الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 55

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَال النَّاسُ: يَا أَبَا حَسَنٍ: كَيْف أَصْبَحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ فَقَال: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بَارِئًا. (١)

٢٣ - كَذَلِكَ التَّحْمِيدُ لِمَنْ رَأَى مُبْتَلًى بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ رَأَى مُبْتَلًى فَقَال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلاَكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاَءُ. (٢) قَال النَّوَوِيُّ: قَال الْعُلَمَاءُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقُول هَذَا الذِّكْرَ سِرًّا بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وَلاَ يُسْمِعُهُ الْمُبْتَلَى لِئَلاَّ يَتَأَلَّمَ قَلْبُهُ بِذَلِكَ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ بَلِيَّتُهُ مَعْصِيَةً فَلاَ بَأْسَ أَنْ يُسْمِعَهُ ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً. (٣)

- كَذَلِكَ التَّحْمِيدُ لِمَنْ دَخَل السُّوقَ مُسْتَحَبٌّ. فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ دَخَل السُّوقَ فَقَال: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُل شَيْءٍ قَدِيرٌ،

_________

(١) مقالة علي: (أصبح بحمد الله بارئا " أخرجها البخاري (الفتح ١١ / ٥٧ - ط السلفية) . وانظر الأذكار للنووي ٢٦٩.

(٢) حديث: " من رأى مبتلى فقال:. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٤٩٣ - ط الحلبي) وهو حسن لطرقه. وانظر الأذكار للنووي ٢٦٩.

(٣) الأذكار للنووي ٢٦٩.

كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ. (١)

التَّحْمِيدُ لِمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلاَةِ:

٢٥ - التَّحْمِيدُ لِمَنْ عَطَسَ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ إِذَا جَهَرَ بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ إِنْ أَسَرَّ بِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ. (٢) وَحَرَامٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَكَمِ ﵁ قَال: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلاَةِ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَحَدَّقَنِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقُلْتُ: وَاثُكْل أُمَّاهُ مَا لَكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ دَعَانِي، بِأَبِي وَأُمِّي هُوَ، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، وَاللَّهِ مَا ضَرَبَنِي ﷺ وَلاَ كَهَرَنِي ثُمَّ قَال: إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآْدَمِيِّينَ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ. (٣)

_________

(١) حديث: " من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله. . . " أخرجه الترمذي (٥ / ٤٩١ - ط الحلبي) وصححه الحاكم. (الفتوحات لابن علان ٦ / ١٩٣ - المنيرية) وانظر الأذكار للنووي ٢٦٩.

(٢) مراقي الفلاح ٢٨٣، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٤٩، ٣٨١.

(٣) حديث: " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ط الحلبي) . وانظر المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٩٤، ١٢٢. ومعنى كهرني: قهرني (المصباح) .

هَذَا وَيُكْرَهُ التَّحْمِيدُ لِمَنْ يَقْضِي حَاجَتَهُ فِي الْخَلاَءِ وَعَطَسَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهِ بِلِسَانِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ. (١)

_________

(١) حديث: " كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " أخرجه أبو داود (١ / ٢٣ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ١٦٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. وانظر مراقي الفلاح ٣١، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٣٣، ٢٨٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٨، والشرح الكبير ١ / ١٠٦، والأذكار لنووي ٢٨، ٢٤٢.

تَحْنِيكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي التَّحْنِيكِ فِي اللُّغَةِ: أَنْ يُدَلِّكَ بِالتَّمْرِ حَنَكَ الصَّبِيِّ مِنْ دَاخِل فِيهِ، بَعْدَ أَنْ يَلِينَ. (١)

وَالتَّعْرِيفُ الاِصْطِلاَحِيُّ يَشْتَمِل عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَعَلَى غَيْرِهِ، كَتَحْنِيكِ الْمَيِّتِ وَغَيْرِهِ.

٢ - فَتَحْنِيكُ الْمَيِّتِ هُوَ: إِدَارَةُ الْخِرْقَةِ تَحْتَ الْحَنَكِ وَتَحْتَ الذَّقَنِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْجَنَائِزُ) .

٣ - وَتَحْنِيكُ الْوُضُوءِ هُوَ: مَسْحُ مَا تَحْتَ الْحَنَكِ وَالذَّقَنِ فِي الْوُضُوءِ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (الْوُضُوءِ) .

٤ - وَتَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ (وَيُسَمَّى التَّلَحِّي) هُوَ: إِدَارَةُ الْعِمَامَةِ مِنْ تَحْتِ الْحَنَكِ كَوْرًا أَوْ كَوْرَيْنِ. (٢)

تَحْنِيكُ الْمَوْلُودِ:

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - التَّحْنِيكُ مُسْتَحَبٌّ لِلْمَوْلُودِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى

_________

(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " حنك ".

(٢) كشاف القناع ١ / ١١٩، ٢٨٦.

﵄ قَال: وُلِدَ لِي غُلاَمٌ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبْرَاهِيمَ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ. (١)

٦ - وَيَتَوَلَّى تَحْنِيكَ الصَّبِيِّ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنِّكُهُمْ. (٢)

وَأَوْرَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَمَرَ امْرَأَةً بِتَحْنِيكِهِ. (٣)

٧ - وَيُحَنَّكُ الْمَوْلُودُ بِتَمْرٍ، لِمَا وَرَدَ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَتْ: خَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءَ، فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَل فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّل شَيْءٍ دَخَل جَوْفَهُ رِيقُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ.

فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ تَمْرٌ فَرُطَبٌ، وَإِلاَّ فَشَيْءٌ حُلْوٌ،

_________

(١) حديث أبي موسى ﵁: " ولد لي غلام فأتيت النبي ﷺ. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٥٨٧ - ط السلفية) . مسلم (٣ / ١٦٩٠ - ط الحلبي) .

(٢) حديث: " كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم " أخرجه مسلم (١ / ٢٣٧ - ط الحلبي) .

(٣) تحفة الودود في أحكام المولود ص ١٩، وفتح الباري ٩ / ٥٨٨، ٧ / ٢٤٩، وقليوبي وعميرة ٤ / ٢٥٦، وروضة الطالبين ٣ / ٢٣٣ ط المكتب الإسلامي، والمغني ٨ / ٦٥٠، والحطاب ٣ / ٢٥٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٨٩.

وَعَسَل نَحْلٍ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِمَّا يُفْطِرُ الصَّائِمَ.

٨ - وَيُحَنَّكُ الْغُلاَمُ غَدَاةَ يُولَدُ، قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَقُيِّدَ بِالْغَدَاةِ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْخَبَرِ، وَالْغَدَاةُ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْوَقْتُ هُنَا.

وَيَنْبَغِي عِنْدَ التَّحْنِيكِ أَنْ يَفْتَحَ الْمُحَنِّكُ فَمَ الصَّبِيِّ، حَتَّى تَنْزِل حَلاَوَةُ التَّمْرِ أَوْ نَحْوِهِ إِلَى جَوْفِهِ. (١)

التَّحْنِيكُ فِي الْعِمَامَةِ:

٩ - تَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ أَنْ يُدَارَ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْرٌ أَوْ كَوْرَانِ، وَيُسَنُّ تَحْنِيكُهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُحَصَّل الْكَلاَمِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْعِمَامَةَ بِغَيْرِ تَحْنِيكٍ وَلاَ عَذَبَةٍ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، فَإِنْ وُجِدَا فَهُوَ الأَْكْمَل وَهُوَ السُّنَّةُ، وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْكَرَاهَةِ، فَقِيل لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.

وَلاَ يُسَنُّ تَحْنِيكُ الْعِمَامَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَتُسَنُّ الْعَذَبَةُ لاَ غَيْرُ. (٢)

_________

(١) فتح الباري ٩ / ٥٨٨، ٧ / ٢٤٩.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨١، ومواهب الجليل ١ / ٥٤١، وحاشية الجمل ٢ / ٨٩، وكشاف القناع ١ / ١١٩، ٢٨٦.

تَحَوُّلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّحَوُّل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ تَحَوَّل، وَمَعْنَاهُ: التَّنَقُّل مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى آخَرَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: الزَّوَال، كَمَا يُقَال: تَحَوَّل عَنِ الشَّيْءِ أَيْ: زَال عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.

وَكَذَلِكَ: التَّغَيُّرُ وَالتَّبَدُّل. وَالتَّحْوِيل مَصْدَرُ حَوَّل، وَهُوَ: النَّقْل، فَالتَّحَوُّل مُطَاوِعٌ وَأَثَرٌ لِلتَّحْوِيل. (١)

وَيَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ بِالتَّحَوُّل مَا يُقْصَدُ بِهِ فِي اللُّغَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الاِسْتِحَالَةُ:

٢ - مِنْ مَعَانِي الاِسْتِحَالَةِ لُغَةً: تَغَيُّرُ الشَّيْءِ عَنْ طَبْعِهِ وَوَصْفِهِ، أَوْ عَدَمُ الإِْمْكَانِ. (٢)

فَالاِسْتِحَالَةُ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى التَّحَوُّل،

_________

(١) مختار الصحاح، والصحاح في اللغة والعلوم، ولسان العرب مادة: " حول ".

(٢) المصباح المنير مادة: " حول ".

كَاسْتِحَالَةِ الأَْعْيَانِ النَّجِسَةِ مِنَ الْعَذِرَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَتَحَوُّلِهَا عَنْ أَعْيَانِهَا وَتَغَيُّرِ أَوْصَافِهَا، وَذَلِكَ بِالاِحْتِرَاقِ، أَوْ بِالتَّخْلِيل، أَوْ بِالْوُقُوعِ فِي شَيْءٍ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.

أَحْكَامُ التَّحَوُّل:

لِلتَّحَوُّل أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاطِنِهَا، أَهَمُّهَا مَا يَلِي:

أ - تَحَوُّل الْعَيْنِ وَأَثَرُهُ فِي الطَّهَارَةِ وَالْحِل:

٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ إِلَى: أَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، فَرَمَادُ النَّجِسِ لاَ يَكُونُ نَجِسًا، وَلاَ يُعْتَبَرُ نَجِسًا مِلْحٌ كَانَ حِمَارًا أَوْ خِنْزِيرًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَلاَ نَجِسٌ وَقَعَ فِي بِئْرٍ فَصَارَ طِينًا، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ إِذَا صَارَتْ خَلًّا سَوَاءٌ بِنَفْسِهَا أَوْ بِفِعْل إِنْسَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، لاِنْقِلاَبِ الْعَيْنِ، وَلأَِنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ وَصْفَ النَّجَاسَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، فَيَنْتَفِي بِانْتِقَائِهَا. فَإِذَا صَارَ الْعَظْمُ وَاللَّحْمُ مِلْحًا أَخَذَا حُكْمَ الْمِلْحِ؛ لأَِنَّ الْمِلْحَ غَيْرُ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ.

وَنَظَائِرُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: الْعَلَقَةُ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، فَإِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى الْمُضْغَةِ تَطْهُرُ، وَالْعَصِيرُ طَاهِرٌ فَإِذَا تَحَوَّل خَمْرًا يَنْجُسُ.

فَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا: أَنَّ اسْتِحَالَةَ الْعَيْنِ تَسْتَتْبِعُ

زَوَال الْوَصْفِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهَا. (١)

وَالأَْصْل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ لاَ يَطْهُرُ بِالاِسْتِحَالَةِ، فَالْكَلْبُ أَوْ غَيْرُهُ يُلْقَى فِي الْمَلاَّحَةِ فَيَصِيرُ مِلْحًا، وَالدُّخَانُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْ وُقُودِ النَّجَاسَةِ، وَكَذَلِكَ الْبُخَارُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ، ثُمَّ قَطَّرَ، نَجِسٌ. (٢)

٤ - ثُمَّ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ الْخَمْرَ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّل؛ لأَِنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ الإِْسْكَارُ وَقَدْ زَالَتْ، وَلأَِنَّ الْعَصِيرَ لاَ يَتَخَلَّل إِلاَّ بَعْدَ التَّخَمُّرِ غَالِبًا، فَلَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِالطَّهَارَةِ تَعَذَّرَ الْحُصُول عَلَى الْخَل، وَهُوَ حَلاَلٌ بِالإِْجْمَاعِ.

وَأَمَّا إِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فِيهَا بِفِعْل إِنْسَانٍ فَلاَ تَطْهُرُ عِنْدَهُمْ.

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِإِلْقَاءِ الرِّيحِ فَلاَ تَطْهُرُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي التَّخْلِيل كَبَصَلٍ وَخُبْزٍ حَارٍّ، أَمْ لاَ كَحَصَاةٍ.

وَكَذَلِكَ لاَ فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُلْقَاةُ طَاهِرَةً أَوْ نَجِسَةً. (٣) وَفِي الْمَوْضُوعِ تَفْصِيلٌ أَكْثَرُ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَخْلِيلٌ وَاسْتِحَالَةٌ) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٢٠٩، ٢١٧، والدسوقي ١ / ٥٢ - ٥٣، والإنصاف ١ / ٣١٨، والمغني ٩ / ٧٢.

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٢٤٧، ط مصطفى البابي الحلبي، والمغني ١ / ٧٢ ط مكتبة الرياض الحديثة، وروضة الطالبين ١ / ٢٨ ط المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.

(٣) المراجع السابقة.

ب - تَطْهِيرُ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ:

٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْل الدِّبَاغِ، (١) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَهُ عَلَى اتِّجَاهَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَفِي الْمَوْضُوعِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، فَصَّلَهُ الْفُقَهَاءُ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنِ النَّجَاسَةِ وَكَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِهَا، (٢) وَيُرَاجَعُ فِيهِ أَيْضًا مُصْطَلَحُ: (دِبَاغَةٌ) .

ج - تَحَوُّل الْوَصْفِ أَوِ الْحَالَةِ:

تَحَوُّل الْمَاءِ الرَّاكِدِ إِلَى الْمَاءِ الْجَارِي:

٦ - الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمَاءَ النَّجِسَ الرَّاكِدَ إِذَا تَحَوَّل إِلَى جَارٍ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ جَرَيَانِهِ، وَالْجَارِي مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (٣) بِأَنْ يَدْخُل الْمَاءَ مِنْ جَانِبٍ وَيَخْرُجَ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ حَال دُخُولِهِ، وَإِنْ قَل الْخَارِجُ، لأَِنَّهُ صَارَ جَارِيًا حَقِيقَةً، وَبِخُرُوجِ بَعْضِهِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ، فَلاَ تَبْقَى مَعَ الشَّكِّ.

وَفِيهِ قَوْلاَنِ ضَعِيفَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

الأَْوَّل: لاَ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ التَّحَوُّل، بَل لاَ بُدَّ مِنْ خُرُوجِ قَدْرِ مَا فِيهِ.

وَالثَّانِي: لاَ بُدَّ مِنْ خُرُوجِ ثَلاَثَةِ أَمْثَالِهِ.

_________

(١) يسمى الجلد قبل الدباغ (إهابا) و(مسكا) .

(٢) ابن عابدين ١ / ١٣٥، ١٣٦ ط دار إحياء التراث الإسلامي بيروت، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٤، ٥٥ ط دار الفكر، والمغني ١ / ٦٦ وما بعدها.

(٣) الاختيار ١ / ١٥.