الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهَا إِلَى الْقِبْلَةِ (١) .
وَالإِْفْضَاءُ
فِي الْجُلُوسِ فِي الصَّلاَةِ هُوَ: أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَهُ بِالأَْرْضِ، وَيَنْصِبَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى وَظَاهِرُ إِبْهَامِهَا مِمَّا يَلِي الأَْرْضَ، وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى (٢) .
وَالإِْقْعَاءُ:
أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ بِالأَْرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ. أَوْ أَنْ يَجْعَل أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَْرْضِ. (٣)
وَفِي نَصِّ الشَّافِعِيَّةِ: الإِْقْعَاءُ الْمَكْرُوهُ: أَنْ يَجْلِسَ الشَّخْصُ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ (٤) .
وَالتَّوَرُّكُ:
أَنْ يَنْصِبَ الْيُمْنَى وَيَثْنِيَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَقْعُدَ عَلَى الأَْرْضِ (٥) .
وَلِتَمَامِ الْفَائِدَةِ تُنْظَرُ هَذِهِ الأَْلْفَاظُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٥٢٣ ط الرياض، والجمل على شرح المنهج ١ / ٣٨٣.
(٢) حاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٢٤٠، ٢٤١ نشر دار المعرفة، والفواكه الدواني ١ / ٢١٦، والشرح الصغير ١ / ٣٣٠، والزرقاني ١ / ٢١٣، والمغني ١ / ٥٣٩.
(٣) الموسوعة الفقهية الكويتية ٦ / ٨٧، ٨٨، وأوجز المسالك إلى موطأ مالك ٢ / ١٢٠ ط دار الفكر.
(٤) شرح المنهاج مع حاشية القليوبي ١ / ١٤٥.
(٥) أوجز المسالك إلى موطأ مالك ١ / ١١٣، وعمدة القاري ٦ / ١٠٢ ط المنيرية.
حُكْمُ التَّرَبُّعِ:
أَوَّلًا - التَّرَبُّعُ فِي الصَّلاَةِ:
أ - التَّرَبُّعُ فِي الْفَرِيضَةِ لِعُذْرٍ:
٣ - أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُطِيقُ الْقِيَامَ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁: صَل قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا. (١)
وَلأَِنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ (٢) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٣)
٤ - وَاخْتَلَفُوا فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ إِذَا عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنِ الْقِيَامِ كَيْفَ يَقْعُدُ؟
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا قَعَدَ الْمَعْذُورُ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ مُتَرَبِّعًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ - فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ وَهِيَ
_________
(١) حديث: " صل قائما فإن لم تستطع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٨٧ - ط السلفية) وزيادة " فإن لم تستطع فمستلقيا " للنسائي كما في (فتح القدير ١ / ٣٧٥ ط الأميرية والبناية ٢ / ٦٨٨) .
(٢) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٧٨١، والبناية شرح الهداية ٢ / ٦٨٧ وما بعدها، وروضة الطالبين ١ / ٢٣٤، وحاشية العدوي ١ / ٣٠٦ نشر دار المعرفة.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٦.
مَا صَحَّحَهَا الْعَيْنِيُّ - أَنَّ الْمَعْذُورَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ يَجْلِسُ كَيْفَمَا شَاءَ، لأَِنَّ عُذْرَ الْمَرَضِ يُسْقِطُ الأَْرْكَانَ عَنْهُ، فَلأَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الْهَيْئَاتِ أَوْلَى.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ، وَإِذَا رَكَعَ يَفْتَرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ قَوْل زُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّهُ يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ - وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ - أَنَّ الْمَعْذُورَ يَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ (١) .
وَهُنَاكَ تَفَاصِيل فِيمَنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا، وَفِي هَيْئَةِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْجُلُوسِ وَلاَ عَلَى الْقِيَامِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِ: (صَلاَةُ الْمَرِيضِ، عُذْرٌ، وَقِيَامٌ) .
ب - التَّرَبُّعُ فِي الْفَرِيضَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ:
٥ - التَّرَبُّعُ مُخَالِفٌ لِلْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْفَرِيضَةِ فِي التَّشَهُّدَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ التَّرَبُّعِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ رَأَى ابْنَهُ يَتَرَبَّعُ فِي صَلاَتِهِ، فَنَهَاهُ عَنْ
_________
(١) حاشية العدوي ١ / ٣٠٧ نشر دار المعرفة، وكشاف القناع ١ / ٤٩٨ نشر عالم الكتب، وروضة الطالبين ١ / ٢٣٥، ونهاية المحتاج ١ / ٤٤٩، والبناية شرح الهداية ٢ / ٦٨٩ ط دار الفكر، وعمدة القاري ١٧ / ١٦١ ط المنيرية.
ذَلِكَ، فَقَال: رَأَيْتُكَ تَفْعَلُهُ يَا أَبَتِ، فَقَال: إِنَّ رِجْلَيَّ لاَ تَحْمِلاَنِي. وَلأَِنَّ الْجُلُوسَ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ أَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ، فَكَانَ أَوْلَى (١) .
وَهَذَا مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا، لأَِنَّهُمْ يَعُدُّونَ الإِْفْضَاءَ فِي الْجُلُوسِ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الصَّلاَةِ، وَيَعْتَبِرُونَ تَرْكَ سُنَّةٍ خَفِيفَةٍ عَمْدًا مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ مَكْرُوهًا.
وَيُسَنُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي قُعُودِ آخِرِ الصَّلاَةِ التَّوَرُّكُ، وَفِي أَثْنَائِهَا الاِفْتِرَاشُ.
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ بِسُنِّيَّةِ الاِفْتِرَاشِ فِي التَّشَهُّدِ الأَْوَّل، وَالتَّوَرُّكِ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي (٢) .
وَنَقَل ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّرَبُّعِ لِلصَّحِيحِ فِي الْفَرِيضَةِ. وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: لَعَل الْمُرَادَ بِكَلاَمِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِنَفْيِ الْجَوَازِ إِثْبَاتُ الْكَرَاهَةِ (٣) .
ج - التَّرَبُّعُ فِي صَلاَةِ التَّطَوُّعِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَلاَ فِي أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَل، (٤) لِقَوْل
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٢١٥ ط الجمالية، وفتح القدير ١ / ٢٩٢ ط الأميرية، والاختيار ١ / ٦٠.
(٢) الشرح الصغير ١ / ٣٢٩ و٣٤٢، ونهاية المحتاج ١ / ٥٠٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٦١، والمبدع ١ / ٤٧٢، والمغني مع الشرح الكبير ١ / ٥٨١.
(٣) فتح الباري ٢ / ٣٠٦ ط السلفية.
(٤) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٧٧٦، وبدائع الصنائع ١ / ٢٩٧ ط الجمالية، ونهاية المحتاج ١ / ٤٥١، والشرح الصغير ١ / ٣٥٨.
النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَل، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ (١) وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلاَتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ. (٢)
٧ - أَمَّا كَيْفِيَّةُ الْقُعُودِ فِي التَّطَوُّعِ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا:
فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَطَوِّعِ جَالِسًا أَنْ يُكَبِّرَ لِلإِْحْرَامِ مُتَرَبِّعًا وَيَقْرَأَ، ثُمَّ يُغَيِّرَ هَيْئَتَهُ لِلرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَهُمْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ ﵃. كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ ﵏. (٣)
وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - فِيمَا نَقَلَهُ الْكَرْخِيُّ عَنْهُ - تَخْيِيرَ الْمُتَطَوِّعِ فِي حَالَةِ الْقِرَاءَةِ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالتَّرَبُّعِ وَالاِحْتِبَاءِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَبِي، هَذَا مَا اخْتَارَهُ الإِْمَامُ خُوَاهَرْ زَادَهْ؛ لأَِنَّ عَامَّةَ صَلاَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) حديث: " من صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٥٨٦ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " لم يمت النبي ﷺ حتى كان كثير من. . . " أخرجه مسلم (١ / ٥٠٦ - عيسى الحلبي) .
(٣) المغني مع الشرح الكبير ١ / ٧٨٠، وروضة الطالبين ١ / ٢٣٥، والبحر الرائق ٢ / ٦٨، والشرح الصغير ١ / ٣٦٠.
فِي آخِرِ الْعُمْرِ كَانَ مُحْتَبِيًا؛ وَلأَِنَّهُ يَكُونُ أَكْثَرَ تَوَجُّهًا بِأَعْضَائِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ.
وَقَال زُفَرُ: يَقْعُدُ فِي جَمِيعِ الصَّلاَةِ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ، هَذَا مَا اخْتَارَهُ السَّرَخْسِيُّ.
وَقَال الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لأَِنَّهُ الْمَعْهُودُ شَرْعًا فِي الصَّلاَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الأَْقْوَال: إِنَّ الْمُتَطَوِّعَ يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا. (١)
ثَانِيًا - التَّرَبُّعُ عِنْدَ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ:
٨ - لاَ بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي كُل حَالٍ: قَائِمًا أَوْ جَالِسًا، مُتَرَبِّعًا أَوْ غَيْرَ مُتَرَبِّعٍ، أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ (٢) وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنِّي لأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي.
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٦٨ - ٦٩، وروضة الطالبين ١ / ٢٣٥.
(٢) حديث عائشة: " كان النبي ﷺ يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٠١ - ط السلفية) .
تَرْتِيبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرْتِيبُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل كُل شَيْءٍ فِي مَرْتَبَتِهِ.
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ جَعْل الأَْشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ بِحَيْثُ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْوَاحِدِ، وَيَكُونُ لِبَعْضِ أَجْزَائِهِ نِسْبَةٌ إِلَى الْبَعْضِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّتَابُعُ وَالْمُوَالاَةُ:
٢ - التَّتَابُعُ: مَصْدَرُ تَتَابَعَ، يُقَال: تَتَابَعَتِ الأَْشْيَاءُ وَالأَْمْطَارُ وَالأُْمُورُ، إِذَا جَاءَ وَاحِدٌ مِنْهَا خَلْفَ وَاحِدٍ عَلَى أَثَرِهِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْقَطْعِ وَفَسَّرَ الْفُقَهَاءُ التَّتَابُعَ فِي الصِّيَامِ: بِأَنْ لاَ يُفْطِرَ الْمَرْءُ فِي أَيَّامِ الصِّيَامِ (٢) .
_________
(١) متن اللغة، والتعريفات للجرجاني، مادة: " رتب "، وكشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ٥٢٧، ٥٢٨، ودستور العلماء ١ / ٢٨٥.
(٢) متن اللغة، وتاج العروس مادة: " تبع "، وتفسير الطبري ٩ / ٥٦، وروح المعاني ٥ / ١١٥، والمنثور للزركشي ١ / ٢٤١، والقليوبي ٢ / ٩٤، والمغني ٧ / ٣٦٥.
وَعَلَى ذَلِكَ، فَالتَّتَابُعُ وَالْمُوَالاَةُ مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ التَّتَابُعَ غَالِبًا فِي الاِعْتِكَافِ وَكَفَّارَةِ الصِّيَامِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَسْتَعْمِلُونَ الْمُوَالاَةَ غَالِبًا فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ وَالْغُسْل.
وَيَخْتَلِفُ التَّرْتِيبُ عَنِ التَّتَابُعِ وَالْمُوَالاَةِ فِي أَنَّ التَّرْتِيبَ يَكُونُ لِبَعْضِ الأَْجْزَاءِ نِسْبَةٌ إِلَى الْبَعْضِ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ، بِخِلاَفِ التَّتَابُعِ وَالْمُوَالاَةِ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ التَّتَابُعَ وَالْمُوَالاَةَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا عَدَمُ الْقَطْعِ وَالتَّفْرِيقِ، فَيَضُرُّهُمَا التَّرَاخِي، بِخِلاَفِ التَّرْتِيبِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - التَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كَالأَْعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ، فَإِنِ اتَّحَدَ الْمَحَل وَلَمْ يَتَعَدَّدْ فَلاَ مَعْنَى لِلتَّرْتِيبِ كَمَا يَقُول الزَّرْكَشِيُّ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ فِي الْغُسْل؛ لأَِنَّهُ فَرْضٌ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ، تَسْتَوِي فِيهِ الأَْعْضَاءُ كُلُّهَا. وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ الْوَاحِدُ وَالسُّجُودُ الْوَاحِدُ لاَ يَظْهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّرْتِيبِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ظَهَرَ أَثَرُهُ. (٢)
_________
(١) المراجع السابقة، ابن عابدين ٢ / ٨٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٥، والمغني ١ / ١٣٩.
(٢) المنثور في القواعد للزركشي ١ / ٢٧٧.
هَذَا، وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ حُكْمَ وَأَهَمِّيَّةَ التَّرْتِيبِ فِي مَبَاحِثِ الْعِبَادَاتِ مِنَ: الطَّهَارَةِ، وَأَرْكَانِ الصَّلاَةِ، وَنُسُكِ الْحَجِّ، وَالْكَفَّارَاتِ فِي النُّذُورِ وَالأَْيْمَانِ وَنَحْوِهَا. وَاتَّفَقُوا عَلَى فَرْضِيَّةِ التَّرْتِيبِ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ، كَالتَّرْتِيبِ فِي أَرْكَانِ الصَّلاَةِ مِنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا، نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:
أ - التَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ:
٤ - التَّرْتِيبُ فِي أَعْمَال الْوُضُوءِ فَرْضٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا وَرَدَتْ فِي الآْيَةِ مُرَتَّبَةً، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) لأَِنَّ إِدْخَال الْمَمْسُوحِ (أَيِ الرَّأْسِ) بَيْنَ الْمَغْسُولاَتِ (أَيِ الأَْيْدِي وَالأَْرْجُل) قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ التَّرْتِيبُ، فَالْعَرَبُ لاَ تَقْطَعُ النَّظِيرَ عَنِ النَّظِيرِ إِلاَّ لِفَائِدَةٍ، وَالْفَائِدَةُ هَاهُنَا التَّرْتِيبُ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ (٣) إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ، بَل هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْل الأَْعْضَاءِ، وَعَطَفَ
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) القليوبي ١ / ٥٠، والمغني لابن قدامة ١ / ١٣٧.
(٣) ابن عابدين ١ / ٨٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٦.
بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِوَاوِ الْجَمْعِ، وَهِيَ لاَ تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: مَا أُبَالِي بِأَيِّ أَعْضَائِي بَدَأْتُ (١) .
وَالتَّرْتِيبُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي عُضْوَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَإِنْ كَانَا فِي حُكْمِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ لَمْ يَجِبْ، وَلِهَذَا لاَ يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى فِي الْوُضُوءِ اتِّفَاقًا (٢) . وَلَكِنْ يُسَنُّ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ (٣) .
ب - التَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ:
٥ - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالُوا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلاَةِ الْوَقْتِيَّةِ إِذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ. فَمَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةٌ أَوْ صَلَوَاتٌ وَهُوَ فِي وَقْتِ أُخْرَى، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِقَضَاءِ الْفَوَائِتِ مُرَتَّبَةً، ثُمَّ يُؤَدِّيَ الصَّلاَةَ الْوَقْتِيَّةَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا لاَ يَتَّسِعُ لأَِكْثَرَ مِنَ الْحَاضِرَةِ فَيُقَدِّمُهَا، ثُمَّ يَقْضِي الْفَوَائِتَ عَلَى التَّرْتِيبِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٨٣، والدسوقي ١ / ٩٩.
(٢) المنثور للزركشي ١ / ٢٧٧، ٢٧٩، والمراجع السابقة.
(٣) حديث: " كان النبي ﷺ يحب التيامن ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٢٦٩ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٢٦ - ط الحلبي) .