الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
وَأَمَّا تَعَدُّدُهُ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى: أَنَّهُ يَكْفِي وَاحِدٌ عَدْلٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا. قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ، قَال: فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كَتَبُوا (١) .
وَلأَِنَّهُ مِمَّا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ فَأَجْزَأَ فِيهِ الْوَاحِدُ كَأَخْبَارِ الدِّيَانَاتِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ الْعَدْل إِنْ رَتَّبَهُ الْقَاضِي. أَمَّا غَيْرُ الْمُرَتَّبِ بِأَنْ أَتَى بِهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ طَلَبَهُ الْقَاضِي لِلتَّبْلِيغِ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّعَدُّدِ؛ لأَِنَّهُ صَارَ كَالشَّاهِدِ. وَفِي قَوْلٍ: لاَ بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِ، وَلَوْ رُتِّبَ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ التَّرْجَمَةَ شَهَادَةٌ؛ لأَِنَّ الْمُتَرْجِمَ يَنْقُل إِلَى الْقَاضِي قَوْلًا لاَ يَعْرِفُهُ الْقَاضِي، وَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَخَاصِمَيْنِ، وَلِذَا فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعَدَالَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ. فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَتَيْنِ قُبِلَتِ التَّرْجَمَةُ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَمَا لاَ
_________
(١) حديث زيد بن ثابت: " أنه أمره أن يتعلم كتاب يهود. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٦٧ - ط الحلبي) وقال: حسن صحيح.
(٢) الشرح الصغير ٤ / ٢٠٢، ومواهب الجليل ٦ / ١١٦.
يَثْبُتُ إِلاَّ بِرَجُلَيْنِ يُشْتَرَطُ فِي تَرْجَمَتِهِ رَجُلاَنِ، وَفِي حَدِّ الزِّنَا قَوْلاَنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يَكْفِي فِيهِ أَقَل مِنْ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ:
وَالثَّانِي: يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ. وَقِيل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَكْفِي رَجُلاَنِ قَطْعًا (١) .
تَرْجِيحٌ
انْظُرْ: تَعَارُضٌ.
_________
(١) روضة الطالبين ١١ / ١٣٦، والمغني ٩ / ١٠٠، ١٠١، وكشاف القناع ٦ / ٣٥٢، ٣٥٣.
تَرْجِيعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرْجِيعُ فِي اللُّغَةِ هُوَ: تَرْدِيدُ الصَّوْتِ فِي قِرَاءَةٍ أَوْ أَذَانٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَرَنَّمُ بِهِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ: أَنْ يَخْفِضَ الْمُؤَذِّنُ صَوْتَهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ إِسْمَاعِهِ الْحَاضِرِينَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْفَعَ صَوْتَهُ بِهِمَا (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّثْوِيبُ:
٢ - التَّثْوِيبُ لُغَةً: الْعَوْدُ إِلَى الإِْعْلاَمِ بَعْدَ الإِْعْلاَمِ.
وَاصْطِلاَحًا: قَوْل الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ، أَوْ بَعْدَ الأَْذَانِ وَقَبْل الإِْقَامَةِ - كَمَا يَقُول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ - الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ (٣) .
وَيَخْتَلِفُ التَّثْوِيبُ عَنِ التَّرْجِيعِ - بِالْمَعْنَى
_________
(١) لسان العرب مادة: " رجع ".
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٩.
(٣) الزيلعي ١ / ٩٢، وروضة الطالبين ١ / ١٩٩ نشر المكتب الإسلامي. وقليوبي وعميرة ١ / ١٢٨.
الأَْوَّل - فِي أَنَّ التَّثْوِيبَ يَكُونُ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ أَوْ بَعْدَ الأَْذَانِ، وَأَمَّا التَّرْجِيعُ فَيَكُونُ فِي الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي كُل أَذَانٍ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ - وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ - أَنَّهُ لاَ تَرْجِيعَ فِي الأَْذَانِ (٢)، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيعٍ.
فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّهَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلاَلٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ. فَقُمْتُ مَعَ بِلاَلٍ، فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ (٣) .
فَإِذَا رَجَعَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَدْ نَصَّ الإِْمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَاعْتُبِرَ الاِخْتِلاَفُ فِي التَّرْجِيعِ مِنَ الاِخْتِلاَفَاتِ الْمُبَاحَةِ، وَقَال
_________
(١) حاشية العدوي ١ / ٢٢٣ نشر دار المعرفة، والمجموع للنووي بتحقيق محمد نجيب المطيعي ٣ / ٨٩، وروضة الطالبين ١ / ١٩٩.
(٢) الزيلعي ١ / ٩٠، والبحر الرائق ١ / ٢٦٩، والبناية في شرح الهداية ٢ / ٩ نشر دار الفكر، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٤١٦، والإنصاف ١ / ٤١٢ الطبعة الأولى ١٣٧٤ هـ.
(٣) حديث: " عبد الله بن زيد من غير ترجيع ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٨ ط عزت عبيد دعاس) . وصححه البخاري كما في التلخيص لابن حجر (١ / ١٩٧ ط شركة الطباعة الفنية) .
ابْنُ نُجَيْمٍ: الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَاتِ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّرْجِيعَ مُبَاحٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ؛ لأَِنَّ كِلاَ الأَْمْرَيْنِ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَنَقَل الْحَصْكَفِيُّ عَنْ مُلْتَقَى الأَْبْحُرِ كَرَاهَةَ التَّرْجِيعِ فِي الأَْذَانِ، وَحَمَلَهَا ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْجِيعُ فِي الأَْذَانِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَلْقَى عَلَيْهِ التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقَال لَهُ: قُل: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، ثُمَّ قَال: ارْجِعْ فَامْدُدْ صَوْتَكَ، ثُمَّ قَال: قُل: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ. . إِلَخْ (٢) .
وَهُنَاكَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ: أَنَّ التَّرْجِيعَ رُكْنٌ لاَ يَصِحُّ الأَْذَانُ إِلاَّ بِهِ. قَال الْقَاضِي حُسَيْنٌ: نَقَل الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الإِْمَامِ
_________
(١) البحر الرائق ومنحة الخالق ١ / ٢٦٩، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٥٩، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٤١٧.
(٢) حديث أبي محذورة. أخرجه النسائي (٢ / ٦ ط المكتبة التجارية) وصحه ابن دقيق العيد. التلخيص (١ / ٢٠٠ ط شركة الطباعة الفنية) .
الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ إِنْ تَرَكَ التَّرْجِيعَ لاَ يَصِحُّ أَذَانُهُ (١) .
مَحَل التَّرْجِيعِ:
٤ - التَّرْجِيعُ يَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعًا، فَلاَ يُرَجِّعُ الشَّهَادَةَ الأُْولَى قَبْل الإِْتْيَانِ بِالشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ (٢) .
حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ:
٥ - حِكْمَةُ التَّرْجِيعِ هِيَ تَدَبُّرُ كَلِمَتَيِ الإِْخْلاَصِ؛ لِكَوْنِهِمَا الْمُنَجِّيَتَيْنِ مِنَ الْكُفْرِ، الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الإِْسْلاَمِ، وَتَذَكُّرِ خَفَائِهِمَا فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ ثُمَّ ظُهُورِهِمَا (٣) .
_________
(١) حاشية العدوي ١ / ٢٢٣، والمجموع للنووي ٣ / ٩٠، ٩١، وروضة الطالبين ١ / ١٩٩، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٤١٦.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٣، والزرقاني ١ / ١٥٨.
(٣) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٢٤، ونهاية المحتاج ١ / ٣٩١.
تَرْجِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرْجِيل لُغَةً: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ. يُقَال: رَجَّلْتُهُ تَرْجِيلًا: إِذَا سَرَّحْتُهُ وَمَشَّطْتُهُ
وَقَدْ يَكُونُ التَّرْجِيل أَخَصَّ مِنَ التَّمْشِيطِ؛ لأَِنَّهُ يُرَاعَى فِيهِ الزِّيَادَةُ فِي تَحْسِينِ الشَّعْرِ (١) .
أَمَّا التَّسْرِيحُ فَهُوَ: إِرْسَال الشَّعْرِ وَحَلُّهُ قَبْل الْمَشْطِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ التَّسْرِيحُ مُغَايِرًا لِلتَّرْجِيل، وَمُضَادًّا لِلتَّمْشِيطِ.
وَقَال الأَْزْهَرِيُّ: تَسْرِيحُ الشَّعْرِ تَرْجِيلُهُ، وَتَخْلِيصُ بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ بِالْمُشْطِ. فَعَلَى الْمَعْنَى الأَْوَّل يَكُونُ مُغَايِرًا لِلتَّرْجِيل، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مُرَادِفًا (٢) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِلَفْظِ التَّرْجِيل عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ (٣) .
_________
(١) النهاية لابن الأثير، ولسان العرب وتاج العروس، والمصباح المنير مادة: " رجل "، " مشط ".
(٢) لسان العرب مادة: " سرح "، وحاشية السندي على سنن النسائي ٨ / ١٣٢ ط المطبعة المصرية بالأزهر.
(٣) مطالب أولي النهى ١ / ٨٤، وعمدة القاري ٢٢ / ٦٠.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - الأَْصْل فِي تَرْجِيل الشَّعْرِ الاِسْتِحْبَابُ (١)، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ (٢) وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّرْجِيل، وَكَانَ يُرَجِّل نَفْسَهُ تَارَةً، وَتُرَجِّلُهُ عَائِشَةُ ﵂ تَارَةً أُخْرَى
فَقَدْ رَوَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ (٣) .
وَهُنَاكَ حَالاَتٌ يَخْتَلِفُ فِيهَا حُكْمُ التَّرْجِيل بِاخْتِلاَفِ الأَْشْخَاصِ وَالأَْوْقَاتِ مِنْهَا:
أ - تَرْجِيل الْمُعْتَكِفِ:
٣ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ إِلاَّ مَا يُكْرَهُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ لَهُ تَرْجِيل شَعْرِهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا
_________
(١) روضة الطالبين ٣ / ٢٣٤، والمجموع ١ / ٢٩٣ نشر المكتبة الإسلامية، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٧٣، وعمدة القاري ٢٢ / ٦٠ ط المنيرية، ونيل الأوطار ١ / ١٤٦ ط الحلبي، وزاد المعاد ١ / ١٧٦ ط مؤسسة الرسالة، والفواكه الدواني ٢ / ٤٠٢ نشر دار المعرفة، والمنتقى ٧ / ٢٦٨، ٢٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ١٦١، وحاشية الطحطاوي ٤ / ٢٠٣.
(٢) حديث: " من كان له شعر فليكرمه ". أخرجه أبو داود (٤ / ٣٩٥ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في الفتح (١ / ٣٦٨ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " كان يصغي إلي رأسه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٢٧٣ - ط السلفية) .
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ بَأْسَ بِأَنْ يُدْنِيَ الْمُعْتَكِفُ رَأْسَهُ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ لِتَرْجِيل شَعْرِهِ، كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ كَرَاهَةَ التَّرْجِيل فِي الْمَسْجِدِ؛ لأَِنَّ التَّرْجِيل لاَ يَخْلُو مِنْ سُقُوطِ شَيْءٍ مِنَ الشَّعْرِ، وَالأَْخْذُ مِنَ الشَّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُمْ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى مُصْطَلَحِ: (اعْتِكَافٍ) .
ب - تَرْجِيل الْمُحْرِمِ:
٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّرْجِيل لِلْمُحْرِمِ - وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ التَّرْجِيل بِالدُّهْنِ - لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْحَاجُّ الشَّعِثُ التَّفِل (٣) . وَالْمُرَادُ بِالشَّعَثِ انْتِشَارُ شَعْرِ الْحَاجِّ فَلاَ يَجْمَعُهُ بِالتَّسْرِيحِ وَالدَّهْنِ وَالتَّغْطِيَةِ وَنَحْوِهِ (٤) .
_________
(١) حديث: " كان يصغي إلي رأسه. . . " سبق تخريجه (ف / ٢) . وانظر روضة الطالبين ٢ / ٣٩٢، والمغني مع الشرح الكبير ٣ / ١٥١، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري ١١ / ١٤٤ ط المنيرية، وفتح الباري ٤ / ٢٧٢، ٢٧٣ ط السلفية.
(٢) جواهر الإكليل ١ / ١٥٩، والزرقاني ٢ / ٢٢٦، والحطاب ٢ / ٤٦٣، وإعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٤٠٧.
(٣) حديث: " الحاج الشعث التفل " أخرجه الترمذي (٥ / ٢٢٥ ط الحلبي) وإسناده ضعيف، (التلخيص لابن حجر ٢ / ٢٢١ - ط شركة الطباعة الفنية المحدودة) .
(٤) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٤٣، ومنح الجليل ١ / ٥١٢.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِكَرَاهِيَّةِ التَّرْجِيل لِلْمُحْرِمِ لأَِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى نَتْفِ الشَّعْرِ (١) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّرْجِيل فِي حَالَةِ الإِْحْرَامِ لاَ بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى إِبَانَةِ شَعْرِهِ (٢) .
أَمَّا إِذَا تَيَقَّنَ الْمُحْرِمُ سُقُوطَ الشَّعْرِ بِالتَّرْجِيل فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي حُرْمَتِهِ حِينَئِذٍ (٣) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (إِحْرَامٍ) .
ج - تَرْجِيل الْمُحِدَّةِ:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّرْجِيل لِلْمُحِدَّةِ بِشَيْءٍ مِنَ الطِّيبِ أَوْ بِمَا فِيهِ زِينَةٌ. أَمَّا التَّرْجِيل بِغَيْرِ مَوَادِّ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ - كَالسِّدْرِ وَشِبْهِهِ مِمَّا لاَ يَخْتَمِرُ فِي الرَّأْسِ - فَقَدْ أَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلاَ بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ، قَالَتْ: قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ قَال: بِالسِّدْرِ تُغَلِّفِينَ بِهِ رَأْسَكِ (٤) وَلأَِنَّهُ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ لاَ لِلتَّطَيُّبِ.
_________
(١) شرح روض الطالب ١ / ٥١٠، والمجموع ٧ / ٣٥٢ ط المنيرية.
(٢) كشاف القناع ١ / ٤٢٣.
(٣) قليوبي وعميرة ٢ / ١٣٤، والشرح الصغير ٢ / ٨٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٨٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٠ ط عالم الكتب.
(٤) حديث: " لا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٧٢٨ - ط عزت عبيد دعاس) وأعله عبد الحق الإشبيلي بجهالة بعض رواته، نيل الأوطار (٦ / ٣٣٣ - ط الحلبي) .