / ٣٥٣، والاختيار ١ / ٥٤، وروضة الطالبين ١ / ٥٦٨، والمغني ١ / ٥٥٤، وكشاف القناع ١ / ٣٦١.

(٤) حديث: " تحليلها التسليم. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٩ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وقد حسنه النووي في الخلاصة كما في نصب الراية (١ / ٣٠٧ ط المجلس العلمي بالهند) .

يَقُول: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (١)، وَلأَِنَّ السَّلاَمَ فِي الصَّلاَةِ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ، فَلَمْ يَجُزْ بِدُونِهَا، كَالتَّسْلِيمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: وَالأَْوْلَى تَرْكُ " وَبَرَكَاتُهُ " كَمَا فِي أَكْثَرِ الأَْحَادِيثِ.

وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّ زِيَادَةَ " وَرَحْمَةُ اللَّهِ " لاَ يَضُرُّ؛ لأَِنَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الصَّلاَةِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ أَهْل الْمَذْهَبِ أَنَّهَا غَيْرُ سُنَّةٍ، وَإِنْ ثَبَتَ بِهَا الْحَدِيثُ؛ لأَِنَّهَا لَمْ يَصْحَبْهَا عَمَل أَهْل الْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الأَْوْلَى الاِقْتِصَارُ عَلَى: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وَأَنَّ زِيَادَةَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هُنَا خِلاَفُ الأَْوْلَى (٢) .

ج - التَّرَحُّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ الصَّلاَةِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ التَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ خَارِجَ الصَّلاَةِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْمَنْعِ مُطْلَقًا وَوَجَّهَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: بِأَنَّ الرَّحْمَةَ إِنَّمَا تَكُونُ غَالِبًا عَنْ فِعْلٍ يُلاَمُ عَلَيْهِ، وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ، وَلَيْسَ فِي التَّرَحُّمِ مَا يَدُل عَلَى التَّعْظِيمِ، مِثْل الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُدْعَى بِهَا

_________

(١) الحديث الذي فيه زيادة وبركاته: أخرجه أبو داود (١ / ٦٠٧ - ط عزت عبيد دعاس) من حديث وائل بن حجر وصححه النووي في المجموع (٣ / ٤٧٩ ط السلفية) .

(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤١ ط دار الفكر.

لِغَيْرِ الأَْنْبِيَاءِ وَالْمَلاَئِكَةِ ﵈. أَمَّا هُوَ ﷺ فَمَرْحُومٌ قَطْعًا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ تَحْصِيل الْحَاصِل، وَقَدِ اسْتَغْنَيْنَا عَنْ هَذِهِ بِالصَّلاَةِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَيْهَا؛ وَلأَِنَّهُ يُجَل مَقَامُهُ عَنِ الدُّعَاءِ بِهَا.

قَال ابْنُ دِحْيَةَ: يَنْبَغِي لِمَنْ ذَكَرَهُ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ (١)

وَنُقِل مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالصَّيْدَلاَنِيِّ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ.

وَصَرَّحَ أَبُو زُرْعَةَ ابْنُ الْحَافِظِ الْعِرَاقِيُّ فِي فَتَاوَاهُ، بِأَنَّ الْمَنْعَ أَرْجَحُ لِضَعْفِ الأَْحَادِيثِ الَّتِي اسْتَنَدَ إِلَيْهَا، فَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: حُرْمَتُهُ مُطْلَقًا (٢) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا: أَيْ وَلَوْ بِدُونِ انْضِمَامِ صَلاَةٍ أَوْ سَلاَمٍ.

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل الأَْعْرَابِيِّ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا لِتَقْرِيرِهِ ﷺ عَلَى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْحَمْ مُحَمَّدًا، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ سِوَى قَوْلِهِ: وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا (٣) .

_________

(١) سورة النور / ٦٣.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٠، والطحطاوي على الدر، ١ / ٢٦٦، والقليوبي ٣ / ١٧٥، ونهاية المحتاج ١ / ٢١، ٢٢، ٥٣١.

(٣) حديث: " تقرير النبي ﷺ الأعرابي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٤٣٨ - ط السلفية) .

وَقَال السَّرَخْسِيُّ: لاَ بَأْسَ بِالتَّرَحُّمِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ؛ لأَِنَّ الأَْثَرَ وَرَدَ بِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃؛ وَلأَِنَّ أَحَدًا وَإِنْ جَل قَدْرُهُ لاَ يَسْتَغْنِي عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (١) .

كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَنْ يُدْخِل أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُول اللَّهِ؟ قَال: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ (٢) .

وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مِنْ أَشْوَقِ الْعُبَّادِ إِلَى مَزِيدِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَعْنَاهَا مَعْنَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ.

وَلاَ يُنَافِي الدُّعَاءَ لَهُ بِالرَّحْمَةِ أَنَّهُ ﵊ عَيَّنَ الرَّحْمَةَ بِنَصٍّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) لأَِنَّ حُصُول ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ طَلَبَ الزِّيَادَةِ لَهُ؛ إِذْ فَضْل اللَّهِ لاَ يَتَنَاهَى، وَالْكَامِل يَقْبَل الْكَمَال (٤) .

وَفَصَّل بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقَال بِالْحُرْمَةِ إِنْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٣٤٥، والطحطاوي ١ / ٢٢٦، ونهاية المحتاج ١ / ٥٣١.

(٢) حديث: " لن يدخل أحدا عمله الجنة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ١٢٧ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ٢١٧٠ ط الحلبي) .

(٣) سورة الأنبياء / ١٠٧.

(٤) ابن عابدين ٥ / ٤٨٠، والبدائع ١ / ٢١٣، والطحطاوي ١ / ٢٢٦، والفتوحات الربانية ٣ / ٣٢٩ وما بعدها.